حي العراقيين في بيروت ...ضريبة العبور

المحرر موضوع: حي العراقيين في بيروت ...ضريبة العبور  (زيارة 371 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل albabely

  • عضو مميز متقدم
  • *******
  • مشاركة: 6029
  • الجنس: ذكر
    • مشاهدة الملف الشخصي
حي العراقيين في بيروت ...ضريبة العبور

بيسان الشيخ
 
 تاريخ النشر       04/07/2010 05:00 AM

 

 
«حي العراقيين» في بيروت
انها المرة الاولى التي يحتفل فيها الشرق الاوسط باليوم العالمي للاجئين الموافق في 20 حزيران (يونيو) الماضي, رغم أن بلدان هذه المنطقة تراكم منذ نكبة 1968, أزمة تلو أخرى مع الهاربين من الحروب والنزاعات ومخيمات النازحين التي تحولت في أحيان كثيرة الى إقامات شبه دائمة لسكانها. كيف حال العراقيين في لبنان؟

مع إعلان المفوضية العليا للاجئين التابعة للامم المتحدة العام 2010 سنة اللجوء العراقي, وزيارة المفوض الأعلى للهيئة انطونيو غوتيريس المنطقة في مطلع الاسبوع الماضي, استضافت بيروت عدداً من النشاطات الفنية والعروض الثقافية وتحركات المجتمع المدني للمطالبة بتحسين وضع اللاجئين الجدد، والبحث عن حلول لمشكلتهم في بلد يصر سياسيوه على أنه «ليس بلد لجوء».
وفيما حظيت تلك الفعاليات بتغطية إعلامية سلطت الضوء على مشكلة يجهلها معظم اللبنانيين أو يتجاهلونها, إلا أنها بقيت أشبه باحتفال فولكلوري نخبوي لم يقدم شيئاً ملموساً في الحياة اليومية لنحو 50 ألف عراقي يتوزعون على المناطق اللبنانية, ويتركزون بشكل خاص في ضاحيتي بيروت الشمالية والجنوبية، على قاعدة الانتماء الطائفي. وكما في العراق, كذلك في لبنان، الحرب فرزتهم ديانات وطوائف, وجمعتهم مصيبة اللجوء وحلم مشترك بالرحيل إلى أميركا.
«حلاقة حسام» لافتة مكتوبة بخط اليد على حائط شبه متهالك تدلك إلى محل الحلاقة الوحيد في ما بات يسمى بـ «حي العراقيين». اللبنانيون الذين يعبرون الطرقات الرئيسة المؤدية إلى ذلك الزقاق يدّعون عدم معرفتهم بوجود حي لاجئين قرب مناطق سكنهم وعملهم لدى سؤالهم عن كيفية الوصول إليه. «أي عراقيين؟» يرددون باستغراب ويمضون في سبيلهم كأنهم يبعدون ذلك الشبح عن وعيهم المشترك رافضين الاعتراف بهؤلاء «الغرباء». لكن الحي موجود وقد تلون هذه المرة بألوان المونديال، والأعلام الزاهية علقت على الشرفات إلى جانب الصحون اللاقطة, وحبال الغسيل تدلت من نوافذ مفتوحة على الشارع، فيما الشرفات القليلة تضج بأطفال ونساء نزل رجالهن إلى الدكاكين.
«لا بأس» يقول حسام, منتظراً دخول زبون من الشباب المتجمعين في الخارج. «نحن في حالنا وهم في حالهم» قاصداً اللبنانيين. ويتابع: نحن نعلم أنه غير مرحب بنا هنا... لكن الحياة باتت مستحيلة في العراق ولبنان محطة عبور لا غير.
وكان حسام (32 عاماً) حمل والديه وزوجته وطفليه اللذين ولد ثالثهما في بيروت منذ بضعة أشهر وهرب بهم إلى اليونان في العام 2008. بعدها انتقل إلى لبنان «حيث اللغة والبيئة الاجتماعية تساعدان أكثر». وهو اليوم المعيل الوحيد لتلك العائلة معتمداً على دخله من محل الحلاقة ومدخرات أحضرها معه من العراق بعدما باع سيارته وبعض المصاغ. لم يسمع حسام بزيارة غوتيريس, ولم يهتم أصلاً بمعرفة تفاصيل جولاته المكوكية على المسؤولين اللبنانيين, ولا دعوته السياسيين العراقيين الى تشكيل حكومة على أسس غير طائفية, لأن ذلك قد يسهم في تحسين الوضع الامني في العراق وحل مشكلة آلاف اللاجئين في الداخل والخارج.
المهم بالنسبة إلى حسام, أن يؤمن قوت عائلته ويعمل على الرحيل في أقرب وقت ممكن إلى كاليفورنيا حيث يقيم أشقاؤه. أما السياسة, كما يقول, فهو بعيد عنها. ويتقاضى حسام عن قصة الشعر 5 الآف ليرة لبنانية أي ما يعادل 3 دولارات, و3 الآف (دولارين) عن حلاقة الذقن وتشذيبها. لكنه يقدم عرضاً خاصاً للزبائن الراغبين في تزيين شعرهم وذقنهم في آن, فيصبح السعر 7 آلاف عوضاً عن ثمانية, لا سيما ليالي السبت التي يعج فيها محله بالشباب الراغبين في السهر.
ويتحدث حسام عن العملة بلهجته العراقية, فيقول «ورقة» عوضاً عن ليرة أو دولار ويعود ويستدرك موضحاً كلما أفصح عن رقم. فالإيجار الشهري الذي يدفعه لشقة متواضعة اختارها بعيداً نسبياً من هذا الحي, يبلغ نحو 400 دولار تضاف إليها مصاريف المياه والكهرباء واشتراك المولد والصحن اللاقط وغيرها من الخدمات التي يحرص على توفيرها لعائلته. هذا عدا مصاريف الطعام والشراب واللباس وأقساط المدرسة للولدين. ويرتاد الصغيران المدرسة الرسمية في حيهم, ويعتبران محظوظين لأن والدهما استحصل لهما على إقامات شرعية تتيح لهما هذا الترف. «لكن الاولاد لا يلعبون معهم ويسخرون احياناً من لهجتهم» يقول حسام بحسرة.

كلفة المعيشة المرتفعة في لبنان, والاسعار التي لا تخضع لأي رقابة أو تنظيم تثقل كاهل الشاب وتجعله يبدو اكبر سناً. لكنه إذ يشيح بنظره بعيداً يعود ويقول «أنا غير نادم... يبقى هذا أفضل من الموت المحتم»، فهو واحد من الحلاقين العراقيين الذين تعرضوا بشكل مباشر للتهديد على يد الميليشيات المسلحة التي استهدفت محال التزيين، بحجة أنها تشجع الشباب على حلق اللحى والتشبه بالغرب. تدمع عيناه وهو يتذكر: صبرت على الحرب وتردي الاوضاع الأمنية حتى تلقيت تهديداً شخصياً. جئت ذات صباح افتح باب محلي فوجدت رسالة معلقة عليه تنصحني بالرحيل، بعدما كان زميل لي قد قتل بقطع رأسه ووزع الشريط المصور على أهله وأصدقائه. لكن حسام لم يذعن. اعتمد خطة بديلة تقضي بجمع زبائنه في يوم محدد من الاسبوع, ودخول المحل عبر باب خلفي من دون فتح الستارة الحديدية المطلة على الشارع العام. وبقي الحال على ما هو عليه بضعة اسابيع قبل أن يأتي يوم ويجد أن محله قد احترق. علم حينها أنه لا مفر من الهرب.
هروب قسري آخر, يعيشه الزوجان فريال وماجد في شقة تعلو محل حسام في مبنى لم يعرف الطلاء أو الصيانة منذ سنوات. درج متهالك اعشوشبت جدرانه من الرطوبة, واسلاك كهربائية متشابكة تؤدي إلى منزلهما حيث المياه مقطوعة بسبب تنافس على النفوذ في الحي. فتحت فريال الباب باكية، وقبل سؤالها حتى عن سبب انهمار الدموع غزيرة من عينيها روت بين شهيق وزفير أن «الجارة السورية تقطع المياه عنّا وترمي النفايات تحت نافذتنا». ولا يمكن للزوجين اللذين يسددان بانتظام الرسوم لمصلحة المياه أن يتقدما بشكوى لأنهما يعتبران «لاجئين غير شرعيين»، وبالتالي فإن الخوف من الاعتقال يتربص بهما في حال كشف أمرهما. وقال ماجد وهو مدرس ثانوي متقاعد كان يقطن منطقة السعدون في بغداد: أنا وزوجتي معلمان وصحيح اننا لم نكن فاحشي الثراء, لكننا من فئة اجتماعية كانت تحظى بالاحترام... أما الآن فقد تحولنا الى مجرد خارجين عن القانون.
بخلاف حسام, علمت فريال بزيارة غوتيريس إلى بيروت, وتوجهت إلى مركز جمعية «عامل» على طريق المطار حيث نظم له لقاء مع اللاجئين. صور تذكارية وعرض افلام وثائقية ومقابلات جانبية, جدول أعمال مثقل لكنه لم يمنع فريال من أن تعرض وضعها, وتطالب بحقها وحق زوجها الحصول على صفة «لاجئ» وهي صفة، رفضت الهيئة العليا للاجئين منحها إياها منذ 3 سنوات هي عمر انتقالها الى لبنان, علماً أنها تحميهما من احتمال الترحيل القسري إلى العراق, وإن كانت لا تمنحهما أي امتيازات. ذلك أن مصدر المساعدات الوحيد هو الجمعيات الدينية التي توزع صناديق تموين بحسب الاولويات. وبالنسبة الى زوجين وحيدين من دون عائلة ولا أطفال، فإن صناديق الحصص الغذائية لا تكون دائماً من نصيبهما. أما السيولة للمصاريف اليومية فكل وحظه. فريال وماجد ورغم عمرهما وخبرتهما في التعليم التي لم يستطيعا استثمارها, يعملان «جمهوراً» في البرامج التلفزيونية مقابل 10 آلاف ليرة لبنانية (6 دولارات) لست ساعات عمل. إنه عمل مضن يمتد حتى وقت متأخر من الليل أحياناً ويتطلب الوقوف والجلوس مراراً والتصفيق والصياح بحسب ما يقتضيه كل برنامج. كما يفرض التعاقد مع الشركة التي تؤمن الجمهور أن يكونا جاهزين متأنقين في اي وقت تطلبهما الشركة وقد يمتد ذلك إلى 5 ايام في الاسبوع. وفي استغلال صارخ لوضع اللاجئين وظروفهم وحاجتهم الملحة الى السكن والعمل, تعلو ايجارات منازلهم وإن كانت لا تستوفي الشروط السكنية فيما تهبط رواتبهم مقابل ساعات عمل طويلة. فتلك الشركات التي تؤمن الجمهور تتقاضى من القنوات التلفزيونية 30 ألف ليرة لبنانية (20 دولاراً) عن الشخص الواحد, لكنها لا تدفع منها إلا 6 دولارات كما حال فريال وماجد وكثيرين غيرهم من الشباب والصبايا. لكن هؤلاء يعتبرونها فرصة لمشاهدة نجومهم المفضلين والحصول منهم على «بوستر» بتوقيعهم ومصدر دخل شخصي ينفقونه بدورهم على بعض المتع الصغيرة.
وإذ يشكل تردي الوضع الاقتصادي نتيجة مباشرة لأزمة اللجوء, فهو أيضاً يحدث شرخاً إضافياً بين أطياف العراقيين المقيمين في لبنان, وتعامل اللبنانيين معهم. فالشقق السكنية في مصايف عالية وبحمدون والفنادق الفخمة في الحمرا وعلى الكورنيش البحري لبيروت تعد بين روادها الدائمين والموسميين عراقيين كثراً يعيشون التجربة اللبنانية الأخرى... تلك التي لا تطلب منهم أوراقاً رسمية ولا تسألهم إن كانوا لاجئين أو مقيمين أو سياحاً. مطاعم أدرجت على لوائحها تجاوزاً طبق السمك المسقوف, ونواد ليلية استحدثت «ليالي بغداد» في برامجها, وهي بحسب مدير إحدى الصالات أمسيات يحييها فنانون عراقيون تبدأ في الواحدة والنصف بعد منتصف الليل وتمتد حتى السابعة صباحاً. أما التعرفة فخمسون دولاراً للشخص الواحد مع مشروب مفتوح وفاكهة.
انه وجه من لبنان لا يقوى عليه القاطنون في تلك الضواحي الذين يرون أن أصعب ما في وضعهم, ليس الحرمان من هذا الترف وحسب... وإنما انتظار موعد لرحيل قد لا يأتي.
 
http://www.alesbuyia.com/inp/view.asp?ID=13436
مريم العذراء مخلصتي * ويسوع الملك نور الكون  الابدي * وبابل ارض اجدادي