مقابلة مع الأب الدكتور يوسف توما


المحرر موضوع: مقابلة مع الأب الدكتور يوسف توما  (زيارة 5857 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل يوحنا بيداويد

  • اداري منتديات
  • عضو مميز جدا
  • *
  • مشاركة: 2058
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
مقابلة مع الأب الدكتور يوسف توما


أجراها يوحنا بيداويد –ملبورن، استراليا

مقدمة
يعد الأب الدكتور يوسف توما أحد أعمدة الحركة الفكرية الجديدة بين شباب الأمس واليوم، فهو مدرّس في المعهد الكهنوتي وكلية بابل في بغداد منذ حوالي ربع قرن، وهو أيضًا مؤسس ومدير الدورة اللاهوتية في كاتدرائية القديس يوسف (السنتر) في بغداد منذ 1984، ورئيس تحرير مجلة "الفكر المسيحي" منذ 1995.
كنت قد سمعت باسم الأخ الراهب الدومنيكي يوسف توما في عام 1976، من أقارب والدتي، وعرفت أنه، حينها كان يدرس اللاهوت في فرنسا، ومثل بقيّة شباب تلك السنوات، كنا نحب الإطلاع جدًا على التوجهات الخاصّة. رغبتُ بالتعرف عليه أكثر، فأرسلت إليه بطاقة تهنئة، معرّفا إياه بذاتي، فكان ردّه جميلا ووعدني باللقاء حين عودته إلى الوطن. وفي آذار من عام 1980 سافرتُ مع جميع أقاربنا من بغداد إلى الموصل لحضور حفلة رسامته الكهنوتية. وكم كانت جميلة تلك الأيام إذ منحتني الفرصة كي أناقشه وأجادله في مواضيع الإيمان والفكر، إضافة إلى مواضيع أدبيّة مثل أبطال القصص العالمية الشهيرة كرواية البؤساء لفيكتور هوغو  والجريمة والعقاب لدوستويفسكي والإخوة الأعداء لتولستوي، إلى جانب أبطال كولن ويلسون في كتابه الذي لم يبق أحد من جيلنا ولم يقرأه وهو بعنوان  "اللامنتمي" (وأنا اليوم أتساءل لماذا لم ينتم؟).
 وحينما بدأت الدورة اللاهوتية، في خريف عام 1984 كنت أحد طلاب الدورة الأولى منها، ونحن نفخر اليوم بأننا استقينا كثيرا من مناهل المعرفة الدينية والفلسفية والتاريخية على أيدي آباء أفاضل من المدرّسين آنذاك، فتلك الدورة دامت 20 عامًا، وأذكر المطران بولص دحدح، والآباء كوب المخلصي وألبير أبونا ويوسف عتيشا الدومنيكي وروبير الكرملي والأب (المطران) جاك اسحق، وخصوصًا مدير الدورة اللاهوتية ومؤسّسها الأب الدكتور يوسف توما.
لكن ظروف البلد المتعاقبة أجبرتنا على الهجرة،  مع ذلك، إحتفظت برسائلي المتبادلة معه، وكانت أيام زيارته عندنا في أستراليا في عام 1998 بمثابة مهرجان كبير للجالية، هنا في ملبورن خصوصًا، فالجميع يذكر تلك الأيام بحنين كبير. ولذا عنّ لي أن أجري معه هذا اللقاء، فوافق بعد إلحاح كبير.

السيرة الذاتية
•   أبونا يوسف توما إسم قل من يجهله من شباب الأخويات منذ ثمانينيات القرن الماضي وحتى اليوم. هل لنا أن نعرف شيئا عن سيرتك الذاتية؟ وما هي الشهادات التي تحملها؟ والمسؤوليات الرسمية التي تتقلدها الآن؟
ولدتُ في الموصل في عام 1949 من أب نازح من قرية (أومرة – ديره شيش) في ثلاثينيات القرن العشرين، والوالدة آشورية تيارية من قرية غيرامون. درستُ الإبتدائيّة في الموصل حتى ثورة الشوّاف في عام 1959، ثم انتقلنا، بسبب الأحداث، إلى زاخو، ومن هناك دخلتُ في معهد مار يوحنا الحبيب الكهنوتي في الموصل في عام 1962، لأتركه في عام 1971 فالتحق بالخدمة العسكرية. وبعد فترة قصيرة، عملت في إحدى الشركات في بغداد، دخلت الرهبانيّة الدومنيكية في فرنسا، في عام 1974 حتى نهاية 1979، وخلال تلك الفترة قمت بالدراسة في جامعات عديدة منها جامعة ستراسبورغ، قسم تاريخ العقائد وجامعة باريس - نانتير (باريس 10) حيث درستُ علم الأجناس البشرية، وحصلتُ على الدكتوراه في اللاهوت والماجستير في الأجناس البشرية. وكان في ودّي أن أكمل دكتوراه أخرى في الأجناس البشرية، لكنني وبسبب حاجة الآباء الدومنيكان إلى عودتي إلى الوطن أجلت المشروع.
•   لماذا كان علم الأجناس البشرية موضوع اهتمامك، بعد اللاهوت، عمّا كنت تبحثَ في دراستك له؟
إن "الأجناس البشرية" علم جديد نسبيًا (150 سنة فقط)، وليس في العراق من درسه – على علمي - سوى سيّدة إختصّت في علم الأجناس الموسيقيّة، ويعتمد هذا العلم على بحث وتحليل للإرث الإنساني والفكري غير المكتوب، وهذا العلم يجمع بين علوم عديدة: كالتاريخ والاجتماع وعلم النفس، إنه نقطة التقاء العلوم الإنسانية، وقد ساعدني جدًا في اللاهوت، إذ درستُ الجانب العملي لظاهرة الدين، وكان اهتمامي - في المراحل المتقدمة من دراسته - بعلم الأساطير و الميثولوجيا، وهذا ما ساعدني في قراءة مزدوجة، لا فقط من الناحية النظرية ولكن من الناحية العملية، تفاعل مسار الفكر الديني مع المجتمع.
•   أبونا، أعرف أن لديك الكثير من العطاء في مجالات متنوّعة، كما لديك نتاج فكري في الكتابة والتأليف، إلى جانب التدريس في كلية بابل، ما عدا إصدارك مجلة (الفكر المسيحي)، وتأسيسك الدورة اللاهوتية، ومحاضرات ومؤتمرات وأخويات، هل يمكن إعطاءنا فكرة، ولو مختصرة، عن هذه المحطات في حياتك؟ وما هي آخر الأخبار للدورة اللاهوتية؟
حال عودتي من الخارج تعيّنتُ في الموصل، إلى عام 1983، ثم عيّنتُ في بغداد، حيث بدأت التدريس في معهد شمعون الصفا الكهنوتي، وأعطيتُ مواد كثيرة، خصوصًا اللاهوت، وقمت بتأليف ملازم الدروس التي ألقيتها، وفي عام 1984 قمت بتأسيس الدورة اللاهوتية التي دامت تقريبًا عشرين عامًا حتّى عشيّة غزو العراق في آذار عام 2003.
كما أسهمتُ في تأسيس كلية بابل للفلسفة واللاهوت، بمعيّة المرحوم الأب يوسف حبي، وذلك بدعوة من سعيد الذكر، البطريرك روفائيل الأوّل بيداويد.
وكما ذكرتَ في مقدمتك، ألقيتُ كمّا كبيرًا من المحضرات في شتّى مجالات اللاهوت والفلسفة والفكر الإجتماعي، في كنائس عدّة، وشاركتُ في مؤتمرات علمية ودينية، وأسهمتُ في تأسيس الأخوّة الدومنيكية العلمانية، وذلك في عام 1985. هذه الأخوّة هي الفرع الثالث لرهبانيّتنا، وهي تسهم  بفاعليّة في مساعدة الرهبان والراهبات الدومنيكان في رسالتهم وتفاعلهم مع المجتمع ومساعدة المحتاجين، والأخوّة تختلف كثيرًا عن باقي الأخويّات الكنسيّة، فهي أكثر من تجمّع أخويّ، إذ لدى العلمانيين الدومنيكان إلتزام متكيّف مع حالتهم وأعمالهم وأسرهم، إلى جانب تنشئة مطوّلة من: ابتداء والتزام مؤقت ودائميّ.
هذه المحطات في حياتي، كانت منشّطة لي للبحث في مجالات الفكر الإيماني والديني والاجتماعي والثقافي للإسهام وفي مساعدة آلاف الشباب والشابات في تثبيت حياتهم المسيحية، وقد أثّر هذا الاهتمام في مسار حياتي وأعدّني لمراحل تالية، ولكن وللأسف، بسبب الظروف التي مررنا فيها منذ 2003، اضطررت إلى إيقاف الدورة اللاهوتية، حماية للناس كي لا يصيروا هدفًا للخطر أو للعمليات الإرهابية.
•   مجلة الفكر المسيحي أقدم مجلة في العراق مستمرّة حتى الآن، وأسمع كثيرًا من الأصداء بأنها تطوّرت في السنين الأخيرة كثيرًا في نواح عدّة، خصوصًا في طرح المواضيع الفكرية والدينية والحضارية، هل يمكنك إعطاء فكرة عن آخر أخبارها والمستجدات فيها؟
إستلمت مسؤولية تحرير مجلة (الفكر المسيحي) في عام 1995، وهي أقدم مجلة في العراق من حيث الديمومة، فنحن الآن في السنة 42 من عمرها، وقد تأسست في الموصل في عام 1964 على أيدي كهنة يسوع الملك، وكانوا فريقًًا نشطًا من كهنة شباب أرادوا أن يضعوا بين أيدي الناس وسيلة تثقيفية وإيمانيّة شاملة، ممّا جعلها متميّزة دائمًا. ومنذ استلام الآباء الدومنيكان لها، عهدوا بها إليّ فشكلت كادرًا جديدًا، وسعيتُ إلى الإستمرار في خصوصية طابعها المستقل الشامل لكل المسيحيين، وهي خادمة للكل بلا تمييز، إذ ليست لسان حال أيّ من الطوائف ولا يهمّها سوى أن تكون في خط ما أراده المسيح من تلاميذه "أن يكونوا واحدًا" (يوحنا 17/11)، لذا تحاول (الفكر المسيحي) أن تكون للجميع ومن أجل الجميع في استجلاء للمواضيع الفكرية والثقافية والإعلامية. وبرغم الصعوبات التي نمرّ فيها اليوم، خصوصًا من ناحية ارتفاع التكاليف ومشاكل التوزيع، إلا أننا نحمد الله على كل شيء.
•   سمعت أن لديكم طموحًا في إنشاء "جامعة" تحت اسم الملفان والفيلسوف الكبير توما الإكويني، هل من فكرة عن هذا المشروع؟
مشروع إنشاء جامعة مفتوحة هي امتدادٌ لهوية الآباء الدومنيكان في العراق، أي البحث عن الحقيقة ومحاولة لخلق وسيلة لهذا البحث، وذلك من خلال الإطلاع المستمرّ على مسارات الفكر الإنساني، الذي يتطوّر في كل عصر، من خلال المستجدات التي تأتي بها العلوم الإنسانية، ودليلنا في  هذا هو بالذات القديس توما الإكويني (1225-1274)، الذي أحدث تغييرًا جذريًا في الفكر المسيحي، عندما استقى من الفلاسفة الإغريق عن طريق المفكرين المسلمين والعرب، ممّّا عدّ في أيامه "خيانة" للموروث المسيحي. كذلك اليوم لا يمكن أن نتجاهل ما للعلوم الإنسانيّة من أهميّة، فعلوم كالنفس والاجتماع والأجناس والفلسفة إلى جانب علم الأديان المقارنة وغيره، تضع في متناولنا وسائل كفيلة بالوصول إلى التوازن الذي نصبو إليه، وسنسعى أيضًا إلى حلّ مشكلة تعلم اللغات الضرورية للبحث كالانكليزية والفرنسية. إن توما الإكويني ليس فقط شفعينا كقديس، وإنما كمؤسس لفكر تعليمي بإمكانه أن يعطي الجديد، ويسهم في تغيير وجه بلادنا كما غيّر فكره أوربا والعالم في القرون الوسطى، وذلك من خلال عودة أصيلة إلى حضارات الماضي المختلفة، ففتح آفاقًا لمستقبل حوار الحضارات والأديان، إنه خير أنموذج لنا اليوم، نحن الحيارى في صراعات الهوية والإنتماء.
•   لماذا رغبت أن يكون تخصّصك في اللاهوت؟ كيف تقيم علاقة اللاهوت مع الفلسفة عبر التاريخ؟  وكيف ترى ميزان الصراع بين الفكر الميتافيزيقي والفكر المادي في عصر الحداثة؟
لم يتوقف التفاعل بين الفكر اللاهوتي والفلسفي، بل تغيّرت فيه التعاريف فقط، إذ يبدو أن فظهر أن حوار الحضارات هو جزء من حوار الأديان، أي إنه بمثابة إطار للصورة أو قاعدة للتمثال. فالحوار أسلم طريق إلى بناء أي ثقافة حقيقيّة أردنا أن تكتب لها الديمومة. وهذا ما أحدثه فعلا توما الإكويني، وما يزال ثمره قائمًا حتى الآن، أي إذا ما وضعنا كل ما نملك من وسائل فكريّة وحصيلة ما جمعته الأديان والثقافات في بحث صادق عن أوجه الحقيقة المتعدّدة، نعم، إن للحقيقة أوجهًا متعدّدة، بحسب المنظور الذي ننظر منه.
كانت رغبتي في التخصص في اللاهوت لأهميّة هذا العلم ومجاله الواسع الكبير. وخصوصا أن اللاهوت النظري كان وراء كل أشكال النهضة التي قامت بها الكنيسة. فاللاهوت يعمل كأسس في أي بناء ننشئ عليه، واللاهوت الصحيح يخرجنا من العزلة، كما فعل في الكنيسة، أخرجها من مساوئ الخلط مع السياسة والمشاكل القومية أو النزاعات والتيارات ضيقة الأفق.
كنتُ اشعر منذُ زمان بعيد، بأن دراسة صحيحة للاهوت ستساعدنا، نحن أيضًا، على الخروج من هذه المسالك العقيمة التي دخلنا فيها منذ سنوات، وشعرتُ بحاجة الماسة إلى وضع خطوط مسار تساعد أبناء شعبنا - لا من بين المسيحيين فقط - على أن يقرأوا علامات هذا الزمان قراءة صحيحة. لقد كان اللاهوت، منذ بداية المسيحيّة، وسيلة لا بدّ منها لفهم معنى وجود الإنسان على الأرض. فإن كان العِلم يقول لنا "كيف" حدثت الأشياء، فدور اللاهوت هو أن يقول لنا "لماذا" حدثت، وما هو هدف وجودها؟
•   هل تشعر كأستاذ متخصص في علم اللاهوت أن هناك خطرًا في الفكر المادي أو الوجودي على قيم وأخلاق المجتمعات الإنسانية ؟
لا ينبغي أن يكون اللاهوت دفاعًا فقط ولا مجرّد تكرار لأفكار قيلت في الماضي، بل عليه أن يصبح آلة لقراءة علاقة الله بالإنسان، ومحاولة لفهم وتفسير وتأويل مراحل هذه العلاقة. لذلك يُدرس اللاهوت من منظور نازل من فوق، أو ما يسمّيه الشرقيون (مذبرانوثا) أي "التدبير الإلهي"، لكن سرعان ما تبدأ الحاجة إلى دراسة المنظور الصاعد، وهذا ما تسلحنا به العلوم الإنسانيّة، إذ ننهل من معطيات المجتمعات التي نعيش فيها.
منذ القرن الثاني كان هذا هو المسار الذي سار عليه آباء الكنيسة الأوائل منذ القديس يوستينس (القرن 2م) بالاعتماد على الفلسفة، عقب ذلك اعتماد على الثقافات العامّة، بل وحتى الشعبيّة منها، لتجدّد تفاعل الإيمان المسيحي، وهذه العلاقة مع الفلسفة، وإن مرّت بمطبّات عديدة، إلا أن النتائج في العموم كانت ايجابية ومفيدة.
إنّ مشكلتنا اليوم تكمن في قراءة متسرعة وسلبية، أو في اعتبار الصراع أمرًا سيئًا، لكن يمكنني القول: ما كان العالم ليتقدم  لولا هذا الصراع بين الفكر والواقع، بين الفكر الميتافيزيقي وتقلباته إلى جانب صراع الفكر المادي في عصر الحداثة. فهذه الصراعات بالنتيجة كانت خصبة، وكان فعلها فعل المحراث في الأرض، يقلبها كي تحي وتستعيد قوّتها، من أجل استقبال الزرع الحي.
•   يبدو لي أن النظرة السائدة لدى الكثيرين هي في اعتبار أن كل شيء نسبي، أي إنهم يبنون على طرف واحد من المعادلة في الوجود، والطرف الأهم لديهم هو المادي فقط، أو يعتبرون أن الأمور خير وشر فحسب. كيف يمكن أن نقنع شخصًا وجوديًا وملحدًا لا يهمّه غير لحظات حياته الانيّة، كيف نجعله ينعطف 180 درجة، ليبدأ بالتفكير في وجود الله والعيش معه من خلال الإيمان؟
لا أعتقد أن كل الملحدين هم كما وصفتَ، وأدعوك إلى قراءة مقالة الأب هاني دانيال "أيديولوجيات الإلحاد والفكر الديني" (العدد 313-314/2006)، فأنا لا أخاف ولا أشعر بالخطر من التفاعل مع الذين يناقضوننا في الإيمان أو بالإلحاد، ولا خوف لديّ من الفكر المادي أو الوجودي. بالعكس، قام بين المفكرين من استطاع أن يجمع بين الفرقاء، فتمكن من قراءة إيجابية لما بدا صراعًا خطيرًا. فالفكر المادي في تطرّفه قد يبدو سيئًا، لكنه إذا جلس على مائدة الحوار سيكتشف أن هناك فجوة ونقص كبيرًا في تحليله، وقد قام فلاسفة وجوديون ومؤمنون، أشهرهم عمانوئيل مونييه (1905-1950) وهناك بول ريكير (1913-2005) وعمانوئيل ليفيناس (1905-1995)، هؤلاء يعدّون من كبار الفلاسفة المؤمنين، استطاعوا أن يقرأوا ايجابيًا العلاقة بين لاهوت الفكر الديني والفكر الإنساني اليوم. ويمكن القول بأن كلمة "المادة" أصبحت قابلة للروحنة، والدليل هو أننا في المسيحية نؤمن بأن الله أحبّ الإنسان وأحبّ كل ما يخصّه، واقترب منّا بسرّ التجسد، بل أرسل إلينا كلمته: المسيح فصار واحداً منّا: "شبيهًا بنا في كل شيء ماعدا الخطيئة". هذه هي قصّة تطوّرات الفكر اللاهوتي والمسيحي في المجتمعات البشرية والإنسانية، فإذا ما أردنا تحقيق أي بناء يتطلب ذلك منا تفاعلا جديًا، وبحثًا منهجيًا وإصغاءً وتوزيعًا للأدوار، وأن يقوم متخصصون، يتوزعون العمل، يبدأ بإجراء جرد كامل على الممكن والمحتمل، في تفاعل مع ما قطعته العلوم الحديثة، لذا تبوأت العلوم اللاهوتية اليوم مكانة مرموقة وتسلحت بوسائل جديّة شأنها شأن كل العلوم التطبيقية والإنسانية.
•   كيف تقيم مسيرة العلوم الحديثة مثل الهندسة الوراثية ، زرع أو استنساخ الأعضاء...الخ. ؟
إنّ النسبية التي يراها البعض في الجانب المادي فقط، أو باعتبار المسألة ثنائيّة بين الخير والشر فقط، أفكار مثل هذه ما هي إلا تحديات لجميع المؤمنين، والحل ليس في الإنكفاء على الذات أو في مقاطعة من يقرأ العالم من منظور واحد، فأوّل شيء يمكن عمله هو الإحترام، ثمّ لنجلس إلى طاولة الحوار ولنبدأ بالإصغاء ولنحاول أن نكسب ثقة الشخص المقابل المختلف عنا، وبهذا الاحترام والإصغاء العميقين، سنلج إلى أسباب طرحه وتساؤلاته، وخصوصًا لن ندّعي امتلاك الحقيقة. ففي سرّ "الكلمة المتجسّد" ضوء يقود مسار المفكرين، فهو نوعيّة اقتراب "بالكلام والطعام"، يذهب إلى حدّ بذل الذات، من أجل تحرير الآخر، وهذا لعمري ما يحتاجه عالمنا اليوم، وهذا ما يقوله كلّ دين، أي إن الدين إنما هو رغبة الله بسعادة البشر، وهو يقترب منهم بأشكال مختلفة، كل واحد يطلق عليها تسمية بحسب أسلوبه - والتسميات ليست مهمّة - المهم هو حقيقة اقترابه من البشر وحبّه الذي دفعه لإجراء التغيير، وهذا مفتاح كل حوار بين الأديان، بل حتى مع العلوم كلها. فكل شيء رغبة، وهي التي تسيّر الوجود بالخلق والحياة والموت والخلود. إنها الطاقة الوحيدة المفيدة: "إذ ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟" (متى 16/26). وهذه الحقيقة يمكن أن نقولها للذين لا يشاركوننا إيماننا ونظرتنا، أي يمكننا أن نحبّهم من خلالها، فطاقة الحب هي ما يحتاجه عالمنا ومجتمعنا وأسرنا.
لكن يبقى السؤال: كيف السبيل إلى التزوّد بطاقة الحب هذه؟ وهذا سؤال في قلب هذا القرن الجديد، يتوجه إلى كل من بقي يفكر بوسائل قديمة، ممن تطلق أنت عليهم صفة ملحدين أو وجوديين، هؤلاء باعتقادي اليوم قد حدث لديهم تحوّل كبير في اتجاه الإصغاء إلى ما نقوله نحن المؤمنين عن الله وعن كون يسوع المسيح شاهد للإنسان من خلال دعوته إلى الإيمان.

   كنيسة العراق
•   نسمع ونرى في بلدنا العراق ديمومة حالة من اللاسلم واللاأمن، هل يمكن القول إن جرثومة الشر قد اخترقت جدار عقول عدد كبير من الناس؟ وهل نحن كمسيحيين مهمّشون في المعادلة السياسية أو الإجتماعية؟ ما هي الأسباب بحسب رأيك؟ فحتى الدستور لم يضمن حقوق المسيحيين بفقرات واضحة.كنيسة العراق جزء لا يتجزأ من هذا الشعب، والمسيحيون في العراق من بين أقدم الجماعات التي سكنت هذا البلد وحاولت أن تبقى أمينة للأصالة والغنى التي جاءت بهما حضاراته: السومرية والأكدية والبابلية والأشورية والآرامية، أضافوا إلى ذلك قمّة بيضاء هي انتماءهم إلى الإيمان المسيحي. والإنتماء إلى هذه الأرض، ليست سوى جزء من الأمانة لإرث أرادوه حيًا، وكانت المسيحية ثابتة، برغم ما حدث من متغيّرات في التاريخ وتقلبات في الحضارة وغزوات من الأجانب. مع ذلك، بقي المسيحيون لا ينتمون إلا إلى هذا البلد، وقد دفعوا لذلك أثمانًا باهظة في التضحيات والشهداء والهجرة، لكنهم أعطوا له الكثير من العقول والوسائل التي، في كل مرة، رأيناها إيجابية جدًا، نرى في أساسها تضحياتهم، في مجالات مثل: التعليم والصحة والفكر والانفتاح والحوار. وإن كنا اليوم نعيش في فترة مقلقلة سياسيًا - وليست عملية التهالك على المناصب السياسية سوى جزء من هذا الإرهاق الذي أصاب بنيتنا الإنسانية والتحتية- إلا أن تهميش للمسيحيين ليس جزءًا من اعتبارهم أقلية، فهذا منطق أخرق، فالدول العظيمة لا تؤمن بالأقليات، بل تؤمن باستخدام الطاقات كافة لبنائها وتطوّرها. ولذا جاء الدستور يعكس في فقرات كثيرة هذا التذبذب وهذا الضعف. إلا أنني أتمنى أن يقوم عقلاء، في المستقبل، بعد أن تهدأ العواصف، بإعطاء جميع مكوّنات شعبنا، حقها من مكانة، لكي تفيد بمواهبها، فيصير: (المكان المناسب، للشخص المناسب، وفي الوقت المناسب).
إنّ الظروف التي يمر فيها شعبنا جعلت على كاهلنا ثقلا كبيرًا، ولكن لدينا في نداء المسيح قوّة وتعزية: "من أراد أن يتبعني، فليحمل صليبه ويتبعني" (مرقس 8/34). وإن كان المسيح قد غيّر كلمة (الأمل) إلى (الرجاء)، فذلك لأن الله الحيّ يسكن في مستقبلنا، وهذا يدفع المسيحيين إلى الثبات والبقاء أمينين لأوطانهم، فيسهمون في تهدئة التوتّر من اجل دفع عجلة السلام - إذ لا يمكن فرض السلام - بل المطلوب هو خلق قناعة لدى الآخرين، فالسلام على الأرض ثمرة لتمجيد الله في العلى (لوقا 2/14) وهذا في أساس كل مشروع، وهو كفيل برفع الجوع والبطالة والفقر التي تعاني منها الغالبية، فلو عشنا في سلام لرأينا أن خيرات هذا البلد وطاقاته، لا تكفي فقط لهذا الشعب، ولكن لإنعاش المنطقة كلها، إذ سنخلق أسواقًا جديدة ونتوسّع إلى أقصى الأرض. كم أتمنى أن يشعر المهاجرون بأن دوافع هجرتهم قد زالت ليعودون فيسهموا في بناء العراق!
•     سمعنا أن هناك دراسة لإقامة مجلس لكل المسيحيين، تشترك فيه كل الكنائس، هل لديك معلومات تفيدنا وما هي أهداف هذا المجلس والأعمال التي سوف يضطلع بها؟
إن تأسيس مجلس تشترك فيه كل الكنائس محاولة مشكورة وجديرة بالإهتمام، لكن هناك فرقًا بين ما يراه المسؤولون وبين ما يهتم به أبناء الشعب، ففي أحيان كثيرة لا يعطي أبناء الشعب أهمية لدقائق الأمور أو لفروقات قد يعدّها المختص والمسؤول مهمّة، وهذا يمكن قوله في مجالات عديدة، لأن المسؤولية تشعر صاحبها بوجوب التريّث وعدم التسرّع في اتخاذ القرار، فالمؤسسات القديمة تشبه القطار، لا يمكنه أن يدور بسهولة، ويحتاج إلى وقت، أي هناك ضرورة بإقناع جميع أبناء الشعب بما يحدث. المطلوب هي الفطنة إلى جانب الشجاعة لتجاوز ما لا فائدة من إبقائه. ولعل في الخوف من المستقبل سبب التلكؤ والتأخر في الكثير من القرارات، وقد يكون هذا أيضا وراء عدم وجود وسائل نقاش ولقاء بين المؤسّسات، لدفع عجلة العمل المشترك بين المؤسسات الدينية والثقافية والإجتماعية بل حتى السياسية، ولذا كثيرًا ما نسمع بمشاريع، ثمّ لا يكتب لها الإستمرار والمتابعة.
•   ألم يفشل السياسيون، أعني قادة الأحزاب من أبناء شعبنا الكلداني الآشوري السرياني، في إيجاد مخرج لأزمتنا، ألا تعتقد أنه ينقصنا مجلس حقيقي دائم يعبّر عن موقف المسيحيين في قضايا مثل المحاكم وتشريع القوانين والحقوق العامة وحتى المواقف المصيرية كما حدث في بداية القرن العشرين؟ إن السياسية والأحزاب التي قامت وتقوم في جماعاتنا، هي أيضا صورة ذات جانبين: جانب إيجابي وجانب سلبي، صورة الجانب السلبي تأتي من غمط حق الكثير من أبنائنا، في مراحل كثيرة من التاريخ، فنتج عن ذلك أنه لم يقم حزب أو تيار سياسي يستطيع أن يعطي هذا التنوّع حقه. ولذا أصبح شعبنا في مكوناته الغنية والعديدة يشعر بعدم الرضا بما يُعطى من تسميات، أو من تقدير للتاريخ، يريد قسم صهر الإختلافات في التنوع في تسمية واحدة وبودقة واحدة، لكن هذا ليس مفيدًاً في هذه المرحلة كما يبدو، فالآن يريد كل واحد أن يشعر بذاته وخصوصيته وانتمائه وغناه واختلافه، وبعد أن يشبع من ذلك سيمكنه أن يحمل ما لديه ليضعه في صندوق مشترك مع الآخرينً.
أما التجاهل والتجزئة التي يعاني منها الكثير من المنظرين السياسيين، فهذا أيضا جزء من مشكلة حقيقية. فإن كانت الأحزاب، حتى الآن، قد فشلت في إيجاد مخرج فهذا يشبه تمامًا العجز الذي تعاني منه الكنائس، في وضع مؤسّسات حقيقية لكي تستطيع أن تحل مشاكلها مثل المحاكم والتشريعات والقوانين الخاصة والعامة، وخصوصًا بالتفكير في المصير والمستقبل.
لعل هذا هو ما أتمنى أن يقوم به مفكرو السياسة: ماذا سيكون مصير هذه الأحزاب وهذه الجماعات في المستقبل القريب والوسط والبعيد؟ ماذا نعدّ لأولادنا وأحفادنا من وسائل تفكير لبناء مستقبلهم؟ من جهة أخرى يمكن القول بأن مستقبل كنائسنا يرتبط أيضا بالهجرة، التي تنخر جسد مجتمعنا وكنائسنا كل يوم، ولكني أقول: يمكن قراءة هذا موضوع قراءة إيجابية. فقد قمت بزيارة بلدان عديدة مثل أستراليا ونيوزلندا والولايات المتحدة وأوربا وبلدان أخرى، إلتقيت في هذه البلدان بجماعات هجرات عراقيّة قديمة وحديثة، هناك إذن تنوّع ثقافي من جهة، وهو علامة قوية ونشطة ومهمّة حيث يحاول الجميع حل مشاكله الإجتماعية والاقتصادية، ولكن هناك أيضا ما جاءت به العولمة من متغيرات كبيرة، لم نكن قد أعددنا لها ولم نستعد إليها. اليوم تطرح العولمة مشاكل جديدة كالقيم الإنسانية والأخلاقية، وأمام العولمة تأخذ الاختلافات أبعادًا ثقيلة. فحتى إن كنا نأكل ونشرب في كل مكان بنفس الطريقة ونملك السيارات نفسها، لكن هناك أيضا تشظـ وتشرذم في القيم والهويّة، وهذه مشكلة في المستقبل القريب بدأت بوادرها على ساحة المؤلفات والكتابات التي تتناول العولمة من باب الهوية. فإن ما أصاب هذه الهوية من تشرذم وتشظ وتشتت يفسّر ما يحصل الآن من مشاكل إرهاب وقتل وانغلاق، قسم يعتقد أن الحل هو عن طريق العنف وقسم آخر يقاطع وينغلق ويهرب.
•   كيف ترى مستقبل كنائسنا والهجرة تنخر جسد مجتمعنا وكنائسنا في كل يوم؟ أعرف أنك زرت بلدانا كثيرة، كيف تقيّم مستقبل هذه الجاليات من الناحية الإيمانية والالتزام بالقيم الأخلاقية والحفاظ على الهوية الذاتية؟
يقع على جالياتنا، المسيحية منها خصوصًا، واجب كبير، وأتمنى أن تنصت هذه الجاليات إليّ: عندما تفكرون بفتح نادٍ، فكروا أيضًا بمدرسة، وإذا فكرتم بالإهتمام في اللغة، فكروا أيضا بطريقة استمرار تلك اللغة وديمومتها، فاللغة ليست أطلالا نبكي عليها، كما أن اللغة لوحدها ليست كافية. وإن كانت قد وصلت إلينا، فقد أسهمت في ذلك طقوس ليتورجية وتراث إيماني وإرث علمي وتقاليد إجتماعيّة.
لذا لا ينبغي أن تبقى جالياتكم على مستوى المهرجانات والفلكلور والحفلات، هناك أمور أخرى فكرية وعمليّة تحتاجون إليها، للخروج من الحنين إلى الماضي، وهذا التفكير الإيجابي سوف يسهم في تربية الأجيال الصاعدة. المسألة إذن عندكم يا أبناء المهاجر تدور في الرغبة بالإستمرار، وتسليم أولادكم ما لديكم، ممّّن لم يتعرفوا الوطن والبلاد التي جاء منها أهلهم. إن موضوعًا كهذا شديد الحساسية وهو محيّر للكثيرين، ولا أعتقد أن هناك من يمتلك جوابًا، لكن الدراسات والتجارب والمحاولات الإيجابية، التي تجري هنا وهناك، كفيلة بأن تصبح لحمة نسيج المستقبل. وعلينا تجنّب السلبيّة والتشنج وتكفير الآخر وخصوصًا إتخاذ قرار القطيعة، فالكل في الهوى سوى، وهذا الهوى هو الذي فرقنا أيدي سبأ إلى كل أنحاء العالم، بحيث تجد أحيانًا عائلة من أربعة أشخاص يسكن كل واحد منهم في قارة مختلفة. ولكن الحمد لله على وجود وسائل إعلام واتصال تجعل هؤلاء يتحدّثون ويرون بعضهم كل يوم بواسطة الهواتف والحواسيب. مع ذلك، هناك رغبة شديدة حقيقيّة في أن يكون للمهجر تأثير أكبر في الأحداث وفي الظروف فلا نبقى مجرّد ضحايا سلبيّة لها.
•   أبونا نحن نعلم أن ليس من واجبك التدخّل في السياسة بصفتك رجل دين. لكن على الأقل نريد نصائح أو رأيًا لإيجاد مخرج لشعبنا المسيحي الذي أضاع فرصًا كثيرة لإثبات وجوده. هل لنا أن نسمع رأيك في هذا الموضوع؟ ما هو الحل؟
حالة التشرد والضياع بين أبناء شعبنا مسألة على كل الشفاه اليوم، وإن لم أن رجل سياسة، كما ذكرتَ، ولا يمكنني أن أعمل عوضا عن السياسي، ولكن يمكنني أن أقرأ المسألة من منظور العلوم الإنسانيّة، وهذا ما نريد أن نعمله في مشروع الجامعة المفتوحة، فالعلوم الإنسانية تهتم بالسياسة كنظرية ومسارات وهدف، وتترك العمل والقرار للسياسي. وهي أيضًا تحاول أن تفسر ما يسود الساحة من تشنـّج وانفعالات آنية، لكنّ المختص والباحث لا يتشنج بل يدرس ويقف كالمخرج خلف الكواليس، فالممثل ليس سيّد المسرح، إنما المؤلف والمخرج، وما على الممثل سوى أن يقدّم ما أعطي من كلمات وحركات. هكذا السياسيون، إذا اعتمدوا فقط على أنفسهم وأفكارهم وآرائهم سوف يغرقون، فهم في خضم متغيرات ومتطلبات يومية. فوراء كل حزب، ووراء كل سياسي يجب أن يكون هناك جامعة، أو عدة جامعات، وباحثون يتناولون المواضيع بنفََس طويل، يعطونه استنتاجهم ليدعموا موقفه. فالأشخاص يمرّون ولكن حقيقة القرار هي تبقى. لهذا شبعنا من الارتجال والتقلب، والفراغات التي لا يقبَل أحد أن يسكن فيها، وعلينا أن ندرس تلك الفراغات، ولنفهم لماذ الطبيعة تكره الفراغ!
للأسف إن دراسة هذه المواضيع اليوم فقيرة وضعيفة، بيم كل ما ينشر وما يكتب، وغالبا ليس لدينا ما يغذي، لا من الناحية الدينية ولكن الثقافية أيضًا. ولذا كانت أمنيتي، مع الجامعة المفتوحة أن تقوم مؤسسة ترجمة، يساعدنا فيها أفراد عديدون لكي ينقلوا إلينا ما نحتاجه من تغذية فكرية وثقافية من اللغات الأخرى، ولهذا أقول: لا يمكن أن تقوم سياسة بلا معرفة، ولا من معرفة بلا وسائل للوصول إليها وتحقيقها.

إجابات قصيرة
•   المعلم الأوّل في حياتك الذي ترك بصماته على شخصيتك؟
إنه يسوع المسيح، الذي تربيت، منذ نعومة أظفاري على محاولة التغذي منه ومن كلامه وأعماله وحياته.
•   شفيعك؟
هو يوسف الصدّيق إبن يعقوب، الذي بيع في مصر عبدًا، لكنّه استطاع أن ينقل فكر مصر وغناها إلى أهله فأنقذهم. في الكتاب المقدس تبدو المسألة محصورة بالحنطة، لكن تفاعل شخصيّة يوسف مع الحضارية المصرية، حقّق إنقاذ شعبه، وهذا ما أتمنى أن يتحقق في بلادنا.
•   هل لديك صلاة شخصية، هل لنا أن نعرف بعض كلماتها ؟
صلاتي التي أتلوها منذ طفولتي هي أقصر صلاة، وأتعمّد أن أعملها باحترام كبير إنها إشارة الصليب، وأفكر بها بعمق معانهيا فأقول: باسم الآب (أي فكري لك)، والإبن (أي روحي لك) والروح القدس (أي عملي لك)، فإذا استطعت أن أجمع بين الفكر والعاطفة والعمل، حينئذ أكون قد حققتُ ما يريده الله مني.
•    برأيك، أي مفكر أو فيلسوف قدّم أكبر خدمة للبشرية في التاريخ؟
سؤال صعب، لا يمكنني أن أحصر شخصًا في فكري ولا فيلسوفا في بحثي، كما لو سألتني أيّ زهرة هي الأجمل.
•   ما الذي تمنيت انجازه ولم تستطع لحد الآن؟
أن يتناول قراء اللغة العربية ما يمكنهم تناوله مما يظهر من جديد على الساحة، في لغات العالم العديدة، وأن يطلعوا على وجود هذا الكم الهائل من العطاء الثقافي والإنساني والأدبي والفكري لدى الشعوب الأخرى. وكم أتمنى أن نكون مثل الشعوب الإسكندنافيّة التي تتميّز بحبها للقراءة، أتمنى أن يحب الناس أن يقرأوا، لأني أعشق القراءة.
•   ما هي القاعدة الذهبية لديك؟
قاعدتي الذهبية هي: إن المستقبل كفيل بأن يغسل كل الذكريات المرّة ولن يبقى سوى الإيجابي الطيّب، والكلمة الطيبة صدقة وصاحب النكتة اللذيذة يستحق جائزة.
•   أخيرا، أعرف أنك تقرأ الكثير، ما هو الكتاب الذي أثر في حياتك ماعدا الكتاب المقدس؟
في كل مرحلة كان هناك كتاب، بل كتب، وقد أكون مصابا بشراهة القراءة ونهم التعلم. وقد يؤثر في اليوم كتاب ما ثمّ أتركه. هذا أيضا سؤال صعب لا أستطيع أن أقفله بذكر كتاب معيّن.
مع ذلك أقول: هناك كتاب واحد، ماعدا الكتاب المقدس، أثر فيّ هو كتاب الحياة والطبيعة، ففي كل يوم أكتشف حولي، في الوجود، آثارًا رائعة خطها الخالق العظيم الذي يمسكنا في الوجود، ومن يستطيع أن يتعلم فك رموزه سوف يقرأ الكثير. وحتّى بقيّة الكتب، ليست في الواقع سوى خبرات وضعتها الناس على الورق، بعض توفـّق في ترجمة ما قرأ من الطبيعة، والبعض الآخر فشل في ذلك. واليوم أصبحت الكتب لا تقتصر على الورق، بل عبرت إلى شاشة الحواسيب والأقراص المدمّجة ووسائل أخرى عديدة، لم تكن تخطر على ذهن أي من الناس سابقًا. لكن المهم هو أن يتمكن كل واحد من أن ينقل إلى الآخرين حصيلة خبرته وما يهضمه منها في عملية تفاعل مع الحياة.
•   كلمة أخيرة؟
يبدو أن مهندسي المدن إقتنعوا اليوم بأن من الأفضل أن تكون تقاطعات الطرق على شكل ساحات مدوّرة (دوّار)، فقد أثبتت الإشارات الضوئيّة خشونتها، وكأنها تدفع الناس إلى المخالفة والتزاحم والتحدّي، أما الدائرة فمريحة وتسمح باللقاء. كم أتمنى لكنائسنا أن لا تكون إشارات مبنية على الممنوع والمسموح، وإنما مكان لقاء حي، يطيب للناس التردد إليه والبقاء والصلاة فيه، من أجل الراحة وبناء الأخوّة، بواسطة ذلك سوف تصبح كل جماعة ساحة تلتقي فيها كل الطرق، وهي حتى إن دارت قليلا على نفسها، فلا يهم، لأنها سرعان ما ستنطلق إلى البعيد، بعد أن تكون قد تمتعت بما في الساحة من جمال وزهور وأشجار وأطفال يلعبون.
بغداد 2 حزيران 2006 [/b] [/b] [/font] [/size]