الموصل – مدينة كل العصور

المحرر موضوع: الموصل – مدينة كل العصور  (زيارة 628 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل خالد شعيا

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 95
  • الجنس: ذكر
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
                        الموصل – مدينة كل العصور  - جزء-1
لا اعرف من أين أبدء وماذا أكتب عن مدينة خلدها التاريخ قبل الإنسان, مدينة ذكرت في الكتب السماوية والتاريخية لما لها من دور في سرد حكايات التاريخ والأحداث بكل مجرياته وتفاصيله ولقبت بعدة ألقاب منها الحدباء وأم الربيعين والخضراء والبيضاء وغيرها ولكل لقب من هذه ألألقاب له قصة أو صفة من صفات هذه المدينة ارتبط بها وميزها عن غيرها من المدن.
إنها الموصل, تلك المدينة التي تقع تقريبا في الجزء الشمالي من العراق وتمتد مساحتها لتغطي أكثر من 208 كيلومتر مربع. يقسمها نهر دجلة الخالد إلى قسمين سميا الجانبين الأيمن والأيسر ولقد تغير مجرى هذا النهر على يد الحر بن يوسف الأموي حيث كان مجراه السابق يمر قريبا من سور مدينة نينوى الأثرية القديمة فأحد دب النهر في الجزء الشمالي من المدينة ولهذا لقبت بالحدباء وليس كما هو شائع نسبة إلى المنارة الحدباء, كما إنها لقبت بأم الربيعين لتشابه فصلي الربيع والخريف فيها . كل هذه الألقاب والصفات وغيرها أطلقت على مدينة الموصل لإظهار صفة من صفاتها وجمالها.
لقد عملت رئيسا لأحد الأقسام الهندسية في بلدية هذه المدينة ولعدة سنوات امتدت لأكثر من 20 سنة, لذا فقد ساعدني ذلك كثيرا على معرفة تفاصيل وتخطيط وتاريخ  الموصل هذا بالإضافة  إلى انه ومن خلال موقعي هذا فقد عملت في عدة لجان من اجل تطويرها وتنظيمها كان أهمها تلك اللجنة التي عنيت بشكل جدي بتطوير المدينة مع الحفاظ على أصالتها وتاريخها وكان من بين أعضاء تلك اللجنة الأستاذ والكاتب المعروف المرحوم سعيد الديوجي والأستاذ الدكتور أحمد قاسم الجمعة حيث كان يشغل حينها رئيسا لقسم دراسات الموصل في الجامعة وكذلك الفنان التشكيلي المعروف المرحوم ضرار الفدو بالإضافة إلى الأستاذ المرحوم عدنان احمد عزت وكنت أنا معهم في هذه اللجنة وقد عملنا لفترة ليست بالقصيرة كانت مهمة جدا بالنسبة لي كوني كنت حديث العهد في هذا المجال.
ولكي لا ابتعد عن الموضوع أقول تمتاز المدينة بانقسامها إلى شطرين كما ذكرنا حيث إن الشطر الأول وهو كما يسمى الأيمن يمتاز بكونه الأكثر قدما ( علما بان مدينة نينوى القديمة تقع في الجانب الأخر ولكونها حاليا غير مسكونة ومسيجة بسور تحتوي على أثار وشواهد تعود إلى عصور الدولة الأشورية ) قلنا أن الجانب الأيمن الأقل مساحة والأكثر قدما من حيث طراز البناء والسكن يمتاز بتداخل أحياءه ومحلاته السكنية لتشكل بذلك نسيجا معقدا من الطرق الضيقة والمتشعبة تمتد لمسافات طويلة تربط هذه الأحياء بعضها ببعض وتمتاز بيوت هذه المناطق بطابعها الشرقي المفتوح وأسطحها المطلة على فناء الدار وبنيت بهذه الطريقة ومن مادة الحجارة والاجص والرخام الموصلي  (الموجود منه كثيرا في أطراف المدينة ) لتقي ساكنيها من حر الصيف وبرد الشتاء . وعند تجوالك في هذه الأحياء فانك تشتم رائحة التاريخ وعبق الماضي وأصالة هذه المدينة فلكل طريق وممر له قصة وحكاية وقد سميت معظم هذه الطرق والأحياء على أساس تلك القصص والشخصيات فخلدت بذلك تلك الحكايات وتناقلتها الأجيال إلى الآن , وكان هذا الجانب من المدينة سابقا محاطا بسور ولهذا السور تسعة أبواب لكل باب من هذه الأبواب اسمه وهو يطل على جهة من جهات الموصل . كان لهذا السور وهذه الابوب أهمية كبيرة في حماية المدينة من الأطماع الخارجية التي كانت تتعرض لها بين فترة وأخرى إذ كانت تغلق مساءا ليشعر الناس بالاطمئنان وهم نيام .
 
أما الجانب الأيسر وهو الأكثر حداثة نسبيا فانه يمتاز بانبساط أرضه واخضرارها حيث تكثر فيه الغابات والبساتين وقد تطور هذا الجانب سريعا وخصوصا بعد الحرب العراقية – الإيرانية حيث قامت الجهات المسئولة حينها بإفراز وتوزيع أراضي سكنية وان كان بعضها قد تم توزيعه بشكل غير نظامي بسبب السرعة وأمور أخرى . تميزت معظم دور هذا الجانب من المدينة من حيث البناء بأسلوبها المخالف تماما عن أسلوب البناء لما كان موجودا في الجانب الأخر من المدينة حيث سمي بالبناء الغربي نظرا لشكله المغلق وعدم احتوائه على فناء وسط الدار ولهذا النمط من البناء له سلبياته وايجابياته وخصوصا لأجواء العراق المتميزة بحرارتها العالية صيفا وبرودتها شتاءا وكذلك أزمات الماء والكهرباء التي نشأت مع نشأة العراق . لقد تطور وتوسع هذا الجانب بشكل كبير وسريع وكانت هناك بعض القرى والقصبات أصبحت اليوم احدي محلات وأحياء هذا الجانب من المدينة مثل الاربجية ويارمجة وكوكجلي وكذلك الرشيدية وغيرها , لقد أدى هذا التوسع الغير منظم إلى خلق العديد من المشاكل التخطيطية والاجتماعية والتنظيمية بالإضافة إلى التغير في سلوكية المواطن الموصلي وهو ما نراه اليوم بشكل واضح . أصبح التطور تراه فقط في كبر مساحة هذا الجانب  وتعدد أحياءه أما واقع الخدمات المقدم إلى المواطن فتكاد تكون شبه معدومة ,وفي منتصف سبعينات القرن الماضي قامت إحدى الشركات الفرنسية المتخصصة في مجال تخطيط المدن بوضع التصميم الأساسي للمدينة وقد كان مؤملا تنفيذه على مدى خمسة مراحل كل مرحلة منها تمتد لخمسة سنوات أو أكثر بقليل ليكتمل بذلك التصميم حسب الخطة الموضوعة له مع بداية الألفية الثالثة أي في هذه السنين التي نعيشها الآن , ولكن ما الذي حصل هل تم تنفيذ هذه المراحل كما خططت له الشركة المصممة ؟ الجواب بالطبع كلا إذ تم تنفيذه حسب واقع الأحداث التي مرت على العراق وهذا الأمر ينعكس على الجانب الأخر من المدينة أيضا .
إن مدينة الموصل ومن عاش فيها يدرك تماما بان لها من مقومات الحياة الاقتصادية والسياحية والموارد المائية والبشرية الشيء الكثير لو استغلت بشكل ايجابي لكان لهذه المدينة شكل وشأن اكبر مما هو عليه الآن , ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه .
هذا من الناحية التخطيطية للموصل أما من الناحية الاجتماعية والعلاقات الأسرية فأن لهذه المدينة طابعها المميز في هذا المجال وخصوصا في الجانب الأيمن , إذ كانت العلاقات بين الناس متميزة جدا وكان التداخل الأسري كبيرا أيضا وكانت يد المساعدة والعون تمتد لكل من يحتاجها دون النظر إلى قوميته أو دينه وعند دخول المرء إلى هذه الإحياء وخصوصا القديمة منها يشعر وكأنه قد دخل دارا واحدة لما يجده من انسجام وتألف بين الجميع وكان الكل يقف مع بعضه البعض في الشدائد والأزمات فيفرحون مع فرح الواحد منهم ويحزنون مع حزنه وقد سميت معظم أحياء ومحلات هذا الجانب على أساس هذه العلاقات والشخصيات فترى مثلا محلة عمو البقال ومحلة عبدوخوب ومحلة ألجلبي وغيرها من الأسماء لكل هذه الأسماء حكاياتها وقصصها التي ناقلتها الأجيال وهي تعتز بها إلى الآن .
لقد امتاز المواطن الموصلي ببعض الصفات ميزته عن غيره من الأشخاص وان لبعض هذه الصفات علاقة بماضيه وتاريخه وخصوصا الصعب منها وقد قلنا في بداية مقالنا هذا إن هذه المدينة قد مرت عليها عدة أزمات  كانت معظمها خطير وصعب جدا مما تركت بعض البصمات في سلوكية الموصلي وخصوصا الأزمات الأمنية والاقتصادية جعلته يكون حذرا جدا فبدء يضع لنفسه تقويم خاص يعتمد عليه ويعتبره برنامج حياته دون الاعتماد على مفاجآت السوق والحالة العامة فعند اقتراب موسم الشتاء مثلا يعرف الموصلي تماما ما هو المطلوب والاستعداد لهذا الموسم فيبدأ بتحضير متطلبات هذا الموسم قبل الدخول فيه بفترة ليست بالقصيرة ومن كل النواحي التموينية والاقتصادية وكذلك الحال بالنسبة لموسم الصيف والفصول الأخرى وكان المثل يضرب به في بقية أنحاء العراق وخصوصا في المجال الأقتصادي والتمويني ولكن الموصلي بقي على حاله دون اكتراثه بما يقال عنه أو يحكى وقد تعلم كل هذا وتناقلته الأجيال جيل بعد جيل وكانت تضرب لهذه العادات والصفات عدة أمثال شعبية كل مثل منها له قصته ومدلولاته في هذا الجانب وقد استخلص من هذه الأحداث والقصص دروسا وعبر وامثال بقيت كعلامات تحذيرية تقي المجتمع الموصلي وتتجنبه الكثير من المشاكل والأزمات في هذا الخصوص.
لكي لا يطيل الحديث سأكتفي بهذا القدر لأعود مرة أخرى وأكمل جزءا أخر من أجزاء هذا المقال عن مدينة الموصل مدينة الأحداث .......... وكل العصور .


                                                                             خالد شعيا
                                                                        ساسكاتون - كندا