العـــــراق و مدرسة المزايدات
كــفاح محــمود كــريم
kmkinfo@Gmail.com لم يعد خافيا على الجميع أسلوب المزايدات الذي أنتجته نظم الاستبداد منذ قيام دولة العراق في عشرينات القرن الماضي وحتى يومنا هذا، ومع تقادم الزمن وتكلس الآلام وشيوع الاستكانة والخنوع لدى أجيال وأجيال من أبناء وبنات العراق وتحول ذلك الأسلوب إلى صفة ملازمة لكثير من القطاعات الملاصقة أو القريبة من مراكز القرار في كل مفاصل الدولة ومؤسساتها وتركيبات المجتمع وطبقاته، وما تحمله تلك الصفة من مظاهر التملق والتدليس وتأليه الما فوق وتضبيب الرؤيا وتشويه الحقائق حتى غدت ظاهرة المزايدات لدى الكثير من الناس هي الطريق الأقصر للوصول إلى الأهداف الخاصة وربما العامة.
وقد أبدع النظام السابق في تطوير المزايدات وتعميمها حتى ظن الكثير إنه دولة عظمى تمتلك إرادة القرار وأسلحة الانتصار كما أوهمنا جميعا بامتلاكه أسلحة تحرق نصف إسرائيل وتحول النصف الثاني إلى جواري وغلمان لفرسان الأمة وصناديدها، وحتى عشية الحرب الأمريكية على النظام كان الرفاق يتحدثون عن مفاجآت رهيبة وأسلحة مرعبة سيستخدمها القائد في اللحضة المناسبة، ويتذكر العراقيون جيدا مقولات الرئيس السابق عن كيفية معالجة طائرات الشبح الأمريكية وكيف سينتحر الجنود الأمريكان على أسوار بغداد، وقبل ذلك ما كان يوحي به النظام من تصنيعه وتطويره لأسلحة تتجاوز ما أنتجته كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي.
والطامة الكبرى حينما كانت الأكثرية تصدق هذه المزايدات من نظام يقود دولة أكثر من نصف سكانها لا يجيدون القراءة والكتابة وربما نصف سكانها من الفقراء والمساكين، المغيبين والمسطحين، وأكثر من نصف تعداد جيشها من الفلاحين ألاميين الخارجين عن الزمن، وما تبقى من المغلوبين على أمرهم، المساقين عنوة وانكشارية، وربما أكثر من نصف سكانها يسكنون في أكواخ وأعشاش لا تليق بالصنف البشري، وأكثر من ذلك لو فتحنا آلامنا المتكلسة منذ عقود طويلة ومؤلمة، سواء تلك الآلام التي تقرحت وتركت تشويهات في السلوك والانتقام والأحقاد من لدن سكان الريف والقرى التي سحقت وأهينت وأبعدت عن مراكز الحضارة بإغفالها وتكريس تخلفها وتجهيل سكانها مما أدى إلى نزوح مرعب إلى المدن وتشويه هوياتها وتحويل أولئك النازحين من القرى إليها إلى أدوات لتنفيذ مشاريع الأنظمة السياسية المتخلفة من خلال تسطيح ثقافتها وربطها برأس النظام السياسي ومزايداته. أو في المدن التي غدت هي الأخرى مرتع للجهلة وأنصاف المثقفين وخليط مقزز من الأفكار والأيديولوجيات المستنسخة والقابلة للتغيير حسب أمزجة القائد الضرورة.
لقد تحولت المزايدات ( الوطنية ) و ( القومية ) و ( الدينية ) إلى واحدة من أخطر ما يواجه مجتمعاتنا إلى حد هذا اليوم، فقد سادت هذه الظاهرة في أدبيات الساسة وحتى الكثير من المناضلين ورجال الدين وعلمائه، حتى غدا الواحد منهم مرجعية إلهية لايمكن الاعتراض عليه أو منافسته، ويتذكر العراقيون جيداً مدرسة المزايدات طيلة أكثر من أربعين عاما من الحكم ألبعثي للعراق وكيف إنهم أي البعثيون ورثة رسالة خالدة ومن يقف في طريقهم أو يختلف في طروحاته معهم فأنه سيخون الأمة والشعب خيانة عظمى يستحق عليها الموت الزؤام، وهكذا فعل ويفعل الكثير من رجال الدين وعلمائه في تكفير الآخرين وإلصاق تهم الإلحاد والردة والخروج على شريعتهم لكل من يخالف طروحاتهم وتفسيراتهم للنصوص الدينية. ولم تقتصر تلك المزايدات على العراق وحده بل تخطت حدوده الجغرافية إلى ( أشقائنا ) في جيبوتي واريتريا وجزر القمر والصومال وطنب الكبرى والصغرى والسودان وتشاد وفرعنا في الكويت وأهلنا في عربستان إيران، وأصبحنا بين ليلة وضحاها دولة عظمى أو أمم متحدة تحتضن ملايين من الجياع والمرتزقة والعاطلين وخريجوا السجون والحفاة وتجار الأحزاب و المبادئ من هذه الدول وغيرها، حتى فقد الكثير من العراقيين هويتهم ليزايد عليهم هولاء كما يفعل الآن أولئك المحتلين ممن أتوا ليحرروا العراق من الأمريكان وكأنما أرحام العراقيات قد نضبت أو جفت؟!
وبعد عقود طويلة ومملة من المزايدات بأنواعها الوطنية والقومية والدينية فقدت كثير من الكلمات والمفاهيم معانيها الحقيقية وتلاشت بشكل مرعب مواصفات المواطنة التي تعطي السكان هويتهم الوطنية وانتمائهم لدولة أو وطن معين وبدلا من صناعة مفهوم خرافي للوطنية البعثية بتحليل مفهوم العراقية وإلغاء الوطن العراقي من الذاكرة لحساب الانتماء إلى الأمة والوطن العربي الكبير من إمارات الخليج وممالكها إلى جماهيريات شمال أفريقيا، أصبحت المواطنة في النظام السابق وربما إلى حد هذا اليوم لدى قطاعات مهمة من السكان هي الانتماء للعشيرة أو القرية أو المذهب الواحد وتفرعاته. ولم يعد مهما لديهم مصلحة البلاد العليا بقدر حرصهم على مصالحهم العشائرية والفئوية والمذهبية، وبذلك تم تقزيم كثير من المفاهيم والعناوين والهويات، فيما بدأنا بحصاد نتاج تلك الثقافة البائسة بعد سقوط دولة البعث من على سطح الأرض وانكفائها في الدهاليز وعمليات القتل والخطف وتدمير البنى التحتية للعراق وإشاعة الفوضى في مزايدات جديدة مخضبة بالدماء على حساب أولئك الذين لا ناقة لهم ولا جمل في كل ما يحدث!؟
وبدلا من احتلال واحد أصبح العراق يتمتع بأكثر أنواع الاحتلال قساوة ألا وهو احتلال المزايدات الدينية والقومية والوطنية والأحزاب البيتية، فأصبح لدينا مجموعة من ( العراقات )، عراق الشيعة وعراق السنة العرب وعراق المجاهدين وعراق الأمة الواحدة ذات الرسالة الخالدة وعراق الميليشيات وعراق الجامعة العربية وعراق الهيئة المباركة، حتى كادت أن تكون بعض القرى والبلدات عراق عظيم، ورغم ذلك مازالت دوامة المزايدات على العراق ومستقبله والعلاقة مع إسرائيل واجتثاث البعث وهيئة النزاهة والفيدرالية والكل غارقون حتى آذانهم في مستنقع هوسهم السلطوي ومصالحهم الشخصية والفئوية، وحينما تتكشف الحقائق أمامهم ينبرون بإسقاط ما بهم على غيرهم، وتبدأ دوامة جديدة من الاتهامات والمزايدات على عراق واحد وفق مواصفاتهم وتعريفاتهم الوطنية والقومية والدينية. وفي كل هذه الدوامات تدفع شعوب العراق ومكوناته ثمنا باهضا من دمائها ومستقبل أبنائها.[/b] [/size] [/font]