رسالة تصلح كتحذير
عبدالمنعم الاعسم
aalassam@hotmail.comصحفي عربي له صداقات مع العراقيين وزيارات كثيرة الى بغداد سالني قبل ايام: بالله عليك، كيف بدا لك حال المواطن العراقي في العاصمة المشتعلة بالتفجيرات والاهوال: اقصد، كيف يفكر في المستقبل وهو يعيش في هذا النفق المعتم؟.
تهربت من السؤال وقتها ، اولا، لأن حال “البغداديين” في هذه الضروف العصيبة لا تقارن باي حال آخر يمكن استخدامه لايضاح ما يجري داخل مكابدات سكان العاصمة، حتى وإن قللنا من منسوب التضخيم الاعلامي اليومي، وثانيا، لاني اعرف اجابة واحدة هي اقرب الى التنظير منها الى الواقع الذي يتبدى في صور مضطربة ومتناقضة وكارثية.
ولم يطل تهربي كثيرا حتى جاءتني، على البريد الالكتروني، رسالة من سيدة عراقية موظفة في احدى دوائر العاصمة تعقب فيها على ما كتبته في (الاتحاد) بعنوان (كيف تبدو بغداد لمن فارقها؟) فوجدت في هذه الرسالة وفي ما بين سطورها الاجابة الشافية عن سؤال الصديق الصحفي، وحوّلتها له على الفور.
تقول الرسالة “
قرات مقالتك حول(كيف تبدو بغداد لمن فارقها؟) انها مقالة رائعة.. والحمد لله الذي اعطانا كل هذا البرود، بحيث اننا، وكل يوم، عند ذهابنا الى الدائرة في منطقة(...) نمر من شوارع(...) التي كانت بالامس هي السوق المفضل لتلبية الاحتياجات لاهل منطقتنا، والان هي دار الخراب لأن بعض اهلها فتحوا ابوابهم وبيوتهم وقلوبهم للمسلحين واصحاب المقاومة، ولكن هيهات، فالمسلحين لا يعرفون عدوا ولا حبيبا..انهم كالضباع إذا جاعت اكلت اهلها واخوانها، فكلما يمر نمر في هذه الشوارع نرى جثة ملقاة على احد الارصفة، ولا يستطيع او يتجرأ احد على رفعها من الطريق إلا بعد التفاوض مع المسلحين “الشرفاء”.
تصور، ان طلاب المدارس يقومون بتصوير الجثث وهي ملقاة على الطريق بواسطة الاختراع الذي حصلنا عليه بفضل الامريكان والمقاومة، وهو الموبايل، وافضال الامريكان علينا لا تعد ولا تحصى ويسمونها، مثل افضال المقاومة ، فنحن الان ننام الليل في درجة 45 م من دون نور، ولا مراوح، ونحن نبدو كالبهائم لا نحس باي شئ.. نبحث عن حاجاتنا وبعضنا البعض في الظلام الدامس من دون نور ..كالاشباح.. وقد تطورت هذه القدرة(المشي بالظلام ورؤية الاشياء في العتمة) عند الكثيرين منا وصار بعضنا ماهرا في التحرك مغمض العينين نحو الهدف، اما اصوات الانفجارات والراجمات والهاونات وعزيزنا الرصاص فاصبحنا بكل جدارة نميز بين اصواتها بنجاح، وبفضل هذه الظروف نحن الان نطالب بشمولنا بجمعية الرفق بالحيوان، فهي من المنظمات التي يمكن ان تعلمنا ان نعتاد على فهم الكلام الذي يصدر من البشر، بالاشارات بدون ان نشاركهم الحديث، وهو ما ينقصنا فقط الان.”
في ختام التحويل كتبت لصديقي الصحفي ما يلي: هل تتذكر فيلم(الهارب) الامريكي الذي شاهدناه يوما سوية حيث يهجر البطل مسقط رأسه وموطنه والى الابد بعد ليلة دامسة الظلام عاشها واضطر فيها ان يقتل، من دون قصد، قطة سوداء؟
ــــــــــــــــــــــــــــ
..وكلام مفيد
ـــــــــــــــــــــــــــ
“كل ما لم يقتلني يزيدني قوة”.
نيتشة [/b] [/size] [/font]