جدل الهوية .... وهم صنعه أعدائنا .. ؟
بقلم / كوركيس اوراها منصور
كاتب وعضو سابق في اتحاد الأدباء والكتاب في العراق
من الواجب والطبيعي ان يعتز الأنسان بانتماءه القومي، لأن القومية تمثل هوية الانسان، وهي شعور داخلي يجعل من معظم الناس ان يعلنوا اعتزازهم بقومياتهم وأجناسهم، وهو نفس الشعور الذي يجعلهم يعتزون بمذاهبهم الدينية وانتماءاتهم الأخرى التي يدلهم اليها تاريخهم وتراثهم، لذا يمكن القول ان القومية هي واقع اجتماعي تعيشها الشعوب منذ ان عرفت البشرية الحياة الأجتماعية.
على هذا الأساس يمكنني القول بأنني كلداني وأعتز بكلدانيتي التي هي هويتي وجزءا من شخصيتي وتاريخي وهذا شعور داخلي لازمني منذ ان عرفت معنى القومية, وهو أعتزاز طبيعي يشعر به الاخرون حتما، ولكن هذا لا يعني بان ذلك سيجعلني أن لا أعترف بهوية شقيقي السرياني او الاشوري اللذان لهما بعض التميزات مثلما لي تميزاتي، ولكن تربطني واياهم صلات القربى والعيش المشترك وتجمعني واياهم روابط اللغة الواحدة والتراث والعادات والتقاليد المشتركة والدين الواحد الذي جمعنا منذ حوالي الفي سنة (وهو اليوم أقوى الروابط)، وعيشنا المشترك على أرض واحدة هي أرض الاباء والأجداد الذين بنوا بالتعاقب الحضارة الكلدانية -الاشورية (حضارة ما بين النهرين) التي امتدت الى الاف السنين.
لأن ما يجمعنا نحن أبناء الكلدان مع اخوتنا من الاشوريين/ السريان اليوم وعبر مسيرة التاريخ كله، هو اكثر مما يضعنا على مفترق طرق للأسباب والروابط التي ذكرناها, كما ويجب ان نفهم جميعا بان التسمية القومية – التي كثر الجدل عنها والحديث عن مسمياتها - ليست اشكالية كبيرة لتفرقنا الى هذا الحد، وان التسمية اية كانت لن تلغي وجودنا حتى وان سمونا كلدانا او سريانا او اشوريين، انني مع الأتفاق على التسمية الموحدة حتى وان كانت مختلفة عن التسميات الثلاثة ان كانت كلمة واحدة او مركبة او مثلثة ما دامت ستجمعنا معا وستكون رمزا لوحدتنا ومصدرا لأحترام الاخرين لنا.
ان التمسك بتسمية معينة والأصرار بكون هذه التسمية او تلك هي الأصح لا يخدم لا وجود ولامصالح امتنا ولا مستقبل أبنائها في الوقت الراهن, وعلينا جميعا ان ندرك خطورة المرحلة ومخطط الأعداء الذين يريدون لهذه الأمة الضياع ولأبنائها الفرقة وهم الذين وضعوا لنا أجندة " جدل الهوية " وخططوا جيدا لهذا الوهم وجعلونا ندور في حلقة مفرغة طيلة السنوات السبعة المنصرمة ليقودونا في النهاية الى هذا الأختلاف، لأنهم يخشون من مستلزمات القوة الكامنة في داخلنا والمتمثلة بتراثنا الثر وتاريخنا المجيد، وهم لا يريدوننا موحدين لأن ذلك سيدعنا ننهض من جديد في حال توفر الأرضية الصلبة - من مناخ ديمقراطي ودستور عادل يضمن حقوق الجميع - ، وانهم بهذا قد شجعوا طرف على حساب الاخر ليضعوا أبناء الأمة الواحدة على مفترق طرق.
بعد كل هذا يمكن القول ان من يكتب أو يروج لفكرة التعصب القومي او يعمل لتغليب تسمية قومية لم نتفق عليها جميعا على الأخرى، أو لتغليب طرف سياسي او حزب على الاخر، او لتهميش مجموعة معينة عن قصد، ان كل هذا هو بمثابة من يشارك في تمزيق كيان أمتنا ويساهم مع اعدائنا في تنفيذ مخططهم الذي وضعوه بدقة ونجحوا فيه الى حد ما.
قد تكون كتابات البعض من كتابنا او تصريحات بعض السياسيين في هذا الأتجاه هي بمثابة ردة الفعل المتشنج من كتابات وتصريحات الجانب الاخر الذي كان من بدأ وادى الى هذا التمزيق والأنقسام والفرقة، والغاية منه ليجرالجانب الاخر من كتاب وسياسيين الى صراع فكري او صراع على مصالح انية، وليخلقوا ارضية مرتبكة لا يستطيع أبناء أمتنا الوقوف عليها.
على كتابنا ان يعوا هدف الطرف الاخر الذي نجح في جرهم المواجهة الفكرية والسياسية والاقتتال الداخلي الذي نعيشه اليوم بكل مرارة، كما ان تعدد الأحزاب والحركات والمجالس بين أبناء الأمة الواحدة سيقلل من التركيز والعمل على نيل حقوقنا وبالتالي ستفتت الجهود السياسية المشتركة والتي من المفترض ان تتجمع وتتوحد لتبني مستقبل ابناء الأمة.
كما ان انقسام مثقفينا وكتابنا الى مجموعات أثنية من خلال قيامهم بتاسيس اتحادات وجمعيات تحت تسميات مختلفة، كالأتحاد العام للأدباء والكتاب السريان أواتحاد الأدباء والكتاب الاشوريين، أو الأتحاد العالمي للأدباء والكتاب الكلدان، ان هذا كله قد فرق من جهود الطبقة المثقفة والمفكرين والكتاب، وهذا لا يخدم مصالح الأمة العليا، لا بل انه يثلج قلوب الأعداء.
لكنني متاكد بان غالبية مثقفي وكتاب وسياسي أمتنا الغيارى من الكلدان / السريان / الاشوريين واعين جيدا لما يحدث ومدركين جيدا لما خطط ولا يزال يخطط له أعداء أمتنا، وسيتجاوزون هذه المرحلة الموقتة وهذا سيتحقق ان قدم الكل بعض من التنازلات التي هي مثار الجدال، والتي هي في حقيقة الأمر مكاسب لأبناء الأمة من اجل تعبيد الطريق المؤدي الى الوحدة.
ويجب ان نستفاد من تجارب الماضي القريب ولا ندع الأخفاقات المخطط لها مسبقا أن تتكرر، والتجربة الأقسى هي التي حدثت لللأحزاب والتنظيمات الكلدانية - الذين يمثل اسمهم النسبة الأعظم من تعداد أبناء أمتنا - في انتخابات البرلمان الأخيرة والتي لم تكن نتائجها منصفة ابدا ، كما انه ليس من العدل ان يحرموا الكلدان - الذين يمثلون العمود الفقري لكيان أمتنا - من حصصهم القانونية من المقاعد البرلمانية الخمسة التي كانت هي اصلا كوتا لأبناء شعبنا، - بحجة واهية هي ان الكلدان لم يفلحوا في كسب اصوات الناخبين -.
حيث لم يكن هناك من داع أصلا ان يقوم الأخوة (الكلدان/السريان/الاشوريين) بخوض غمار الدعاية الأنتخابية ولا خوض معاركها غير المتوازنة فيما بينهم، طالما المقاعد الخمسة المخصصة لأبناء أمتنا هي لهم ولن ينافسهم أحدا عليها ، ولكن كما اسلفنا فان أعداء أمتنا هم من ارادوا هذه الفرقة التي ادت الى التقاتل والتقاذف فيما بينهم، وان هذا يجبرني للقول ان الأشخاص الذين خاضوا المعارك الأنتخابية والتنظيمات السياسية التي تمثلهم والكتل الكبرى المتنفذة في الحكم التي تقف خلفهم كانوا جميعهم قد خططوا واتفقوا على تهميش الكلدان وعلى حرمانهم من حقوقهم المنصوصة في الدستور ليفرغوا كيان الأمة من اقوى مكوناتها.
لكي ننقذ أمتنا ومستقبل ابنائها من هذه الفرقة والتقسيم غير المبرر، ولكي نوقف صراع ابنائها الداخلي ونضعهم على الطريق الصحيح، ومن اجل بناء وصيانة كيان الأمة ووجودها، يجب على الجميع من أحزاب ومؤسسات ومثقفين وكتاب، وكل من موقعه وحسب قدرته العمل على تثبيت حقوق ابناء هذه الأمة في دساتير البلد وتضمينها في قوانينه وتشريعاته، وهذا لن يتحقق بدون تكاتفنا ووحدتنا على مختلف الصعد اولا، ومن ثم قيامنا مجتمعين بمطالبة القائمين على الحكم بحقوقنا على مستوى الوطن على اساس كوننا المكون الأصلي في هذا البلد.
لذا على جميع مثقفينا التوجه والعمل لبناء قاعدة للوعي القومي والوطني، تتطابق فيه اراء الجميع وتلتقي معا من اجل المصلحة القومية العليا ليخلقوا معا ارضية صلبة يقف عليها ابناء شعبنا بكل صمود وثقة، وكما يجب على سيايسيينا وتنظيماتهم بدءا (من الحركة الديمقراطية الاشورية وما يتبعها من منظمات ومؤسسات والمؤتمر الاشوري العام ومن يقف خلفه من شخصيات ومؤسسات وخاصة التي خارج الوطن والحزب الوطني الاشوري وكتابه وتنظيمات بين النهرين المتعددة والأتحاد الاشوري العالمي ومؤسساته المختلفة، ومرورا بالتنظيمات الكلدانية من الحزب الديمقراطي الكلداني والنخبة المثقفة الكلدانية واتحادهم العالمي للكتاب والادباء والمجلس القومي الكلداني وانتهاءا بالمجلس الشعبي الكلداني السرياني الاشوري والتنظيمات السريانية المختلفة ومنظمات المجتمع المدني)، على هؤلاء جميعا ومن منطلق الحفاظ على كيان الأمة والعمل على نهوضها، الأسراع للعمل على تقديم الخدمة لأبناء الأمة، وندعوهم أولا للعمل على ترتيب البيت الداخلي والعمل مجتمعين على تقريب وجهات النظر المختلفة بعد ان يقدم الكل التنازلات التي تؤدي الى نهوض الأمة، ومن ثم عليهم التنسيق مع القوى المتنفذة والمؤثرة دوليا واقليميا ووطنيا للعمل لتثبيت حقوقنا دستوريا وفي كل التشريعات التي تخص حقوق الأفراد والجماعات، لتؤدي بالنهاية الى دعوة أبناء أمتنا للمشاركة الفعالة والواسعة في بناء الوطن على اساس المواطنة الكاملة والدستور الذي يضمن حقوق جميع العراقيين دون استثناء.