مشروع أمريكي لحماية الأقليات في العراق !!!
إزداد الحديث في الآونة الأخيرة حول مشروع أمريكي جديد في العراق يستهدف حماية الأقليات القومية والدينية,أو(الكيانات القومية) الأقل عددآ من القوميات الكبيرة مثل العرب والأكراد,ومن ضمن هذه الأقليات المسيحيين بكافة تسمياتهم من (الكلدان السريان الآشوريين),ويأتي هذا المشروع بعد مضي سبع سنوات على أحتلال العراق من قبل قوات التحالف الدولية, وهم الذين كانوا على بينة لما أصابَ هذه الأقليات القومية من الدمار والمآسي خلال السنوات السبعة الماضية ولم يحركوا ساكنآ,في الوقت الذي كان من واجبهم وبأمكانهم أن يعملوا شيئآ ما لهذه الأقليات بالرغم من أنهم كانوا السبب الرئيسي في تدميرها وتهجيرها ولاسيما المسيحيين منهم , ولكن أسمحوا لي أن أستعرض بأختصار شديد جدآ الوضع قبل الأحتلال وما بعده خلال السنوات السبعة الماضية.
إستنادآ الى التصريحات الصادرة من المسؤولين في الأدارة الأمريكية السابقة ومنهم وزيرة الخارجية السيدة (كوندليزا رايز) التي صرحت وفي مناسبات عديدة تقول, إننا إرتكبنا مئات الأخطاء في العراق, أما وزير الدفاع السيد (رامسفيلد) يقول إن مصادر المعلومات التي كانت تعمل معنا من العراقيين وفي مقدمتهم الدكتور أحمد الجلبي زودونا بمعلومات غير دقيقة وغير صحيحة وهذه الأسباب أدت الى الأخفاق وارتكاب الكثيرمن تلك الأخطاء, ولا نعرف مدى صحة هذه الأدعاءات ومصداقيتها,بالأضافة الى هذا أن أحد المستشارين في البيت الأبيض إستقالَ من منصبه إحتجاجآ على السياسة الخاطئة التي كانت تطبق في العراق, ولكن تبين لدى الرأي العام العالمي وبشكل قاطع لا يقبل الشك, أن قوات الأحتلال لم يكن لديهم خطة متكاملة لما هو بعد الأحتلال,حيث عمت الأضطرابات والفوضى جميع مناحي الحياة في البلاد ولاسيما في العاصمة بغداد. بعد سقوط النظام في 9-4 – 2003 تم تعين الجنرال الأمريكي (جو كارنر) حاكمآ عسكريآ في العراق لمدة أقل من شهرين, وفي تلك الفترة بدأ الوضع الأمني يتدهور سريعآ نحو الأسوأ ,ثم عين بديلآ عنه السيد (بول بريمر) السياسي المخضرم حاكمآ مدنيآ على العراق يتمتع بصلاحيات مطلقة, وكان بأمكانه أن يعمل كل ما بوسعه آنذاك لدعم وحماية حقوق الأقليات الدينية والقومية, ولكن لم يعمل شيئآ لهم, لا بل قَسًم البلاد والعباد الى قوميات و طوائف ومناطق, واول ما قام به هو تفكيك كيان الدولة العراقية والغائها من معادلة الصراع العربي الأسرائيلي لفترة لا تقل عن عقدين من الزمن,ثم حلً وزارات الدفاع والداخلية والأعلام .. والمؤسسات الملحقة بهما,وبعدها مباشرة سمح لقوات( فيلق بدر) بدخول العراق بدون سلاح, وأتخذت لها مواقع ومكاتب في معظم أنحاء البلاد وخاصة في بغداد,وبدأت تمارس السلطة التنفيذية وأصبحت بديلآ عن جهاز الأمن والشرطة العراقية. ولزيادة المعلومات:
( يتألف فيلق بدر من خمس فرق قتال مجهزة بأسلحة خفيفة, وفرقة أسناد مجهزة بأسلحة ثقيلة,تأسس هذا الفيلق في أيران في بداية الثمانينات من القرن الماضي وتدرب لمدة أكثر من عشرون عامآ في أيران بأشراف ضباط من الحرس الثوري الأيراني, وكان خلال هذه الفترة يقوم بعمليات جهادية ضد النظام الدكتاتوري في العراق,وخاصة في منطقة الأهوار جنوب العراق,وبعد دخوله العراق أصبح ميليشيا شبه رسمية لأن قادته كانوا مشاركين في سلطة مجلس الحكم التي شكلها السيد بول بريمر وبشكل رئيسي وفعال .
في نهاية تموز من عام 2003 قام السيد مقتدى الصدرأيضآ بتشكيل ميليشيا جيش المهدي في معظم المحافظات, وبشكل مكثف في كل من النجف وكربلاء ومدينة الصدر في بغداد,وكان السيد بريمر ومعه قادة قوات التحالف على علم تام بذلك ولم يصدر منهم أي أعتراض على ذلك,وأنخرط في هذا الجيش الآف من الشباب الشيعة المؤمنين بالجهاد ضدً المحتل,ولكن تسلل اليه المئات من المجرمين ومن أعوان النظام السابق وآخرين, وأتخذت هذه الميليشيا لها مكاتب أيضآ في معظم أنحاء البلاد وخاصة في بغداد والمدن المقدسة,وأصبحت تزاول مهامها كسلطة شبه رسمية جنبآ الى جنب مكاتب( فيلق بدر) وقوات الشرطة العراقية الهشة المستحدثة حديثآ والتي تم قبول أفرادها في سلك الشرطة المحلية دون قيد أو شرط, ومعظمهم كانوا (لملوم) من الشارع ومن أصحاب السوابق . بعد الغاء مؤسسات الجيش والشرطة من قبل الحاكم المدني السيد( بريمر), أصبحت الحدود العراقية مفتوحة على مصراعيها ومباحة أمام المنظمات الأرهابية والعصابات وعملاء المخابرات الدولية المتعددة والمختلفة, ومعظم تلك المنظمات كانت تأخذ الرموز الدينية عنوانآ لها,والباقي منها كانت تحمل شعارات وطنية وسياسية مظللة, وجاءت هذه التشكيلات الجهادية والأنتحارية والأجرامية والمخابراتية جميعها
من دول الجوار الشقيقة والصديقة وبتسميات مختلفة وجذابة, لقد دخل العراق عشرات اللآلاف من الأرهابين وفي مقدمتهم عناصر من جنسيات مختلفة يعملون مع منظمة القاعدة بقيادة أسامة بن لادن, وأصبح هذا الوطن ساحة الصراع الرئيسي بين هذه الميليشيات والمنظمات الأرهابية من جهة, ومن الجهة الأخرى, كانت قوات التحالف والبعض من المشاركين في الحكومة العراقية الجديدة المنبثقة من مجلس الحكم الذي شكله بول بريمر, وسادت فوضى عارمة في البلاد,وكل مجموعة كانت تحاول السيطرة على منطقة معينة في البلد لتمارس سلطتها السياسية أو الدينية وتطبق شريعتها على المواطنين الذين يختلفون عنهم في الدين والقومية والثقافة, ولقد شاهدنا مناطق عديدة من بغداد وخاصة منطقة الدورة كيف أن عناصرمن منظمة القاعدة قتلت, وخطفت, وأغتصبت, وأستولت على أملاك المئات من العوائل المسيحية والصابئة, وفرضت قيودآ وشروطآ على بقائهم في المنطقة,وكل هذا حدث, وكان السيد بول بريمر والأدارة الأمريكية على علم تام وبينة من كل ذلك,ولم يحاول أبدآ أن يضع خطة لحماية هذه الأقليات أو يسمح لها بتشكيل قوة مسلحة للدفاع عن نفسها. في بداية عام 2004 بدأت حملة تفجير الكنائس وقتُلَ وخطف رجال الدين المسيحيين في كل من بغداد والموصل وشهدَ العالم كله تلك المعانات المآسي وحدث هذا كله أيضآ في عهد السيد بريمر وأمام أنظاره ولم نسمع منه كلمة أستنكار واحدة لتلك الجرائم التي أرتكبت ضدً المسيحيين الآمنيين الذين ليس لديهم ميليشيات ولا يوجد أحدآ مسؤول عن حمايتهم, في الوقت الذي كان من واجب قوات الأحتلال (بموجب أتفاقية جنيفً لعام 1949) حماية المواطنين العزل ولاسيما الأقليات الذين لا يملكون السلاح ولا يسمح لهم بتشكيل قوة مسلحة لحماية أرواحهم وممتلكاتهم أسوة بالآخرين, ومن تلك المكونات المسيحيين واليزيديين والصابئة والشبك والتركمان, وأستمرت هذه الحالة وتلك المعاناة منذٌ ذلك الحين والى يومنا هذا, أي أكثر من سبع سنوات والمسؤولون الأميركان على إطلاع تام بكل التفاصيل الدقيقة العلنية والسرية الخاصة بتلك الأحداث والخسائر بالأرواح والممتلكات التي تكبدناها, والتي روعت أبناء شعبنا في كل أنحاء العراق. وبعد هذا كله نفاجأ بمسؤول أمريكي يقول لنا إننا نعمل في سبيل مشروع لحماية الأقليات في العراق!! وانني شخصيآ أتعجب وأشكٌ بذلك,بالأضافة الى أن هذا المشروع يأتي متأخرآ جدآ وعملية تنفيذه على الأرض صعبة للغاية في الوقت الحاضر,فلو كان يهمهم وضع الأقليات وسلامتهم ولهم رغبة في ذلك, لكان الأجدى بهم تبني هذا المشروع بعد سقوط النظام مباشرة, عندها كان شعبنا بكامل عدده وامكانياته وتأثيره داخل المجتمع العراقي,وكانت الساحة السياسية تتقبل وتستوعب مثل هذا المشروع آنذاك, أما الآن بعد التدخل المباشر وغير المباشر من قبل الدول الأقليمية في شؤون العراق الداخلية, لقد تغيرت كل المعادلات السياسية والديمغراغرافية في المنطقة, وليس من السهل إقناع المسؤولين العراقيين الذين في الأمس القريب لم يوافقوا حتى على المادة 50 من الدستور العراقي التي تمنح لشعبنا جزءً بسيطآ من الحقوق القومية المشروعة, فكيف بهم أن يوافقوا الآن على هذا المشروع الكبير الذي يمنح الأقليات الكثير من الحقوق القومية, السياسية والأدارية المشروعة في المناطق التي تقطنها هذه الأقليات,إنه شئ غير ممكن.
إن ما أصاب شعبنا (الكلداني السرياني الأشوري) في العراق لم يكن محض صدفة ولم يأت فجأة وأنما كان مخططآ له بالتأكيد, لأنه ليس من المعقول بأن الأدارة الأمريكية تٌقدمً على إحتلال بلد مثل العراق ولم تضع في حسابها قضية الأقليات القومية والدينية في البلاد,في الوقت الذي كان من واجب الأحتلال حمايتهم والدفاع عنهم من شرً الأرهابين والمتطرفين الأسلاميين بكافة مذاهبهم. إن عملية الأحتلال وتداعياتها أدت الى هجرة وتهجير أكثر من نصف مليون مسيحي من العراق أمام أنظار العالم كله وبالذات الأدارة الأمريكية, وأن ما تبقى في العراق من أبناء شعبنا لم يتجاوز عددهم نصف مليون نسمة, معظمهم من الطبقة المسحوقة التي لا تتيسر لديها الأمكانيات المادية والثقافية لمغادرة البلاد بالأضافة الى أن نزيف الهجرة مستمر بالتدفق نحو الخارج وفق مخطط دولي,وعمليات التغيير الديمغرافي في المنطقة تسير على قدم وساق من قبل المكونات الأثنية المجاورة لشعبنا في منطقة سهل نينوى, والتي تستهدف تقليص رقعة الأرض التي نمتلكها والتي ورثناها عن أجدادننا منذ آلاف السنين.
إن الخريطة السياسية لمستقبل العراق الجديد والتي وضعها نائب الرئيس الأمريكي(جو بايدن) في عام 1996 عندما كان مسؤول لجنة العلاقات الخارجية في الكونكرس الأمريكي, لم يكن فيها شئ يتعلق بحقوق الأقليات القومية والدينية العراقية,وأتمنى أن تترسخ في الأذهان بأن الذين يخططون لمستقبل السياسة الأمريكية في العراق لا يوجد في قاموسهم الدين ولم يعيروا أية أهمية له وكل شئ مبني على المصالح المادية.. لقد قسًم السيد (جو بايدن) العراق الى ثلاث أقاليم ,أقليم كردستان في الشمال, أقليم الوسط السني , أقليم الجنوب الشيعي,وتحقق هذا كله تقريبآ على أرض الواقع,وعندما يكتمل هذا المشروع من خلال الدستور وفي ظروف يتحكم بها أمر الواقع, فعندها تتجه الأقاليم الثلاثة نحو الكونفدرالية أو الأستقلال الذاتي, بموجب نتائج الأستفتاء الذي تقرها قرارات هيئة الأمم المتحدة, وعندها ينقسم العراق ويصبح ثلاث دول لا مكان فيه للأقليات القومية والدينية ككيان سياسي أو أداري يستطيع الصمود والمحافظة على موقعه بين هذه الكيانات الكبيرة والتي لها كثافة سكانية عالية, وإمتدادات أقليمية ودولية ولاسيما في هذه الظروف الصعبة التي تعصف بالمنطقة. وأستنادآ الى الأحداث والظروف التي مرت بنا خلال السنوات السبعة الماضية والمعطيات الموجودة على أرض الواقع الآن فإن المشروع الأمريكي لا جدوى منه, إنه عبارة عن مسَكنً لجراحاتنا وآلامنا المستمرة,ولقد حاول مسؤولون عن هذا المشروع في الأدارة الأمريكية الحالية مرتين أن يجتمعوا مع الجالية العراقية في مشيكن للأستماع الي آراءهم ومشاكلهم ولكن الأجتماع في كلا الحالتين لم يستمر أكثر من عشرة دقائق حيث أن العديد من الأرامل والثكالى الذين فقدوا أولادهم وأزواجهم كانوا يتهجمون على هؤلاء المسؤولين مما كان يجبرهم على ترك القاعة مذعورين,وكنت أحد الحاضرين في الأجتماع الأخير الذي تم قبل شهر تقريبآ,ومن هذا المنطلق نحن بحاجة الى مشروع عقلاني, وأن المشروع الحقيقي الذي يمكن أن يتحقق لحماية شعبنا هوً: العمل يدآ بيد مع القيادة الكردية بزعامة السيد مسعود البارزاني وهذا أيضآ لن يحقق جميع طموحاتنا القومية المشروعة, ولكن هو الأفضل ما يمكن تحقيقه, وهو أكثر واقعية وأكثر قبولآ لدى الجميع في الوقت الحاضر.
داود برنو -27 -7- 2010 .