المفردات السومرية في اللغة الآشورية
عزيز توما
مقدمة : ما دفعني الغوص في هذه المسألة هو أني لاحظت بعد القيام بدراسات لغوية مقارنة بين اللغة الآشورية المحكية بلهجتيها الغربية والشرقية بوجود مفردات سومرية ، طبعا بعد التحقق من ذلك في معجم سومري –اكادي – فرنسي ووثائق ونصوص لها صلة بالموضوع . ولا بد من كشف حقيقة واضحة للأخ القارئ أن اللغة الآشورية المحكية تعج بمفردات قد لاتجدها في المعاجم السريانية اذ أن بعضها تعود لأصول سومرية ، ولا بد من الإشارة أيضا أن أغلب هذه المفردات ارتبطتبأ بأفكار وقصص غابرة حيث البحث فيها تكشف ثروة ثقافية هائلة .
وعندما نتحدث عن اللغة السومرية لابد أن نتحدث عن اللغة الآشورية الأكادية لأن الآشورية ورثت السومرية ولهذا السبب نجد حضورا هائلا لمفردات سومرية في اللغة الآشورية التي تفرعت بدورها الى لهجتين اساسيتين مازالتا قائمتين حتى اليوم بالرغم من تراجعهما المؤلم بفعل تواترات التاريخ التي لامجال للخوض فيها هنا .
ولابد أيضا أن نقول للأخ القارئ أن الآشورية المحكية الآن هي اللغة الحية لها قواعد وأصول خاصة لا علاقة بقواعد وأصول اللغة السريانية " الفصحى " ، لغة الكنيسة في أزمنة ماضية ، ولا رابط بينهما سوى الحرف – كما يقول اللغوي أوديشو ملكو . وعلى صعيد المفردة ، هناك الكثير من الكلمات المنطوقة من قبل الطفل وأمه لاوجود لها في القواميس السريانية .
أعود إلى نقطة البدء لأوضح أن المشروع الذي أقوم به يندرج في إطار الخدمة للغتنا الآشورية الجليلة وعوني بذلك المعجم والوثائق الموجودة أمامي ، وسأسلط الضوء فقط في كل مرة إلى مفردة سومرية واحدة وحضورها في لغتنا الآشورية ( السورث ) وأتمنى أن أتلقى آراء أخوتنا القراء خدمة كبيرة لهذه اللغة الكبيرة بتاريخها وحضورها :
1- كور kur
كلمة سومرية تعني بحسب المعجم السومري – الفرنسي العالم السفلي ، أو عالم الظلمات والعتمة ، ويعتقد السومريون أن الإنسان محكوم بالموت والفناء أما الخلود فهو من نصيب الآلهة ، وهذا ما قالته صراحة ملحمة كلكامش السومرية : "عندما خلقت الآلهة الإنسان خلقت معه الموت واحتفظت لنفسها الخلود " . وجنة دلمون كان مقرا للالهة العظام أما كور فكان من نصيب البشر الفانين . ولم يستطع كلكامش الوصول إلى نبتة الخلود التي كان موقعها في دلمون لأن الحية قامت بالسطو عليها :
رأى كلكامش بركة ماء
نزل فيها ، استحم بمائها
تشممت الحية رائحة النبتة
تسللت ، صعدن من الماء
خطفتها
وفيما هي عائدة
تجدد جلدها
وهنا جلس كلكامش وبكى .
إن حضور المفردة كور موجود بكل حمولتها المعرفية في اللغة الاشورية الحية و المحكية الآن وتأتي على الشكل التالي : ( كورو ) يعني بيت النار وتستخدم لتسخين المعادن النحاسية والحديدية ، والنار هنا من المكونات الأساسية للعالم السفلي لدى السومريين وترمز العقاب في الديان السماوية . والمفردة نفسها تستخدم للإشارة إلى منحلة مدورة تصنع من الطين الأحمر توضع فيها خلايا النحل وتتميز هذه المنحلة الفخارية بالعتمة من الداخل والعماء . في استخدام آخر للكلمة وتأتي على شكل ( كوريم ) ، ويقال للشخص المراد عقابه بالآشورية الغربية : فلتذهب الى كوريم ( كوريم ديذخ ) أي فلتذهب الى الجحيم وهكذا .
والحية تسمى بالآشورية المحكية ( كورفو ) ، لاحظ هذه المفردة وهي ذات دلالة بليغة حيث أن الحية هي المسؤولة مباشرة عن مأساة كلكامش خاصة والإنسان عامة وهي التي تسببت في السطو على نبتة الحياة ورمي الإنسان إلى العالم السفلي . في الواقع لم أتوصل إلى معرفة دلالىة للمقطع الآخر من كلمة ( كورفو ) ربما جاء ليعني نوعا من الفزع أو الرعب .
ولابد من الإشارة إلى القارئ العزيز بأنه ربما هناك استخدامات أخرى لكلمة كور في لغتنا الآشورية . ينبغي القول هنا ان جميع هذه الاستخدامات تتمحور حول نقطة تعبر ظلمات كور وعذاب كور وعتمة كور والى آخره .والدلالة اللغوية قد تتغير قليلا بسبب البعد الزمني والتاريخ الممتد إلى آلاف السنين ، أو ربما يتم التغيير في الوظيفة الدلالية للمفردة وهكذا .
اللقاء في حلقة قادمة
عزيز توما
aziztouma@hotmail.com