الجاثليق شمعون برصباعي: هو من أهل السوس أو من المدائن. ولا نعرف شيئاً أكيداً عن تاريخ ولادته، إنما نلقاه في مستهل القرن الرابع تلميذاً للجاثليق فافا ثم أركذياقوناً له. وهناك رواية تقول إنه عاش أكثر من 117 سنة. أما لقب برصباعي فقد جاءه من أبويه اللذين كانا يصبغان الملابس لاستعمال الملوك، حسبما جاء في المكتبة الفاتيكانية " حسناً دعي شمعون ابن الصباغين، لأن أبويه كانا يصبغان الحرير بصبغ أجنبي لباساً للمملكة الأثيمة، وهو صبغ ثياب نفسه بدم شخصه لباساً للمملكة المقدسة ".
ويقول التاريخ السعردي إن الجاثليق فافا لكبر سنه وضعف حركته أرسل شمعون برصباعي ومار شاهدوست للنيابة عنه في مجمع نيقية سنة 325، وقال قوم إنه استناب شمعون برصباعي ومار يعقوب النصيبيني.
وقد انقضَّ سنة 341 على الجاثليق شمعون اضطهاد شابور الثاني المسمى بالاضطهاد الأربعيني، الذي أودى بحياة ألوف المسيحيين من أساقفة وكهنة ومؤمنين. وكان شمعون إذ ذاك في سنته الثانية عشرة على كرسي المدائن خلفاً لفافا، حسبما جاء في التاريخ الكنسي لابن العبري.
أما ماري بن سليمان وصليبا والتاريخ السعردي فيقولون إنها سنته الثامنة عشرة. وجرى استشهاد مار شمعون مع كثيرين آخرين في مدينة كرخ ليدان من أعمال الأهواز سنة 341 في يوم جمعة الآلام. ودفن في مدينة السوس. ونقل تذكار جميع هؤلاء الشهداء إلى جمعة المعترفين الواقعة بعد عيد القيامة. أما يوم الجمعة السادسة من سابوع القيظ فهو تذكار تكريس المذبح المشيد في مدينة كرخ ليدان لإكرامه.
وكان الملك شابور يضمر شراً لمسيحيي منطقته، ويتربص الفرص للإيقاع بهم. فأراد أن يضايق المسيحيين الساكنين في مملكته بفرض جزية مضاعفة عليهم. فكتب رسائل إلى حكام البلاد يدعوهم بالقبض على شمعون رئيسهم، ولا يخلى سبيله إلا بعد أن يتعهد بجبي ودفع جزية مضاعفة عن شعبه.
فألقي القبض على مار شمعون، وتليت على مسامعه ما جاء في رسالة الملك، وطلب منه إنجازها. لكنه رفض طلبهم، لأن سلطته الروحية لا تسمح له التصرف بما يطلبه الملك منه. وطلب منهم أن يبلغوا الملك أن شعبه لا يتسنى له دفع الجزية مضاعفة لكونه فقير. فكتب الحكام رسالة إلى شابور يخبروه فيها عن رفض مار شمعون ما أمر الملك. فاحتدم غيظاً لعدم طاعة مار شمعون لأمره.
واستطاع اليهود الوصول عند شابور الملك وافتروا على مار شمعون بأنه مرتبط في مواقفه بما يمليه عليه ملوك الروم أعداء الساسانيين. وللحال كتب شابور رسالة ثانية للحكام طلب منهم أن يبلغوا شمعون بأن عدم طاعته للأوامر الملكية سيحمل شعبه إلى الهلاك والموت. وما أن وصلت الرسالة الملكية، حتى استدعي شمعون ثانية وتليت عليه رسالة الملك. وبعد أن استمع نص الرسالة وما تحتويه من التهديد والوعيد. أجاب قائلاً: " إن كلامي الأول والأخير واحد، وهو أني لا أفرض الجزية على الشعب الذي استودعني إياه المسيح ربي. بل أني أرضى باحتمال مختلف أنواع الموت في سبيله. وكما أن المسيح صلب عن جميع الشعوب لكي يحييها بصليبه، كذلك أنا أموت عوض الشعب الذي أعطاني إياه في هذه المملكة، لئلا يموت عن حقيقة المسيح. وسوف ابذل ذاتي في سبيل حقيقتي وإيمان تلاميذي. بل أهب دمي في سبيل رعيتي، وأقدم عنقي للسيف عوض قطيعي ".
ولما سمع الحكام قول شمعون اخبروا الملك بذلك. وحينما قرئت الرسالة على مسامعه، ثار ثائره وهاج كالأسد الضاري، وزأر بصوت شديد، وماجت في نفسه غريزة الانتقام والبطش. وأصدر أمراً بأعمال السيف في الكهنة والشمامسة وبهدم الكنائس وتدنيس المقدسات. وكتب رسالة ثالثة طلب فيها من الحكام القبض على شمعون وإرساله إليه، بعد هدم كنيسته.
ولما سمع شمعون هذه الأوامر، لم يفزع ولم يضطرب ولم ترتخِ عزيمته وهو يرى كنيسته تهدم، بل مجد الله. وقبل أن يرحل إلى منطقة الأهواز لمقابلة الملك شابور، دعا الرهبان والكهنة والشمامسة وخاطبهم مشجعاً إياهم قائلاً: " تقوَّوا ولا تتخادلوا، فقد دعيتم لهذا الأمر وله خصصتم ذواتكم، إذ صرتم تلاميذ المسيح. فانظروا إلى ما احتمله من الهوان لأجلكم، وتفرسوا في صليبه. تأملوا الأنبياء الذين قتلوا، والرسل الذين رجموا، لتعلموا أن الله ليس بضعيف، وأن مسيحه ليس بعاجز مغلوب. إنما يريد أن يظهر قوته في الضعفاء، وأن يعلن حياته في موتهم. فإذا رفعتم عيون قلوبكم إليه، فهو سيشملنا بنظره، ويقوي ضعفنا وينصرنا في الجهاد. وأعلموا أن الضيق سيعبر، وتليه أزمنة الراحة. وأن الكنيسة التي استؤصلت ستشاد بمجد وتزدان بأبهة، ولا نحزن لهدم كنيستنا على الأرض، إذ أن لنا بنياناً في السماء لم تصنعه الأيادي البشرية. إنها كنيسة الأبكار التي ليست مبنية في ساليق وكوخي، بل في أورشليم السماوية. والآن أنا ماضٍ إلى باب الملك، ولا أعلم ما سيحدث بعدي. أما أنتم فكونوا على استعداد دائم، لابسين درع الإيمان، حتى إذا ما شنت عليكم الحرب، ل ا يستطيع السهم أن يخترق درعكم، بل يرتد على رماته ويتحطم. ابتعدوا عن سائر البدع الوثنية، ولا تخالطوا اليهود أعداء صلب المسيح. أحفظوا وصايا الرب، وأحبوا ذاك الذي أحبنا وبذل نفسه عنا ليحيينا بموته. حافظوا على إيمانكم القويم، واحتملوا في سبيله كل أنواع العذاب والموت. هذا ما أنصحكم به الآن، لأني عالم أنكم لن تروا وجهي من بعد، إذ إني مزمع أن أُضحَّى لأجل شعبي، وفي سبيل إيماني بالله. وليس ما يؤهلني لهذا سوى مراحم يسوع المسيح ربنا. فليكن معكم ومعنا أيضاً بصلواتكم إلى الأبد آمين ".
اشوريونان داود
Ashur younan dawood
Master of Philosophy and Theology
Oceania\ NZ
ashuryounan@yahoo.com