الكاتب والسياسي أحمد رجب
من أجل الوطن
حكيم نديم الداوودي
طلبا للعيش رجعنا إلى موطن الآباء والأجداد في خانقين.
أبلغني الوالد إنه من المحرمات ضرب ابن الشيخ!.
في مدرسة غازي الأول أطلق عليّ المربي الكبير والأستاذ القدير عبدالعزيز بشتيوان لقب باله واني كورد، وتعني في العربية (بطل الكورد).
جـ 1
العودة الى خزين الذاكرة بوحٍ صعب ومريرـ فإستذكار شريط تلك الذكريات هو أشد مرارة على السياسي تحت مسميات الضرورة الملجئة في منفاه الأبدي. الايام تتوالى والاعوام تمر ومعها يشتعل الرأس والروح شيباً وأسى، يمضي ربيع العمر رويداً خلف غيوم الخريف القاسية التي لا ترحم ميعة الشباب. وان شكوت عبء أيامك وكبرك قبل الآوان للقدر، فليس في مقدرته غير مواساتك تجرع مرارة الصبر عليه، وكم شكوا أناسٌ قبلنا رحيل الصبا وكانت تسلية القلوب على فوات تلك الأيام الا ليت الشباب يعود يوماً .......واوراق رجال السياسة لا تخلو من الصورالواقعية، ومن الدقائق الصغيرة ليوميات صناع الحرية للشعب والوطن. فمعا تتوجه النوايا الصادقة لرسم طريق مستقبل الامة المكافحة ، وحينها لا يهم ذلك المبدئي أوصاحب القضية الوطنية الصعاب والتضحيات الجسام من أجل الحفاظ على روح تلك المبادئ والشعارات التي ترسم ماهيات خلاص الجماهير وإسعاد البشرية من ويلات الحروب وخراب بيوت الآمنين، هو ذلك الوفي الذي يبقى ذكره في الوجدان خالداً ، وهو كالزاهد المجذوب لعين الحقيقة لا يمنعه بذل النفس ،ولايثبطه رنين الدرهم والمال، ولا حتى كل المسميات التي تعوقه ساعة الإقدام على أداب واجب الوطن مهما كانت لها وقعها في قلبه المتقد بنار المبدأ وجذوة مفارقة الأم الرؤوم،وقليل من يتمكن التفريط بهما عند المساومة. وعلة الكفاح المسلح تكمن بين الخيارات الصعبة التي تواجهه السياسي في زمن الدكتاتوريات هو خياراته الصعبة ما بين التضحية بالاهل، أو المضي قُدماً في مواصلة الكفاح حتى النصر وإلاّ سيبقى متردداً ما بين نيل وسام الرفعة أو الرضوخ لمهانات الشوفينية . آلاف من شهداء درب الحرية والديمقراطية ممن نضحوا دمائهم على مذبح صواب العقيدة الثابتة، ومثلهم من ازهقت أرواحهم النقية في سبيل الحصانة الانسانية ، وعبورهم بشجاعة كل مراحل التردد والمهادنة، والكثير ممن ترجموا السجالات الفكرية والنقاشات الطويلة والحلقات التنظيمية المخترقة في المدن والقرى، ومواقع العمل والجامعات والمدارس والمصانع الى الواقع الفعلي. غير آبهين بقساوة ووحشية النظام الدكتاتوري وما يملكه من القوة العسكرية الكبيرة والأنظمة التجسسية لكتم أنفاس القوى المعارضة في داخل العراق. ومن تلك الضغوط العسكرية والسياسية والحرب النفسية بدأت ساعة المنازلة الحقيقية لرفض ممارسات الأجهزة القمعية ، ومن ذلك النقيض ولدت فصائل المقاومة من رحم معاناة الفقراء . وقد سبقتتها تضحيات من يوم مولد اليسار العراقي وليوم سقوط النظام، اعتقالات وترويع وتعذيب وقتل للكوادرالحزبية والتنظيمات اليسارية . لم يكن الصمت والتفرج على جرائم القاشية ممكناً ، ولم تعد الدبلوماسية والحوارات بعد تفتيت بنية الحزب تجدي نفعاً. سوى المواجهة والمقاومة واستخدام العنف الثوري مع قوى الظلام ومع من لا يفهمون ماهية حقوق الانسان، واحترام ارادة وفكر وتوجهات الآخر. بعد هذه التوطئة المتواضعة يحلو لنا أن نفتح عبر هذه الصفحات جانباً من ملف وسيرة نضال الكاتب والسياسي أحمد رجب. ذلك الرجل بقي وفيا لفكره ،الذي ضحى بكل ما لديه وبكل ما كان يحلم به في بواكير شبابه من أجل تحقيق مبادئه اليسارية. فكان احمد رجب هو البار لتراب الوطن ، وأرض الوطن في غربته هي له الأمل وحلم المرتجى، وكيف بهذاالوطن الواسع يختصر تواضعاً في سني نضاله الدؤوب. لذا لا غرابة عليه إن جاهرحبه لتلك المبادئ بالقلم ساعة تثقيف الذات ، وبالسلاح وقت المنازلة مع من لا يفهم لغة الحوار. نقف مع الكاتب والسياسي احمد رجب وفي حوار تاريخي ان سنحت لنا ظروف مرضه العضال ليحدثنا عن نشأته الأولى ، وأيام مدرسته في خانقين ، وبدايات عمله السري، وكيفية شروعه بالكفاح المسلح مع أنصاره في الجبال ، والحديث عن ترحيله القسري الى ديارالمنفى ، وعيشه على أمل العودة لأيام الماضي المترعة بالأخوة والوفاء. نبدأ حوارنا معه بجملة من الأسئلة التي راودت مخيلة المحاور :
س1 : لكل إنسان صرخته المدوية حينما يولد ليتكّيف مع فيزائية العيش، تكاد تكون تلك الصرخة مألوفة في كل مولد جديد. فكيف كانت صرخة الميلاد وفي أية بقعة ومكان ، لدى أحمد رجب، هل بقي صداه في تلافيف ذاكرته من حيث الميلاد ،والطفولة، والنشأة، ماعلاقته بالمكان الذي يحن اليه رغم ابتعاده عنه كل تلك السنين الطويلة؟ .كلما أقرأ او أسمع خبرا عن الولادة أتذكر والدتي التي لم تنعم بإبنها البكر وهي التي كانت تكرر وتقول بألم ومرارة: في الوقت الذي توفي ولدنا الأول عزيزنا مجيد وهو في السنة الثانية من عمره جاء إلى الحياة ولدنا الثاني محمد ومن ثمّ الثالث علي الذي أدخل الفرحة والبهجة إلى قلوبنا وحياتنا، ولكن هذه الفرحة والبهجة لم تقاوم لفترة طويلة إذ رحل علي سريعا ليلتحق بأخيه مجيد، وبعد فترة من الزمن رزقنا ببنت جميلة أسميناها فوزية، وتعالت صرختنا وفرحتنا يوم مجيئك إلى الدنيا.
ولدت في أسرة فقدت خلال سنوات قليلة ولدين، ولكن بعد الألم والعذاب تعالت الزغاريد وأفراح الوالدين يوم جئت إلى الحياة في محلة (قهوة شكر) في قلب بغداد، وأتذكر اليوم طفولتي ونشأتي بين أخوتي وعائلتي وعمتي خانم وأبنها حسن، وأتذكر أيضا اللعب مع أطفال المحلة حيث كنا نركض في الدرابين والدربونات (الإزقة) الضيقة والملتوية إلى التسابيل ورأس الساقية ودكان عمو عمر(عمو كمر) وشراء الجكليت والملّبّس وشعر البنات وحامض حلو، وكانت الحياة بسيطة جدا حيث الألفة والصداقة النقية بين العوائل المختلفة بعيدا عن مثالب ومكائد اليوم.
لم تدم الفرحة، فرحة طفولتي فترة طويلة، إذ لفقّ المغرضون كذبة ونسّبوها لوالدي الضابط في الجيش الإنكليزي (الليفي) بأنّه سبّ حكومة جلالة الملكة إليزابيث، وعند سماع والدي لتلك الكذبة المفتعلة إنفعل وشتم هذه المرة علنا وأمام الملأ ""جلالة الملكة""، وعلى إثر هذه الشتيمة تم إعتقال الوالد لفترة قصيرة وبعد خروجه من المعتقل تم فصله، وطلبا للعيش رجعنا إلى موطن الآباء والأجداد في خانقين.
لقد تجّرع الوالد المرارة جرّاء البطالة القاتلة وتوفير العيش للعائلة التي أصبح عدد أفرادها تسعة، وبعد مشاق وجهوده المبذولة وجد والدي الذي كان يتقن اللغة الإنكليزية عملا بصفة عامل في شركة نفط خانقين التي يديرها الإنكليز في بانه بورة بأجرة يومية قدرها (371) فلسا، وأتذكر بأن كيلو خيار كان بفلس واحد، وكل بيضتين بفلس، وانتقلنا من خانقين إلى قرية كوره شلة القريبة من منطقة بانه بوره.
إستبشر الناس بفتح أول مدرسة إبتدائية في بانه بوره، وأصبحت أحد تلاميذها، وكانت المدرسة بصف واحد ومعلم واحد هو مديرها الأستاذ شفيق محمود الجاف. كانت المدرسة (مدرسة بانه بوره الإبتدائية للبنين) ولكنها كانت مختلطة لوجود عدد كبير من البنات وأتذكر منهن: نعيمة محمد أمين، إلهام شوكت، فوزية مصطفى، بلقيس سعيد النجار، حمدية صحبت، نجاة أحمد، أزهار فاضل، شه ونم شفيق وبرشنك شفيق، كما أتذكر من البنين: آيدن شوكت، سهام بكر، صباح شهاب، طارق شهاب، فاروش بوغسيان، وانيك بوغوسيان، قيس سعيد، كنعان احمد، حسام الدين شيخ رؤوف، عطا شيخ خالد، محمد رؤوف شيخ إسماعيل، صلاح الدين رحيم، إبراهيم فرج، حمه احمد (حمه كورده) ،إدوارد كوركيس وآخرين.الأسماء التي ذكرتها من قوميات وموزائيك العراق وكوردستان وفيهم الكوردي، العربي، التركماني، الكلداني الآشوري السرياني والأرمني، وكلهم من المسلمين والمسيحيين وأديان ومذاهب أخرى.
في الصف الثاني جاءنا معلم جديد هو الأستاذ حقي فرج، وتم نقل الأستاذ شفيق محمود الجاف، وبدلا منه أصبح الأستاذ آصف عبدالله مديرا للمدرسة.كنا أطفالا نذهب مشيا على الأقدام من كوره شله إلى بانه بوره، أو نعود منها رغم وجود سيارات شركة النفط، وقد إشترى حسام الدين بن شيخ رؤوف (كويخا القرية) سيارة جيب ويلز إمريكية الصنع، وكلمة كويخا تعني (رئيس) وابن رئيس القرية ويمكن (تسميته بإبن الإقطاعي)، وكان حسام الدين طفلا يسوق سيارته بمساعدة شخص آخر في البداية، ولا أدري سبب حقدي عليه، وفي أحد الأيام قمت بضربه مع آخرين، حيث شكلنا تكتلا ضد ابن الشيخ، وفي المساء عاد والدي من العمل ونادى علي بصوت جهوري لأول مرة في حياته، وقد قمت من مكاني ووقفت أمامه، وحصلت على راشدي محمودي (صفعة) على خدي وقال لي: لماذا ضربت ابن الشيخ؟ وقلت: لأنني أكرهه!، قال لماذا؟ قلت: احتقره، إننا نذهب إلى المدرسة مشيا وهو يركب سيارته. أبلغني الوالد إنه من المحرمات ضرب ابن الشيخ!، وإذا تكرر ضربه تستحق الجزاء،وهل تقبل أن يوّجه لي الإهانة؟ كلا، لا تقبل، وعندئذ فإن الشيخ يحاول إخراجنا من قريته.وأنا طفل صغير وأفكر دائما وأقول في قرارة نفسي: لماذا هذه القرية وقرى تازه دي وعلي خالة تعود ملكيتها للشيخ!، لم أصل إلى حل يرضيني، وفي يوم من الأيام قررت ضرب ابن الشيخ في المدرسة، وفعلا نفذت قراري، وفي الحال تدخل مدير المدرسة الأستاذ آصف عبدالله، ونادى على فرّاش المدرسة (مام علي) وصرخ في وجهه وقال له: إمسكه بقوة وارفعه إلى الأعلى حتى يتسنى لي (أجيوره) وبالعراقي (الضرب بالفلقة) لم يتمكن مام علي الفراش رفعي، وتخلصت من الفلقة، ولكن المدير كان إلى جانب ابن الشيخ وأخذ يضربني بالمسطرة وأمام الطلاب الذين لم يستسيغوا تصرف المدير، وتكررت هذه المشاهد أكثر من مرة، وبعد سنوات تفرقنا بسبب إنتهاء أعمال الشركة ودخولنا مدارس أخرى، وأصبح الشيخ حسام الدين من أصدقائي الجيدين والمحبين.في الصف الرابع إنتقلت إلى مدرسة غازي الأول في باشاكوبري (بعد ثورة 14 تموز 1958) تغير اسمها إلى مدرسة النضال، وأنتقلت هي الأخرى إلى محلة المزرعة. وقد فرحت عند سماعي بأن عائلة (عبدالرحمن قادر) وهو من أقرب أقربائي إنتقلت من بانه بوره إلى النفطخانة، وبدوري إنتقلت من مدرسة غازي الأول إلى مدرسة النفطخانة الإبتدائية، وألتقيت مع العديد من أصدقائي الذين إنتقل أولياء أمورهم إلى النفطخانة من بانه بوره.في مدرسة غازي الأول أطلق عليّ المربي الكبير والأستاذ القدير عبدالعزيز بشتيوان لقب باله واني كورد، وتعني في العربية (بطل الكورد) وهنا لا بد أن أشير إلى إثنين من المعلمين الشوفينيين الحاقدين على الوطنيين والكورد احمد الموصلي وعيدان خلف، وأنا على سذاجتي كطفل نقلت كلام المربي الكبير إلى الأهل والاقارب والأصدقاء، وبرز عدد غير قليل من هؤلاء يزرعون الخوف عندي، وفسّروا الكلام بأنّه خط أحمر والحكومة لا تقبل مثل هذه الصفات، وبمثل هذا التصرف، وبعد سنوات فهمت الموضوع ومنذ ذلك الوقت ولحد الآن أفتخر بالأستاذ عبدالعزيز بشتيوان، وهو المناضل ومفخرة الكورد الذي ربى أبناءه على الوطنية والكوردايه تى، وبرزمنهم شيوعيون وبارتيون وضحوا بدمائهم وأستشهدوا دفاعا عن الشعب والوطن، في مدرسة النفطخانة وفي اليوم الأول في موضوع التاريخ طلب مني الأستاذ جاويد سعيد بك وهو مدير المدرسة أن أشرح المادة المطلوبة، وكان الموضوع عن المناذرة في الحيرة (العراق) والغساسنة في بصرى (بلاد الشام)، وبعد شرح المادة بإسهاب تعالى صوت الأستاذ المدير بارك الله، بارك الله، وبالمناسبة كنت أشتاق جدا إلى حفظ التاريخ. وهنا أتذكر أستاذ الحساب والقياسات محمد قاسم شكر، والمربي الشيوعي الشاب الأستاذ الرفيق خليل مصطفى (أبو مصطفى) الذي أصبح نائبا لتحرير جريدة ريكاى كوردستان (طريق كوردستان) الجريدة المركزية للحزب الشيوعي الكوردستاني، وقد جاءنا بعد حوادث مؤامرة الشوّاف القذرة الأستاذ ياسين محمد وأمجد القليه جي.
ج 2
عندما كنت في قرية كوره شله سمعت لأول مرة من الملا خدانظر وهو والد صديقي التلميذ الذكي هادي كلمة الشيوعي .
كنّا ننظم أنفسنا في صفوف الثورة الكوردية التحررية الباسلة، وكانت البداية مع السرية العاشرة المقدامة لحزبنا الشيوعي العراقي.
في بغداد نسبت للعمل الحزبي ضمن لجنة الكفاح التي تشرف على عمل المنظمات والخلايا الحزبية في المنطقة المحصورة بين الباب الشرقي وساحة الطيران إلى باب المعظم (أي شوارع الشيخ عمر والكفاح والجمهورية والرشيد) وكافة المناطق والمحلات فيها.
س 2 : الغياب والاختفاء عن الانظار، والترحال من موطن الطفولة، مفردات تكاد تكون مألوفة في قاموس كل من يمارس النضال والسياسة في ظل الانظمة الفاشية . كيف وفقت بين العمل السياسي والوظيفة وبين الحنين الى خانقين وبالاخص ما بين (1963-1966 ). والتي تعرف بفترة اجهاض الفكر التقدمي، وانتهاك حقوق الانسان في العراق ؟ عندما كنت في قرية كوره شله سمعت لأول مرة من الملا خدانظر وهو والد صديقي التلميذ الذكي هادي كلمة الشيوعية، وكان الملا خدانظر يشير إلى حزب مردم (تودة) الإيراني ويشيد بموافقه، وتودة هو الحزب الشيوعي الإيراني، كما سمعت كلمة الشيوعية للمرة الثانية من المواطن الفلاح عبدالله وكان يقرأ ويكتب، وهو يردد دائما بأن الملا خدانظر إنسان واعي وشريف، ويمكن الإستفادة من منهله الخصب.
في قرية كوره شلة كان مخفر الشرطة على جبل، وكان على الناس مساعدة الشرطة وتوفير حاجاتهم وبالأخص مساعدتهم بجلب الماء لهم من كاني القرية (نبع الماء في القرية) بواسطة الدابة في براميل صغيرة تتدّلى على الجانبين، وكان هذا (واجب) على جميع سكان القرية وحسب الدور (النوبة)، وفي أحد الأيام أخبروني بأنّ رئيس المخفر عزّت، وهو نائب عريف شرطة طلب جلب الماء بواسطة الدابة، وكان الدور، دوري أي نوبتي، ولم أهتم بكلام النائب العريف عزّت، ولم أذهب، الأمر الذي دعاه أن ينزل من المخفر إلى القرية وأرسل أحد المواطنين وطلب حضوري، ولما وصلت المكان هددني وقال أستطيع ضربك، ولكن إحتراما لوالدك لا أضربك، وقال بالحرف الواحد: أنت شيوعي!، وسوف أحيلك إلى مديرية الناحية في قوره توو..
لأول مرة سمعت شرطيا يقول لي: أنت شيوعي، وأنا لا أعرف ما هي الشيوعية!، بالرغم من قرائتي لكراس وزعّتها شركة النفط تحت اسم {الأفكار الشيوعية الهدّامة}، ولكنني لم أستوعب محتويات الكراس، وعندما عاد والدي من العمل أخبرته بالموضوع وقال لي: كان من الأفضل أن يضربك، وان إلصاق التهمة كبيرة، والآن يجب عليّ الذهاب إليه في المخفر، إذ أن إحالتك لمديرية الناحية عمل خبيث من قبله، تبسمر والدي عند عتبة دارنا، وفكّر مليا، وبعد تفكير طويل دخل الغرفة، ولم يذهب.
والدي كان متعبا ويشعر بالإرهاق، وأرجأ الذهاب إلى وقت آخر ونام مبكرا بالعكس من عادته، وشعرت بأنّه متخّوف للغاية، بعد يومين وبالضبط في 14/7/1958 عادت أختي حمدية من كاني القرية وهي تبكي، وسألناها عن سبب البكاء فقالت لنا: النساء المتجمعات عند نبع الماء (كاني) رددّن بأن الملك فيصل قتل، وان شخصا آخرأ قد إستلم الحكم. إستغربنا أنا ووالدتي وأخوتي، وفتحنا الراديو وسمعنا مارشات عسكرية وقراءة بيانات وبرقيات التهاني، ولم نفهم شيئا، والدتي سحبت الراديو وأسكتته، وفي هذه الإنثاء أرسل الشيخ رؤوف طالباني رئيس القرية علي لكي أذهب إليه وأترجم له الأخبار، وبقدرة قادر أصبحت مترجما، لم أستوعب الحدث ولكن تكرار الأخبار والبيانات شكّل عاملا مساعدا لفهم الوضع المتفجر، وشعرت أنّ الشيخ غير مقتنع بما أمليه عليه من مغالطات وترجمة ناقصة ومشلولة، وفي خضم الترجمة الرديئة من قبلي جاء نائب عريف الشرطة عزت وقال بصوت فظّ : السلام عليكم، وأخبر الشيخ بأن الملك قد قتل، وليست لدي معلومات، وننتظر إلى يوم غد، ونظر إليّ بإزدراء وأخبرني بأنّه لا يحيلني إلى مديرية الناحية.
في السابق لم تكن الإتصالات سهلة، لذا كانت مخافر الشرطة في القرى حكومة لوحدها، ولم تكن المواصلات هي الأخرى متوفرة، ولمّا علم الشيخ بمقتل الملك وعبدالإله ونوري سعيد وحاشيتهم أصيب بالهيستيريا وقام بطردنا أنا مع جمع من رجال وشبّان القرية.
أخبرت والدي بما قاله النائب العريف عزّت، ولكن والدي لم يستقبل الخبر بسرور، ولمست بأنّ الوالد هو الآخر لم يكن مسرورا بما حدث في العراق.
علم والدي أن شركة إنكليزية مقرها بيواز (باوه نور) تقوم بإنجاز مشاريع على طريق جلولاء- دربندخان- السليمانية مع مشاريع خدمية أخرى فقرر التوجه إليها، وبوصوله هناك وجد عملا جيدا لأنه كان يتقن اللغة الإنكليزية، وبعد فترة وجيزة إنتقل إلى دربندخان وأصبح مراقب أقدم في شركة بيللي الإنكليزية والمشرفة على النفق في جبل كونه كوترالذي يربط دربندخان مع قرية قاشتي على طريق دربندخان – السليمانية، والشركة المنفذة كانت إيطالية.
في العطلة الصيفية كنت أعود من خانقين إلى دربندخان، وكنت أجد بسهولة عملا في الشركة الأمريكية (مقاولون ومتعهدون لإنجاز سد دربندخان)، وخلال العطلة كنت أزور نقابة عمال دربندخان للبناء والإنشاءات، وهي أكبر نقابة في السليمانية وفيها أكثر من (5000) عامل، كما توجد نقابة أخرى، نقابة عمال الري، وفي هذه النقابات كنت أمارس مختلف أنواع الرياضة كالسباحة في نهر سيروان ورفع الأثقال والمصارعة وكرة القدم والطائرة وكرة المنضدة وغيرها، ففي المصارعة كان المصارع العراقي المعروف خلدون عبدي يدربنا، وبرز في رفع الأثقال الحداد علي الذي لقّب فيما بعد بالرفيق (علي كلاشنكوف) آمر الفوج السابع، فوج (هه ورامان) في قاطع السليمانية- كركوك للحزب الشيوعي العراقي.
في زياراتي للنقابتين التقيت بعناصر شيوعية وعمالية بارزة، وقد ساعدت هذه الزيارات ولقائي مع العناصر الشيوعية في خانقين أن تكون العامل الأساس للإنتماء للحزب الشيوعي العراقي في عام 1960 وأنا لم أكمل العمر المؤّهل لنيل العضوية، هذا الإنتماء الذي أفتخر به، لأنني تعلمت التضحية ونكران الذات في مدرسة الشيوعيين العراقيين من أجل: وطن حر وشعب سعيد.
في بداية عام 1961 أعتقلت من قبل دائرة أمن دربندخان بتهمة الشيوعية وبعد تعذيب رمزي أرسلت إلى مديرية أمن السليمانية وواجهت تعذيبا من نوع آخر، تعذيب فظيع، وبعد اسبوع أرسلت ضمن التسفيرات إلى كركوك ومن هناك إلى مديرية الأمن العامة في بغداد، وعند مدخل المديرية حصلت على صفعة قوية من شرطي الأمن جبر الذي قال لي: مصطفايي، وكان يقصد الملا مصطفى بارزاني قائد الشعب الكوردي الخالد، ولكني قلت له : كلا، أنا شيوعي فتمّ إدخالي إلى قاوش (غرفة) الشيوعيين وألتقيت في المعتقل بشخصيات شيوعية وثقافية مرموقة يتقدمهم القائد الشيوعي البارز حمزة سلمان المحامي (أبو كوريا ووثّاب وسلام) والشاعر الكبير مظفر النواب والمذيع حافظ االقباني وآخرين أتذكر منهم: فؤاد زلزلة، محمد الصائغ، فريد أبوالجام وصاحب الذي أطلقوا عليه لقب (بلبل السجن) نظرا لصوته الجميل.
في مديرية الأمن العامة وجهوا لي تهمة (المقاومة الشعبية)، وأخبرتهم بأني لم أكن من المقاومة الشعبية، إلا أنّهم أصّروا بأن المطلوب هو أحمد رجب من أهالي خانقين، وبعد تعذيب دام أكثر من شهر، وقفت أمام محقق جديد بدت على ملامحه علامات الإحترام والآداب، وهو الذي أبلغني بأنّ المقصود هو شخص آخر يحمل اسم أحمد رجب وهو من مدينتك أيضا، عندئذ علمت بأن المقصود هو احمد رجب علي شقيق كل من الأخوة: صديقي الأستاذ فاروق وفريد وعقيل، وهو يدرس في جيكوسلوفاكيا، وهو حاليا: الدكتور احمد رجب علي، ويعيش في الغربة، في أوربا (أعتقد في آلمانيا)، وتم إطلاق سراحي بكفالة بعد خسارة سنة دراسية.
عندما كنت في الكوفة والنجف قرأت يوم من الأيام اسم ذلك المحقق الذي لا أنساه أبدا، والذي أصبح محاميا وله مكتب في السوق الكبير في مدينة النجف وهو: محمد علي الشومان إن لم تخني ذاكرتي.
في منظمة دربنديخان للحزب الشيوعي العراقي تقرر كتابة شعارات السلم في كوردستان بداية عام 1962 وأنيطت المهمة بي والشيوعي المعروف ملا حسن نورولي، وذهبنا إلى السوق وأشترينا الصبغ الأحمر والفرشاة الخاصة بالكتابة، وكتبنا في ورقة شعارات الحزب المطلوبة، والأماكن التي حددّتها المنظمة، وفي الليل بدأنا بعملنا وكتبنا الشعارات حسب قرارات المنظمة، وأضفنا من عندنا بعض المناطق التي لم تحددها المنظمة.
في الصباح الباكر وقفت أمام بيتنا سيارة للأمن والشرطة ودخلت والدتي وأخبرتني بأنهم يريدون حضوري، وخرجت وألتقيت بالمفرزة التي قادها عريف الأمن محمود حمه لاو (خوله ى حمه لاو) الذي أراد ضربي أمام والدتي وأخوتي والجيران، وتملصت منه وقلت له: أن ضربي هنا يعني الإهانة، فأنا لا أقبل الإهانة، وأركب سيارتك لنذهب إلى كولانه ي الأمن (قن الدجاج – قن الأمن) وفي الحقيقة أردت إستفزازه، وركب السيارة وذهبت معه، وهناك قدمني إلى معاون الأمن المدعو خلف الانباري (أبو رياض) وقال له: هذا هو أحمد رجب كاتب الشعارات وحاولت ضربه إلا أنّه هددني وأهانني أمام الجميع.
أبو رياض وبيانا للحقيقة كان مسالما ويحترم الناس ولم يكن شرسا كما العادة عند أفراد الأمن قال لي بهدوء: لماذا جلبوك وكيف كتبت الشعارات ومع من من الشيوعيين ولماذا تهدد وتهين عريف الأمن محمود؟
أنكرت، أن أكون أنا كاتب الشعارات، ولا أعرف من كتبها ومتى، وبصدد عريف الأمن لم أهدده أو أهينه، وأتعجب من قدومه إلى دارنا لأنّ أخاه (فرج حمه لاو) هو صديقي ولنا علاقات عائلية، وأنا أتحدث مع معاون الأمن دخل العريف محمود مع الملا حسن نورولي، ووجه أبو رياض نفس الأسئلة التي طرحها علي إلى الملا حسن، وأنكر هو الآخر وقال لا أعرف من كتبها، وبعد قضاء ساعات من الوقت في الأمن قرر أبو رياض أن نتوجه إلى بيوتنا ولكنه قال لنا: لا أريد رؤيتكما معا، وخرجنا من الأمن وجلسنا معا في مقهى قريب من الأمن نشرب الشاي ونفكر من يكون وراء الإخبارية والوشاية لإعتقالنا، وفي هذا الوقت مرّ معاون الأمن بسيارته، ونظر إلينا وهزّ رأسه، وعن طريق الأصدقاء والأحبة وجدنا الشخص الذي أخبر الأمن عنّا، والشخص هو الفنّان الكوردي حسين علي الذي كان يعمل سائقا لدى معاون الأمن، وكان جارنا وبيننا علاقة قوية، لأن شقيق زوجته حكيم خليفة موسى صديقي في خانقين، وعلمنا بأنّه تحدث ببراءة عنّي وعن الشيوعيين مع أبو رياض، وكان ساذجا وقلبه خاليا من الحقد والضغينة، وعندما علمت بالقصة حقدت على حسين علي وعائلته، وقطعت صلاتي الجيدة معهم، وبعد وفاته رحمه الله التقيت مع أبنائه جمال واكرم في بغداد وزرت بقية العائلة في منطقة الشيخ عمر.
لم تكن دوائر الأمن في عهد عبدالكريم قاسم شرسة كما في عهد البعثيين، ويعلم العراقيون بأنّ دوائر الأمن في عهد الدكتاتور صدام حسين أصبحت جهنم لكل إنسان شريف وللوطنيين والشيوعيين.
كنت في دربندخان يوم قيام مؤامرة الزمرة البعثية الحاقدة في 8 شباط 1963، وسمعت من الرفاق الشيوعيين الأخبار المتضاربة هنا وهناك عن المقاومة الجماهيرية ضد المتآمرين المجرمين الذين وقفوا بوجه ثورة 14 تموز، ولكن عن طريق الراديو وصلت الأخبار وعلمت بأن زمرة طالب شبيب وحازم جواد وعلي السعدي وأحمد حسن البكر وحردان التكريتي ورشيد مصلح وزبانيتهم المجرمة قد سيطرت على الأوضاع، كما سمعت بيان رقم (13) للمجرم الحاقد رشيد مصلح الحاكم العسكري بإبادة الشيوعيين والوطنيين، (أعدم البعثيون حاكمهم العسكري رشيد مصلح التكريتي، لكونه جاسوسا، وتم تعليق جثته في ساحات بغداد).
وفي اليوم الثاني كانت دوائر الحكومة مكتوفة الأيدي ومشلولة، لأن المسؤولين كانوا بإنتظار التعليمات من المتآمرين، خرجت صباحا من دربندخان وأمام أنظار الأمن والإستخبارات العسكرية الذين وقفوا مندهشين لا يعرفون ماذا يفعلوا، ووصلت خانقين مساءأ في ساعة متآخرة، ولم أذهب إلى محل سكني، ومكثت عند الأصدقاء والأقارب لمدة اسبوع، وصدربيان آخر من الزمرة الشريرة يطالب الموظفين والعمال والأسرة التعليمية والطلاب بضرورة الحضور في الدوام الرسمي، ومن يخالف يعاقب!!.
أصبح المجال مفتوحا أمام القوميين والبعثيين للحصول على المواقع، ففي ثانوية خانقين للبنين تم تعين المدعو عبدالرحمن المعيني مديراً للثانوية بدلا من المربي الفاضل والشخصية المحترمة حافظ علي التاجر، وبعد فترة نظرا للمشاحنات والثرثرة بين القوميين والبعثيين حلّ عبدالكريم الدوري محل عبدالرحمن، ومن بركات البعث للشواذ الذين أصبحت ملاحقة الناس همهم الوحيد تمّ فتح الإسطبل الذي أسموه ""الإتحاد الوطني لطلبة العراق"" وظهر فرسان البعث في مقدمتهم طارق عريبي، نجيب أدهم وطالب إبراهيم (طلوبي).
مع ظهور زمرة ""الاتحاد الوطني"" لطلبة العراق صعّد الشواذ محاربتهم بطرق سخيفة وجبانة محاربة العناصر الوطنية والشيوعية مستخدمين الترهيب والترغيب للإنتماء لإتحادهم الذي أصبح وكرا لكل جبان، ومركزا للمخابرات، ويبدو أن طارق عريبي كان مشرفا على هذه الزمرة لأنّه كان معلم ابتدائية ويتردّد بصورة مستمرة على الثانوية.
إزاء هؤلاء الجبناء تركت مدينتي خانقين في عام 1963 وأنتقلت إلى بغداد،وواجهت مشاكل عديدة، إذ إنقطعت نهائيا عن أخوتي وأهلي نظرا للأوضاع العسكرية الشاذة والحصار الجائر على كوردستان، وفي بغداد إضطررت أن أجد عملا لكي أعيش وأستمر في الدراسة وأصبحت حياتي قاسية بسبب (الإختفاء)، وأخيرا وجدت الصديق المقاول سعيد فرج وهو شيوعي هارب من السليمانية وشقيق الشهيد الشيوعي حسين فرج الذي استشهد بأيدي عناصر خبيثة في الحزب الديموقراطي الكوردستاني (البارتي)، وبدأت العمل عنده، وأستمريت على الدراسة في ثانوية الشعب المسائية في باب الشيخ.
لقد تلقّى الحزب الشيوعي العراقي ضربات موجعة بإعتقال سكرتيره الاول وأعضاء اللجنة المركزية ومكتبها السياسي وقادته وكوادره المتقدمة من قبل فرسان مؤامرة 8 شباط 1963 وزمر الحرس"القومي". وبذلك حرم الحزب من القيادة المباشرة الفذة في نضجها وبسالتها، وبالطبع اصيب العمل الحزبي لفترة ببعض الإرباك.
في بغداد نسبت للعمل الحزبي ضمن لجنة الكفاح التي تشرف على عمل المنظمات والخلايا الحزبية في المنطقة المحصورة بين الباب الشرقي وساحة الطيران إلى باب المعظم (أي شوارع الشيخ عمر والكفاح والجمهورية والرشيد) وكافة المناطق والمحلات فيها.
كان العمل صعبا للغاية، منظمات مضروبة ومشلولة، الشعور بالخوف عند العديد من الرفاق، كتابة البيانات بطابعة قديمة وإستنساخها بالأيدي بواسطة القلم والكاربون والورق، وضعف الإمكانية المالية، أتذكر من أعضاء اللجنة الرفاق: صالح عاشور الذي كان يسكن محلة بني سعيد، سامي الحداد (سهم) من محلة أبو دودو (بفتح حرفي الدال) غني الحاج أحمد نه مه لي (أبو سامان) الذي أصبح فيما بعد مسؤول اللجنة المحلية في محافظة ديالى، وألتحق بالأنصار عائدا من بلغاريا باسم (ملا عزيز) ونزولا لرغبة عائلته وعند بيان العفو الكاذب من الدكتاتور الساقط صدام حسين سلم نفسه وذهب إلى عائلته، ولكن بعد فترة إختفى ولحد الآن، ولم يعرف عن مصيره أي شيء.
عام 1964 بقيت في بغداد حسب طلب الحزب، وإضافة إلى عملي في اللجنة الحزبية المشار إليها سابقا، انيطت بي مهمة صعبة وهي إعادة الصلات مع عدد كبير من الرفاق الذين إنقطعوا عن التنظيم داخل العاصمة بغداد أو المختفين فيها من محافظات ومناطق أخرى، وأشرف على هذا العمل رفيق من مكتب تنظيم بغداد (متب)، كانت المهمة صعبة كما ذكرت لأنني أحمل رسالة من الحزب إلى رفيق لا أعرفه، وأتصل به بناء لكلمة السر المتفق عليها بين متب والرفيق المعني، وبالعكس أحمل رسالة ذلك الرفيق للحزب، أو أرافقه أحيانا إلى بيت حزبي، وبهذا العمل تعرفت بصورة جيدة على مدينة بغداد، كما تعرفت على عدد كبير من الرفاق، وخاصة رفاق من الموصل والمحافظات الأخرى (الفارين من بطش الحرس القومي ودوائر الأمن والإستخبارات العسكرية)، وكنت سعيدا في إداء عملي الحزبي، والأمر الذي ساعدني هو إستقراري في بيت عمتي (جهان) وأسرتها في محلة الدوريين، وهي من المناطق ذات الصبغة القومية والبعثية، وهي منطقة الشقاوات التي تعادي الفكر التقدمي والوطني.
في عام 1965 وفي لقاء مع أحد الرفاق القياديين أبلغني قائلا: أن مهمة حزبية تنتظرك في كوردستان وعليك الذهاب إلى السليمانية وخذ معك هذه الرسالة إلى الرفيق (م).
وصلت السليمانية وسلمت الرسالة إلى الرفيق المعني، وبعد يومين أبلغوني بأنّ المهمة التي تنتظرني قد تأجلت، وقالو: عليك الذهاب إلى دربندخان وعندما نحتاجك نبلغك وتعود إلينا، وفي دربندخان دخلت كعضو في اللجنة القيادية داخل المدينة، وعضوا في لجنة جوتياران التي تقود العمل الحزبي في منطقة وارماوا، وهي منطقة واسعة تشمل دربندخان وبانيخيلان شرقا، وقرى دره دويين وبساكان وسنكاو جنوبا واحمد برنده وعازه بان وقرى من شاره زور شمالا وقره داغ إلى بازيان غربا.
كنت مسؤولاً عن تنظيم الحزب الحزب الشيوعي العراقي في المدينة، وفي أحد الأيام أرسل الرفيق عبدالله ملا فرج القره داغي ( ملا علي ) وهو المسؤول العسكري (آمر السرية العاشرة) والمسؤول الحزبي في منطقة وارماوا ورقة ترحيل العسكري المدعو محمد (رئيس عرفاء) في كتيبة المدفعية (32) المرابطة في دربنديخان.استلمت ورقة الترحيل الخاصة بالعسكري محمد، وبطريقة فنية أستطعت الوصول إليه وألتقيت به، وكان يقظاً وحساساً، ومنذ اللحظة الأولى لإستلامه شككت بأنّه يحمل لنا الشر، ممّا دعاني أن أطلب معلومات إضافية عنه قبل أن أضيفه إلى العسكريين الآخرين في الكتيبة (32) وفوج دربنديخان العسكري.
كان موقع دربنديخان موقعاً إستراتيجياً مهماً نظراً لوجود الجبال العالية وسد دربنديخان وهذا الأمر دفع بالعسكريين المكوث في المدينة، وفي يوم إعتقالي في 7/8/1965 تواجد فيها مقر الكتيبة (32) بأمرة المقدم كمال احمد الراوي، ومقر فوج دربنديخان بأمرة العقيد جميل الشيخلى، ( تمّ أعدام المقدم كمال احمد الراوي، لإتهامه بشبكات التجسس التي أعلن عنها البعثيون أنفسهم، وكان الراوي في الأردن عند جلبه بملابس النوم (البيجامه) وأعدم وعلقوا جثته في ساحة باب الشرقي).
كنّا ننظم أنفسنا في صفوف الثورة الكوردية التحررية الباسلة، وكانت البداية مع السرية العاشرة المقدامة لحزبنا الشيوعي العراقي، وكنا بحاجة ماسة إضافة للأسلحة إلى نواظير وطلقات ومعدات عسكرية مختلفة، وعند مفاتحة رئيس عرفاء محمد العسكري المنقول لنا عن طلباتنا، أبدى إستعداداً على الفور شريطة أن ندفع له اسعاراً رمزية.
في اللقاء الأول حصلنا على بعض اللوازم الضرورية بأسعار رمزية، وتم! الإستلام في دار الرفيق حسين حاجي كريم، وفي 7/8/1965 حمل إلينا رئيس عرفاء محمد وجبة ثانية، وفور وصوله أخبرت الرفيق حسين حاجي كريم وهو عضو لجنتنا الحزبية بنقل الوارد من المواد إلى بيت آخر، وأوصيت الرفيق حسين أن يجلب لي من الرفيق ماموستا غريب حمه سعيد وهو عضو اللجنة أيضا مبلغاً لقاء أثمان الوارد إلينا من العسكري محمد.
خرج الرفيق حسين من داره مع المواد الواردة إلينا، وبعد دقائق معدودة دخلت قوة خليطة من الأمن بقيادة مفوض الأمن غالب وملازم أول من الإستخبارات العسكرية ومختار المدينة المدعو الشيخ محمد الملا قادر البانيخيلاني المتعاون مع الأمن والإستخبارات وهو (والد الشهيد نجيب ((كوران)) وأخ الرفيق أبو سرباز، وعلى الفور قام الضابط بضرب العسكري رئيس عرفاء محمد أمامي وأمر زمرته بأخذه إلى الكتيبة ميتاً، وفي الحال وجّه الضابط العسكري لي سؤالاً وقال : ماذا دار بينكم ؟، ماذا كنتم تخططون ؟
لم أرد على جواب الضابط، وعلمت بأن المنقول إلى تنظيمنا وفق ورقة الترحيل، ما هو إلا عنصر مندس إستطاع إختراق تنظيم حزبنا في منطقة أخرى، وكرر الضابط سؤاله مع الضرب على رأسي، وقلت له بكل هدوء كنت أسير خارج البيت وواجهت هذا العسكري الذي أرسلته مع جنودك إلى مقر الكتيبة وقال أريد أشتري طماطة وبامية وخضراوات من بستان السيد حسين الحاج كريم وطلب مني أن أساعده في الترجمة.
قال الضابط :بسيطة، بسيطة، أين اللوازم العسكرية التي جلبها رئيس العرفاء محمد ؟ وهنا أمر جنوده القيام بالتحري والبحث وشاركهم المختار أيضاً، ولكنهم أصيبوا بخيبة أمل إذ لم يجدوا شيئاً في الدار، وأصيب الضابط بهيستيريا وهو يضربني ويصرخ في وجهي ويقول في كل مرة أين اللوازم العسكرية ؟، المفروض أن أعيدها لمقر القيادة، ( علمت أنّهم وضعوا ضمن مسرحيتهم الساذجة الصبيانية خطة لإعتقالي والإعتراف بكل شيء والإستسلام لهم ).
ج3
إنشق عزيز الحاج عن الحزب الشيوعي العراقي، وسار كل الرفاق في لجنتنا مع خط عزيز الحاج في البداية.
في عام 1966 بدأت حكومة عبدالرحمن البزاز في عهد عبدالرحمن عارف مفاوضات مع الحركة الكوردية التحررية، وعن هذه المفاوضات صدرت قرارات بإعطاء الكورد بعض الحقوق، وهي ما سميت بـ (اللامركزي).لم يتصور الضابط نقل المواد بهذه السرعة إلى منطقة أخرى، بل كان يتصوّر بأنه يلقي القبض عليّ وعلى المواد بسهولة، ولمّا لم يحصل على شيء ضربني بكل قوته، وأمر جنوده بضربي وأن يأخذوني إلى سيارتهم، وعند خروجي من البيت وأمام أنظار المواطنين قام الجنود بربطي وتوثيق جميع الأطراف من حبال حمام الحاج طالب كوكسي الخاصة لنشر الملابس القريب من البيت الحزبي لسوء حظي، وبدأوا بسحلي إلى السيارة الواقفة أمام جامع دربنديخان، وهي من نوع زيل، وعند الوصول إلى السيارة رموني إلى داخلها ليلامس وجهي حرارة الحديد وأنا لا أستطيع رفع وجهي بسبب الربط المحكم لجميع أجزاء جسمي.
عند الوصول أدخلوني غرفة القائد بناءً عل طلبه، وقال لي تعرفني أم لا؟
قلت : ليس المهم أن أعرفك، أو لا أعرفك، وإنّما المهم أن أعرف لماذا اعتقلتموني !!.
ضحك ""القائد"" وقال : أنا المقدم كمال أحمد الراوي آمر كتيبة (32) المدرعة في الجيش العراقي، وسوف أطلق سراحك فوراً إذا ساعدتنا في التحقيق، ولم يتوقف وسأل من هم أعضاء التنظيم الحزبي في المدينة؟، أقصد تنظيمات الحزب الشيوعي العراقي، ومن هم أعضاء التنظيم العسكري هنا في دربنديخان ؟، وبمن تتصل؟ من هو مسؤولك الحزبي، ماهي مهام قوتكم العسكرية في " حركة التمرد للأكراد " ؟ ما هي نشاطات السرية العاشرة ؟ وأسئلة كثيرة ؟.
قلت : لا أدري كيف أجيب، أنا كنت عابر سبيل، وأنت تسألني عن تنظيمات الحزب الشيوعي العراقي، ليست لدي معلومات، ولا أدري ما هي السرية العاشرة.
هاج المقدم كمال احمد الراوي كالثور، ونهض من مكانه ولكنه قال بـ " لطف " : سأطلق سراحك إذا قلت بأن ( صاحبة البيت تنظم دارا للبغاء )، وهنا إنفعلت وصرخت في وجهه الكالح وقلت : أتدري من هي الباغية والزانية التي تبيع جسدها وتنظم دور البغاء يا كمال الراوي ؟
هاج مرة أخرى وقال بعنف : من هي ؟ قلت بكل صراحة : هي زوجتك، زوجات الضباط الذين يأتون إلى كوردستان لقتل شعب آمن، ويتركون زوجاتهم إلى ضباط آخرين.
لم يتمالك المقدم العروبي كمال الراوي نفسه، وهاجمني بمسدسه وضربني عدة ضربات وسال الدم من رأسي، ونادى على زمرته، وأمرهم قائلاً : خذوه إلى رئيس عرفاء محمد وأقتلوه، لا أريد رؤيته. قام جنود العروبي كمال الراوي بتعليقي على فوهة دبابة للجيش العراقي، وهم يضربونني بقيادة الخبيث رئيس عرفاء محمد، لذا أطلق الناس على إعتقالي ( حادثة الدبابة ). ربطوا يدي بسيارة عسكرية، ورجلي بسيارة أخرى، وكل واحدة منها تسير بإتجاه معاكس، وقد علمت أنهم يحاولون ترهيبي بكل الوسائل الدنيئة من ضرب بالعصا، وكوي جسمي بالسكائر، إذ كانوا يتركون السكائر على ظهري تارة، وعلى صدري تارة أخرى ( خوش منفضة )، (أصبحت أراضي معسكر الكتيبة (32) حاليا حدائق وبيوت وعمارات، وهي في قلب مدينة دربندخان. بعد عدة أيام من التعذيب الوحشي نقلت إلى أمن دربنديخان، وبعد أسبوع أرسلوني بسيارة زيل عسكرية وبرفقة رتل من العجلات ( قافلة ) من دربنديخان إلى جلولاء، وهناك تمّ إيداعي في سجن الثكنة الحجرية، وعند دخولي رأيت أعداد كثيرة من الكورد وأكثرهم (عرف) من مدينتي خانقين، وكانوا شيوعيين وبارتيين، وكان السجن رهيباً جداً، وفي داخله ركامات من القذارة والأوساخ.
بعد شهر نقلت إلى سجن معسكر سعد في بعقوبة، ومن هناك إلى سجن السراي في بغداد، وقضيت فيه اسبوع يساوي سنة من شدة الروائح الكريهة والمياه الآسنة والقاذورات والقمل، وبعد أسبوع نقلت إلى سجن السليمانية الذي يعتبر ( جنة ) قياساً للسجون التي قضيت فيها أياماً منذ إعتقالي. في السليمانية أخبروني بأنني سأحاكم في المحكمة العسكرية الطارئة التي تحكم بالإعدام إذا حصلت على دليل بالتعاون مع الأحزاب العراقية والكوردية التي تناهض الحكومة، ولكن في عام 1966 بدأت حكومة عبدالرحمن البزاز في عهد عبدالرحمن عارف مفاوضات مع الحركة الكوردية التحررية، وعن هذه المفاوضات صدرت قرارات بإعطاء الكورد بعض الحقوق، وهي ما سميت بـ (اللامركزي)، وكانت عونا لي إذ تأجلت المحاكمة أمام الهيئات العسكرية عدة مرات، وفي تشرين الأول (اكتوبر) من نفس العام أطلق سراحي بكفالة.
عدت إلى بغداد وأصبحت عضوا في لجنة الطلاب (الثانويات) وتكونت من الرفاق: فيّاض موزان، علي حسين، لطيف شاكر، أحمد رجب، طاهرالشيخ محمد، كفاح، مسرور ورفيقين آخرين نسيت اسميهما، وبقيت أعمل ضمن هذه اللجنة، وقمنا بمظاهرات عديدة وندافع عن حقوق الطلبة، وفي 17/9/1967 إنشق عزيز الحاج عن الحزب الشيوعي العراقي، وسار كل الرفاق في لجنتنا مع خط عزيز الحاج في البداية، وبقيت الوحيد مع الحزب، وقد تعرضت إلى مشاكل عديدة لكي أسلم التنظيم الموجود عندي لهم، ولكن خابت آمالهم، وبعد فترة ظهرت حقيقة المنشقين، فبدا الرفاق يعودون وأولهم الرفيق مسرور ومن ثمّ علي حسين وكفاح، وبقي عدد منهم مع عزيز الحاج وأصبح فيّاض موزان مسؤولا عن خط ""الكفاح المسلح"" وبعد عودة البعثيين إلى حكم العراق استطاعوا القبض على عزيز الحاج وفياض موزان وآخرين وكانت نهاية مخزية ساهمت هي الأخرى في إضعاف دور الحزب.
في نهاية عام 1967 توجهت إلى الكوفة، وعملت مع المقاول الصديق سعيد فرج في مشروع ماء النجف الجديد، ونصب تانكي الماء العملاق في (جري سعدة) بالكوفة، وحي كندة بالنجف، وحزبيا أصبحت عضوا في لجنة النجف، ومن أعضائها الرفاق: شريف (مختار) وعدنان الأعسم، وأحمد رجب، ومحمد (معن جواد) وحسين علوان ومحمد الحكيم إن كنت على صواب، وكان سكرتير اللجنة، ومن بعده الرفاق: فراس الحمداني (أبوسمير) وعدنان عباس (أبو فارس) وقد أشرف ولمرات عديدة الرفيق جاسم الحلوائي (أبو شروق) على أمور اللجنة. كانت منظمات الحزب مضروبه، الأمر الذي أدّى إلى شلل النشاط الحزبي، وأصبحت سكرتير لجنة الحزب في الكوفة، ومن أعضائها الرفاق: علاء السلامي (أخ الشهيد ظافر السلامي) ومهدي الخياط، وأبو عماد، وبعد فترة قصيرة على ترشيحه ونظرا لشجاعته وإلتزامه تم رفع الرفيق محمد حسين الحداد العامل في شركة الأحذية الشعبية في الكوفة إلى اللجنة، وهنا أتذكر أن الرفيق مهدي قدم إستقالته من الحزب لأنّه عارض رفع الرفيق المذكور إلى اللجنة، علما أنه جاء عن طريق مهدي إلى الحزب، وفي الكوفة زادت صلاتنا وإتصالاتنا مع القرى والأرياف والنواحي كعلوة الفحل (البو حداري) والسادات والمويهي والعباسية وغيرها، وقمنا بدفع العمال إلى الإضراب مطالبين بحقوقهم، الأمر الذي دوّخ القائمقام المدعو سعاد الطالباني والبعثيين ونقاباتهم الصفراء التي ترأسها شخص لا أتذكر أسمه من (عائلة الشرقي) الذي زعم بأنّه يحرق منظم الإضراب ومنظمة الحزب في المدينة، وقد هدد وعربد وثرثر كثيرا، لكنه رجع بخفي حنين، وقد كتبت الجريدة المركزية للحزب الشيوعي العراقي طريق الشعب أخبار تلك الفعالية التي كانت ثمرة التعاون الأخوي بين العمال، ولا بد أن نذكر من العمال المساهمين في تنظيم الإضراب: كريم عباس (مهندس فيما بعد خريج جامعة البصرة) ورحيم عباس، وهادي رطّان ومحسن كاظم.
ج4
خصوم الشيوعيين وحزبهم المجيد كانوا شرسين، ومجرّدين من القيم الإنسانية والأخلاق، وقد وفّرت لهم الحكومات الرجعية والدكتاتورية أرضية خصبة لمعاداتنا.
في كربلاء أصبحت عضو اللجنة الحزبية ومسؤولا عن الطلبة مع الرفاق.
إنقطعت أخبارنا عن الحزب والأهل، وعاش كل واحد من عندنا في زنزانة صغيرة.س 3 : من شيم الاوفياء لمبادئهم هوالاصرار على المضي في درب النضال، رغم ترويع الخصم لهم بانتهاء آدمية الآخر في سبيل فرض العقيدة الفاشية ، بينهم مساحات متباعدة من التقاطع الفكري ، وكانت اشدها فترة سيطرة أزلام الحرس على الشارع السياسي العراقي، ماذا تتذكر من جرائم وانتهاك تلك الاجهزة القمعية بحق الشخصيات الوطنية العراقية؟هذا السؤال يعود بي إلى الأيام الأولى من إنتمائي لحزب العمال والكادحين العراقيين، أيام الشباب المتحمس للعمل في صفوف الحزب الشيوعي العراقي، أيام التصدي لأعداء الحزب، ومعرفة هؤلاء الأعداء، ويمكن للمرء أن يطلق عليهم صفة الخصم، فخصوم الشيوعيين وحزبهم المجيد كانوا شرسين، ومجرّدين من القيم الإنسانية والأخلاق، وقد وفّرت لهم الحكومات الرجعية والدكتاتورية أرضية خصبة لمعاداتنا، وقد أرادوا فرض آرائهم وتصرفاتهم الحمقاء علينا، ودفاعا عن الوطن والشعب والحزب قدّم حزبنا تضحيات جسام، وشهداء على طريق الحرية، فالخصوم سلكوا كل الطرق الجبانة، وردّدوا شعارات برّاقة لترويعنا، إلا أن إرادة الشيوعيين كانت هي الأقوى.
انّ الأعداء يعلمون قبل الأصدقاء بأنّ الإرهاب قد إشتّد في فترات معّينة ليصل حد الهجوم الضاري والحملات الوحشية المنظّمة الواسعة كما حدث في عام 1963 بعد المؤامرة القذرة إذ تمّ تنصيب المشانق، وبدأت حملة هيستيرية وجرت إعتقالات واسعة، ودفع المتآمرون بالألوف إلى أقبية دوائر الأمن وزنزانات التعذيب، وإلى السجون المختلفة، حيث حوّلوا ساحات الملاعب والمعسكرات والمدارس والنوادي إلى معتقلات يحشر فيها المعتقلون بالألوف من وطنيين وشيوعيين، وقد أعدم أو استشهد من قادة حزبنا الشيوعي العراقي وأعضائه تحت أعواد المشانق، أو تحت التعذيب أو دفنوا أحياء أو رموا بالرصاص الكثيرون، وأمضى الألوف منهم أعواما طويلة من زهرة شبابهم في السجون.
انّ الشيوعيين العراقيين ناضلوا من أجل تذليل العقبات التي أوجدها خصومهم، وشنّوا النضال بمختلف الأساليب، وفي مقدمتها النضال الفكري الذي إتّسم دائما بأهمية كبيرة في كفاح الحزب من أجل تحقيق مهماته، وقد إزدادت أهمية هذا النضال في المنعطفات السياسية الحادة التي تثير عادة جملة من الآراء والإتجاهات المتباينة، أو المتضاربة أحيانا بشأن المستجدات وإتجاهات تطورها.
انّ جرائم الحكومات الرجعية بحق الوطنيين عامة والشيوعيين خاصة كثيرة، ولكن هذه الجرائم إشتدت منذ قيام الردة في مؤامرة 8 شباط 1963، ففي الظروف القاسية التي مرّت على البلاد، أقدم الرجعيون والدكتاتوريون على إغتيال الشيوعيين في الشوارع أو في بيوتهم أو في السجون والمعتقلات وفي طليعتهم سكرتير الحزب فهد وأعضاء المكتب السياسي صارم وحازم، وفي 1963 والسنوات اللاحقة: سكرتير الحزب سلام عادل وأعضاء المكتب السياسي وقادة الحزب الأماجد جمال الحيدري، محمد صالح العبلي، عبدالجبار وهبي (أبو سعيد)، محمد حسين أبو العيس، وجورج تلو، نافع يونس، معروف برزنجي، ستار خضير، عبدالأمير عباس، عادل سليم، علي برزنجي، مجيد حسن، عبدالرحمن صالح خله، فكرت جاويد، حسن شيخ شكر، بكر نه مه لي، حسين محمد سعيد، رؤوف حاجي قادر ، مهدي حميد، محمد صالح العبلي، عبدالرحيم شريف، وجلال الأوقاتي والعدد في تصاعد كلما ضغطنا على الذاكرة، والقائمة تطول ولا تنتهي.
وهنا يجب التذكير بشهداء الحزب في الكفاخ المسلح ضد الطغمة الدموية الـتي حكمت العراق قرابة (45) سنة، والشهداء كما قلت يحتاجون إلى سجل قد يستغرق تدوينه أياما وأشهرا، إن لم أقل سنوات ومن هؤلاء: حمه كوله بال، خدر كاكل، رسول سور، معتصم عبدالكريم، هه زار مام همزه، مجيد دوكاني، سه رباز ملا أحمد، سلام سوله يى، كامران احمد، محمد عبدالجبار، رؤوف حاجي محمد، نجيب شيخ محمد، هيمن توفيق، شوان حمه قتوو، حمه عزيز، بارام هه ورامي، علي حاجي نادر، أبو فؤاد، أبو قيس، جمال راوندوزي، مام كاويس، كاظم وروار، علي كلاشنكوف، احمد حه ساري، ماجد مام علي، أبو فيان، احمد بازوكا، انور حسن، سنكر، الملازم أبو يسار، ملا عثمان، عبدالرحمن لاله، ياسين حاجي قادر وبايز سيد باقي وآخرين بالمئات والألوف.
أمّا عن الشق الثاني من سؤالكم: جرائم وانتهاك تلك الاجهزة القمعية بحق الشخصيات الوطنية العراقية.
أن الجرائم كثيرة ومتشعبة فالشعب العراقي عاش في ظروف قاسية من ملاحقات بوليسية وإعتقالات بالجملة وقتل بالآلاف حتى وصل الأمر بالطاغية صدام حسين أن يقتل أعضاء حزبه المهزوم بصورة علنية وفي لقاء عام (عرس واويه) وكان ضمن تلك الزمرة أعضاء قيادة البعث ومنهم: عدنان الحمداني، محمد عائش، محي مشهداني، وفاضل بدن وعدد كبير من ""كادر صدام حسين المتقدم"".
بالنسبة للشعب الكوردي يتذكر عمليات الأنفال السيئة الصيت التي شنّها النظام الدكتاتوري في 22 شباط 1988 ضد الناس العزل والقرى والقصبات الآمنة، وعلى مقرات الأحزاب الكوردستانية والأحزاب العراقية الوطنية في ـ سركلو وبركلو وياخسمر وجوخماخ وجالاوا ومنطقة دولي جافايتي في السليمانية، حيث أراد العدو الجبان من هذه العمليات النتنة، وهي الأولى في سلسلة الأنفالات إذلال الشعب الكوردي، والقضاء على معنوياته ومن ثمّ سحقه وإبادته.
لقد تعرّض الشعب الكوردي منذ سنوات طويلة إلى حملة إبادة جماعية، وحرب شوفينية حقيقية، وهي من الجرائم البشعة التي تنتهك قواعد القانون الدولي، لأنّها ترتكب بهدف القضاء على مجموعة قومية أو أثنية أو عرقية أو دينية، وتنطلق خلفيّتها من الموقف الشوفيني إزاء حق الشعب الكوردي في ممارسة حقوقه القومية العادلة والمشروعة، وقد تصاعدت حملات الإبادة الجماعية، والحرب العنصرية الشوفينية منذ نيسان 1987 متمثلة في الحملات العسكرية التي شنّتها قطعات الجيش العراقي المنحل وأفواج الجحوش المرتزقة في سبيل تهجير وتدمير آلاف القرى، وتشريد عشرات الألوف من المواطنين المسالمين، وإزهاق أرواح الآلاف منهم سعياً إلى إخلاء كوردستان من سكانها، ومحو الوجود القومي الكوردي.
يتذكر الشعب الكوردي بأنّ الطغمة الفاشية قد إستخدمت منذ ربيع عام 1987 الأسلحة الكيمياوية ضد الكورد والحركة الوطنية التحررية الكوردية في كوردستان، في إطار حربها الشوفينيةالقذرة.
و استمّر النظام الشوفيني في إستخدام هذه الأسلحة الفتاكة بصورة متزايدة في أرجاء كوردستان، من مناطق كركوك إلى قرى دهوك، وخصوصاً في بلدة كاني ماسي، ودولي جافايتي، وسيوسينان وقرى قرداغ، وشارزور وآغجلر وكوب تبة وعسكر وجه مى ريزان وحلبجة في السليمانية، وباليسان وقرية شيخ وسان وشقلاوة ودولي سماقولي ودشتي كويه في أربيل في شهر آيار 1987، وفي كل هذه الحالات كان الضحايا من أبناء الشعب الكوردستاني المدنيين الأبرياء ومن منتسبي واعضاء الأحزاب والقوى الوطنية المعارضة الذين كانوا يناضلون ضد الطغمة الفاشية. ان جميع العراقيين الشرفاء يتذكرون الجريمة النكراء في حلبجة وضربها بالسلاح الكيمياوي في ربيع 1988، حيث أودت الغازات السامة وبالأخص غاز السيانيد بحياة خمسة آلاف مواطن معظمهم من النساء والأطفال والشيوخ، وأدت إلى جرح عدد أكبر وتشريد أكثر من ثمانين ألف آخرين إلى دول الجوار، لكي يبدأوا رحلة شاقة وحياة صعبة، وتنتصب اليوم أطلال مدينة حلبجة شاهداً على الوحشية التي لم يسبق لها مثيل في التاريخ المعاصر. وفي عمليات الأنفال الإجرامية استطاعت القوات المسلحة في الجيش العراقي المنحل هدم منازل الفلاحين وتسويتها مع الأرض وسرقة ممتلكاتهم وحرق القرى التي وصل عددها إلى أكثر من أربعة آلاف قرية، وإعتقال السكان جميعاً بما فيهم الأطفال والنساء والشيوخ، الأمر الذي أدى إلى تشريد آلاف العوائل، وترك قراهم وهجر أراضيهم، كما تمكنت هذه القوات من أسر عدد كبير من الذين حاولوا الهرب.
ان القيام بعمليات الأنفال واستخدام الأسلحة الكيمياوية ضد جماهير الشعب الكوردي وقواه السياسية المعارضة لم يكن، سوى أمتداداً للنهج الإرهابي الفاشي الذي مارسته الدكتاتورية الحاكمة في البلاد ضد الشعب العراقي وقواه الوطنية والديموقراطية، وللسياسة الهمجية التي طبقتها ضد الشعب الكوردستاني منذ سنين طويلة، وهما النهج والسياسة اللذان تفاقما في سنوات الحرب وفي ظل أجوائها. إنّ لجوء حكام بغداد العنصريين إلى هذه الأسلحة المدانة والمحرمة دولياً في محاربة شعبنا وأحزابه الوطنية، وانفلات الطابع السافر للإرهاب، ونتائجه المدمرة، انما يدل على عجزهم المتزايد عن قمع كفاح شعبنا المتنامي بوسائل البطش الدموية الأخرى المتاحة لهم، والتي استخدموها ويستخدمونها على أوسع نطاق.
لقد استطاع النظام أن يسيطر عسكرياًعلى القرى المتبقية في كوردستان، ويلحق أضراراً بحركة الأنصار المسلحة، ولكنه أصيب بهزيمة سياسية لم يشهد لها مثيل، وهبطت سمعته الدولية إلى الحضيض.
س4 : من بديهيات العيش ومتطلبات الحياة ، البحث عن العمل أو الوظيفة لتكوين الأسرة ومن ثم تأمين معيشتهم في ظل تلك الاجواء المكهربة بذبذبات البعث القاتلة لطموح العراقي الحالم في ظل وجود وطن حر وشعب سعيد، ماهي المراحل الصعبة التي استطعت اجتيازها في عملك الوظيفي الى جانب ادائك للعمل التنظيمي والحزبي في نهاية الستينيات الى منتصف السبيعنيات .
بعد خروجي من السجن رجعت إلى بغداد، وعملت عند صديقي المقاول سعيد فرج، إلى أن ذهبت إلى الكوفة نهاية الستينات.كنت في الكوفة مسؤولا حزبيا وفي نفس الوقت عضوا في لجنة النجف القيادية، وبالإضافة إلى العمل الحزبي كنت وكيلا للصديق المقاول سعيد فرج، كنت أنا مختفيا ولكن أعمل في العلن، وكان سعيد فرج مطلوبا من عدة جهات، فهو الآخر كان مختفيا لإتهامه بإغتيال شخص قتل أخاه الشيوعي حسين أمام إحدى الإعداديات في السليمانية في الستينات، كنّا (أنا وسعيد) نحمل بصورة دائمة مسدس، ويحمل كل واحد من عندنا مسدسه بصورة فنية (يقظة منا)، لا (خوفا) لكي لا ننكشف، وقررت الزواج من أحدى قريباتي، ولكن في تلك الأيام إغتالت الشرطة العراقية في محلة البتاوين ببغداد حسن فرج، وهوالأخ الأصغر لسعيد فرج.كان حسن يمشي في ساحة الطيران، وفي دكان حلاقة مقابل كنيسة الأرمن، يرى القاتل الثاني لأخيه الشيوعي حسين، وفي الحال وبدون تردد يخرج مسدسه ( لأنّه يحمل مسدسا أيضا) ويقتل الجاني القاتل لأخيه في السليمانية، وإثر الإطلاقات تتدخل شرطة النجدة فتلاحق حسن إلى داخل محلة البتاوين، وعند المقاومة مع القوة المهاجمة يسقط حسن شهيدا ليلتحق بأخيه الشهيد حسين.لم نتوقع أن تحدث هذه الحالة الأليمة وبالذات في هذا الوقت، شاب قوي، ورفيق درب، يقتل في وضح النهار، وبالنسبة لي أخرت قرار الزواج إلى إشعار آخر، لأننا (أنا وسعيد) أصبحنا أمام واقع مرير، وهو مطلوب أساسا من الحكومة ومن جهات أخرى، ويعمل باسمه الصريح، وأنا بلا هوية ولا مستلزمات الحياة، وبعد مرور أشهر شجعني سعيد من الزواج، وذهبت إلى النجف وأشتريت مستلزمات الحياة الجديدة، وبعلم الرفيق عدنان عباس (مسؤولي الحزبي) وعن طريق الرفيق محمد حسين الحداد حصلت على هوية موظف في معمل الأحذية الشعبية في الكوفة، وقد {زاد الخير}إذ حصلت على هوية ثانية (هوية معلم) بواسطة رفاق الحزب، وسافرت إلى خانقين، ووسط إحتفال ضم الأهل والأصدقاء تمّ زواجي من شريكة حياتي الحالية.سافرت والعروسة وبمصاحبة عدد من الأهل والأقارب من النفطخانة في خانقين إلى بغداد، وذلك في 25/5/1969 وبعد أسبوع سافرنا نحن الإثنين إلى الكوفة لنسكن في محلة السراي بالقرب من بيت الحكيم. قرّر الحزب المشاركة في تظاهرة دعما للفلسطينيين وضد إسرائيل وحرب الأيام الستة، او نكسة العرب في 1967، هذه الحرب التي إندلعت في (5) حزيران، وأنتهت بإستيلاء إسرائيل على غزة والجولان وغيرها، وكان قرار الحزب أن أشارك كمراقب فقط، أي لا أدخل المظاهرة، وانطلقت التظاهرة في علوة المخّضر في النجف متوجهة إلى شارع الصادق والدوران حول مرقد الإمام علي فالعمارة والمشراق والعودة إلى الفلكة على نهاية شارع الصادق. عند إنطلاق التظاهرة سار الرفيق عدنان عباس ( أبو فارس) على الجهة اليسرى، وأنا على الجهة اليمنى، وعند وصولنا إلى باب بداية شارع الصادق أسكت الأمن وجواسيس السلطة الرفيق شريف (مختار) وألتفوا حوله لكي لا يردد شعارات الحزب، فلمّا رأيت المشهد قفزت من الرصيف ودخلت المظاهرة ورددت شعارات الحزب، وأخذت زمام الأمور، ولمّا علم الرفاق أرسلوا أحد الرفاق كي أخرج حالا من المظاهرة والإختفاء عن الأنظار، لأن أزلام السلطة ينوون إعتقالي وهم يحاولون إيجاد مشكلة، وبعد الإنذار الحزبي خرجت بسرعة البرق من المظاهرة ودخلت دكان مرطبات، وطلبت ماعون (دوندرمة مع الفالودة) وبعد إستراحة قصيرة قفلت راجعا إلى البيت في الكوفة، وبعد ساعتين وصل الرفيق محمد حسين الحداد للإطمئنان على عودتي بسلام وإخبار الرفاق بذلك. بدأ الأمن يراقبني من خروجي من البيت ودخولي العمل في مشروع ماء النجف الجديد في الكوفة، إذ لاحظت بنفسي شرطي الأمن المدعو فاضل السهلاني (فاضل أبو خشم) أنفه كان كالمنقار وهو من قرية السهلة القريبة من الكوفة، شاهدته يتلصص، الأمر الذي دفعني أن أصارحه بالقول: فاضل، لماذا تراقبني؟ إختلق فاضل حكاية سخيفة حيث قال لي: أنت يا أحمد شيوعي وتسب آل الحكيم، ونحن لا نقبل منك هذا التصرف!!.قلت له: كذاب يا فاضل، لم أشتم أحدا، وإذا استمريت بالنفاق والمراقبة تخسر، وروح (إذهب) بلغ زمرتك بكل شيء يا حقير يا نذل. بعد أيام جلست في المقهى المشرف على فلكة حبيب الرعاش بالكوفة، وكان الرفيق محسن جالسا معي، شاهدت مفرزة من الأمن متوجهة إلى المقهى، وفي الحال قلت : إسرع وإذهب يا محسن فالأوغاد قدموا، وذهب محسن وجاءت المفرزة وسألوني عن إسمي، فقلت لهم لا حاجة للاسم، وأنتم تعرفون اسمي، ولنذهب!!، وقالوا إلى أين؟ قلت إلى مديرية أمن الكوفة.
قمت من مكاني ووسط دهشتهم سرت بإتجاه الأمن، وصلنا الأمن، وقابلني معاون أمن وسألني عن الاسم. اخبرته وقلت له أنت تعرف اسمي وجماعتك يعرفون اسمي، واستغرب تسألون عن اسمي، وقلت لهم لا أجيب عن أي سؤال يوجه لي، إلى أن يأتي رفيق من رفاقنا في العلاقات مع البعث. حاول المعاون إستباق الوقت، ولكني خيبت ظنه، (كانت بيننا وحزب البعث مفاوضات حول ""جبهة وطنية"".
عندما تركني الرفيق محسن، ذهب إلى رفيق من رفاق المدينة وأبلغه بأن الأوغاد إقتادوا الرفيق (ابو وثّاب) إلى مديرية الأمن، وأبو وثاب، اسم من اسمائي المتعددة.
خرجت من الأمن برفقة رفيق العلاقات، وفي اليوم الثاني وفي لقاء المنظمة، أبلغوني بالسفر إلى كربلاء للإبتعاد عن الإشكالات لهؤلاء الأوغاد.
بعت مستلزمات الحياة الجديدة بسعر رخيص وسط حسرة زوجتي، وفي اليوم الثاني وقفت سيارة بيك آب أمام البيت مع الرفيق فاضل جريو، وركبنا السيارة، وبعد نزول فاضل جريو في النجف، إستمرت السيارة في سيرها إلى كربلاء, وصلنا كربلاء وقلت لزوجتي: إدخلي مرقد العباس واجلسي إلى أن أجد الرفاق والبيت المخصص لنا وسوف أعود قريبا، وبعد ساعات مضنية وجدت الرفاق، وذهبت وجلبت زوجتي لندخل بيت كبير من (6) غرف في محلة العباسيين خلف المحافظة والقريب من دائرة الري، وفي كربلاء أصبحت عضو اللجنة الحزبية ومسؤولا عن الطلبة مع الرفاق، زكي مسؤول المعلمين، والرفيق أبو العباس مسؤول العمالية، والرفيق مصلح الراديوات (نسيت اسمه الحقيقي، واسمه الحزبي - ث) مسؤول الفلاحية، وكان الرفيق فراس الحمداني (أبو سمير) مسؤول اللجنة.
عملت عند الأستاذ المهندس والشخصية الوطنية حكمت محمد الفرحان في مبازل كربلاء كمقاول، ولكنني خسرت ولم أربح، لعدم معرفتي بقضايا البزل.
في شباط 1970 سمعت من الحزب بوجود مفاوضات بين السلطة والحزب الديموقراطي الكوردستاني، وبموافقة الحزب عدت مع زوجتي إلى السليمانية، ومن ثمّ إلى دربندخان، وفي يوم وصولي أصبحت عضوا في اللجنة القيادية وفيما بعد مسؤولا عنها، ووجدت عملا في دائرة ري دربندخان/ مشروع حماية الجانب الأيسر من السد/ مقاولة رقم (6).
في 11 آذار/مارس 1970 صدر بيان 11 آذار التاريخي، وفي نفس الليلة نظمنا مظاهرة كبيرة تأييدا للإتفاقية، وردد بعض رفاقنا شعارات براقة، وعند صدور البيان لم تكن للحزب الديموقراطي الكوردستاني تنظيم حزبي، وبموافقة مكتب محلية السليمانية (ملمس) شكلنا لهم تنظيم حزبي، ريثما يتمكنون من إيجاد قاعدة لهم، وهذا العمل عاد سلبا على حزبنا، والمجال هنا لا يساعدنا في الخوض فيه.
في بداية عام 1971 طلب الحزب مني الحصول على إجازة سوق، وقد حصلت على الإجازة بمساعدة المعارف فورا، ومن دون معرفة مسؤولي الحزبي إلتقى بي رفيق قيادي طالبا مني التوجه إلى كركوك للقيام بمهمة حزبية.
وصلت كركوك في أجواء مشحونة وأخبار غير سارة من العاصمة بغداد إذ استطاع أفراد الأمن والمخابرات العراقية إلقاء القبض على الرفيق توفيق احمد عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي، ورغم جسارته وشجاعته المعروفة للجميع لم يقاوم الأشرار وأفشى أسرار حزبية خطرة من ضمنها بيوت حزبية ومطابع وسيارات ورفاق، وكانت لهذه الضربة والخسارة الفادحة أثرا كبيرا على مجريات الأمور، ومنها إفشال مهمتي المزمع إستلامها من الحزب.
في 4/6/1971 وفي ساعات الظهيرة الحارة طوّق أوغاد البعث وجواسيسه من الأمن والشرطة والإستخبارات العسكرية بيت أختي الشيوعية الباسلة فوزية رجب حيث أسكن، وتم كبس البيت وإعتقال زوج أختي وأبن عمتي الشيوعي حسين نادر، وأبن أختي علي، والرفيق علي برزنجي عضو اللجنة المركزية، والإستيلاء على سيارة حزبية (شفروليت 58) مع مطبعة جديدة (زنكغراف)، وتم إعتقال مام عزيز وهو والد الشهيد بروا والسجين السياسي لمدة (14) سنة الرفيق بولا عزيز وإعتقال السائق الذي أراد نقل المطبعة من كركوك بإتجاه داربه سه ر في قضاء كويه، وعلى الفور تم إرسالنا إلى قصر النهاية (قصر الرحاب) في بغداد، ومنذ وصولنا تم تفريقنا ليدخل كل واحد منّا غرفة من غرف التعذيب البشعة بإشراف المجرم ناظم كزار، حيث الصوندات المطّعمة بالأسلاك والخيزرانات (عصا من نوع جيد) وأدوات القلع والقرض مع المراوح المخصصة لتعليق السجناء مع كل شيء سيء كالبعثيين وأزلام الأمن والشرطة.
إنقطعت أخبارنا عن الحزب والأهل، وعاش كل واحد من عندنا في زنزانة صغيرة كقن الدجاج، وكان أفراد الأمن على أهبة الإستعداد لضربنا عندما كانوا يفتحون الأبواب والخروج للمرافق وشرب الماء من الحنفيات وفي عز الحر في بغداد، وبيد كل واحد منهم صوندة وهم يصرخون ويستخدمون كلمة (منهي، منهي) وإذا تأخر واحد منّا فالصوندات تشتغل عليه، وفي أواخر شهر أيلول بدأت الحوارات والتقارب بين الشيوعي العراقي والبعث الحاكم من أجل ""جبهة وطنية"" وكان من شروط حزبنا تمهيدا للجبهة إطلاق سراح المعتقلين الشيوعيين والسياسيين، فتمّ إطلاق سراحي مع أبن عمتي، وعلمنا بأنهم أطلقوا سراح علي ومام عزيز والسائق قبلنا، وأما الرفيق علي برزنجي (أبو كلارا) إنقطعت أخباره وعلمنا فيما بعد بأنّه استشهد تحت التعذيب وبصفته مسؤولا عن بريد الداخل والخارج وإيصال الرسائل والأدبيات إمتاز بعزيمة بطولية لم يستفد منه المجرم ناظم كزار وزبانيته.
ج5
إثر هزيمة الخامس من حزيران 1967 تزعزعت ثقة الجماهير في مختلف البلدان العربية بالقيادات البرجوازية الصغيرة.
حاول حزب البعث منذ بداية مجيئه محاصرة الحركة الجماهيرية والحيلولة دون نمو تأثيرها على سير البلاد اللاحق
كان حزبنا الشيوعي منذ البداية يقدر الأهمية الكبيرة لإنضمام الحزب الديموقراطي الكوردستاني (حدك) إلى الجبهة بما يمثله من ثقل سياسي وعسكري في ذلك الوقت.
بعد العودة إلى كوردستان، وفي السليمانية حصلت على عمل في المؤسسة العامة للتصميم والإنشاء الصناعي، هذه المؤسسة راقبت وأشرفت على أعمال المؤسسة العامة للمواد الغذائية/ إنجاز معمل سكر السليمانية، والجهة المنفذة شركة كوفي وشركة سادي الإسبانيتين.
كانت الشركتان محتالتين وتهضم حقوق العمال، وكانت النقابات تستخدم لغة التهديد والوعيد مع العمال لأنّ مسؤوليها يحصلون على الحلاوة (الرشوة) من الشركتين، وفي أحد الأيام أصطحبت الأخ رحيم كرمياني رئيس النقابة في معمل سكر السليمانية وجلسنا على رابية، وتحدثنا عن العمال وحقوقهم وكيفية الدفاع عنهم، وقررنا تشكيل لجنة من العمال والإستعداد لإضراب يشمل جميع العمال، وشكرني الأخ رحيم وهو بارتي (عضو في الحزب الديموقراطي الكوردستاني)، وشكلنا لجنة من البارتيين والشيوعيين وحددنا يوم الإضراب.
وفي اليوم المقرر بدأ العمال إضرابا بطوليا، وأراد البعض التأثير على بعض العمال ورشوتهم وإستدراجهم وخروجهم لكسر الإضراب، إلا أن التلاحم بين العمال أفشل خطط المنافقين والدجالين ممن لبسوا لبوس الدفاع عن العمال زورا، وفي اليوم الثاني إستنجدت الشركتين الإسبانيتين برئيس إتحاد النقابات في السليمانية السيد رشيد عارف لإيجاد حل للمشكلة وعودة العمال للعمل، فجاء السيد رشيد عارف ومعه السيد محمود ملا عزت، والإثنان من الحزب الديموقراطي الكوردستاني، فالأول رئيس إتحاد النقابات والثاني عضو الفرع الرابع للبارتي،
تحدث الإثنان وهددا العمال بعواقب وخيمة إن لم يعودوا إلى أعمالهم، ولكن العمال وقفوا بوجههم بصلابة ورباطة جأش ولم يعيروا إهتماما لأقوالهما، وعندما كررا التهديد والوعيد، ووسط الهتافات والشعارات طالب العمال أن يخرجا، وبدأوا يصفقون ويتابعون خروجهما ويرددون: نحن عمال نطالب بحقوقنا، وفي اليوم الثالث تنازلت الشركتان وأتفقتا إعطاء العمال حقوقهم المهضومة، وقد كتبت مقالة حول إنتصار العمال في معمل سكر السليمانية باللغة الكوردية في جريدة الحزب: بيرى نوى (الفكر الجديد) وعنوان المقالة باللغة الكوردية: سه ركه وتن له يه ككرتندايه (الإنتصار في الوحدة والتلاحم).
بعد نشر المقالة وإنتقاما من ضعاف الأنفس تمّ طرد الأخ رحيم من النقابة مع عمال آخرين، وبدأت حملة بوليسية داخل المعمل، ولفقوا كذبة كبيرة ضدي، حيث لقّنوا العامل المدعو: عمر باوه مرده يى الكذبة ودفعوه أن يسّجل دعوى ضدي في الفرع الرابع للحزب الديموقراطي الكوردستاني بأنّ أحمد رجب قد سبّ ملا مصطفى، وعند العودة زرت مقر حزبنا الشيوعي في السليمانية وأستقبلني الرفيقان: أحمد حامد وفكرت جاويد من لجنة العلاقات ووجها سؤالا: هل سبيت ملا مصطفى؟.
ووسط الإندهاش والتعجب قلت: ما هذا؟ إنّه سؤال سخيف!!.
قال الرفيق أحمد حامد: لنذهب معا إلى مقر الفرع الرابع للبارتي.
ركبنا السيارة، ووصلنا مقر الفرع ودخلنا غرفة السادة المسؤولين وأستقبلنا كل من: محمد رحيم {{(هه فال جوجه له) – خالو حاجي}} وقادر جباري أعضاء الفرع الرابع.
قال الرفيق أحمد حامد: هذا الرفيق هو أحمد رجب، أين مسجل الدعوى؟
وعلمنا بأنّه لم يحضر، وتكررت هذه الزيارة لمدة (3) أيام متتالية، والمتهم أحمد رجب يحضر ومسجل الدعوى والشاهد لا يحضر، علما أن البارتي هو الحاكم الفعلي في السليمانية.
قال الرفيقان أحمد حامد وفكرت جاويد: يبدو ان رفيقكم عمر باوه مورده يى لم يكن صادقا، أو إنكم نسجتم هذه الكذبة لرفيقنا، وهنا إعتذرا ولسان حالهما يقول: سنجلبه ونحقق معه وسوف نسجنه. لم ولن أسب ملا مصطفى، وهو القائد للشعب الكوردي، ولكن أسفا لجماعة يعملون في السياسة، وشغلهم الشاغل الإنتقاص من الآخرين، لم أسب بارزاني، ولن أسب بارزاني أبدا، وأنا فخور بمصطفى بارزاني قديما وحديثا، سابقا وحاليا، ولكن حقد الناس يطفو على وجوههم الكالحة ويموتون غيضا.
إثر اللعبة القذرة المفتعلة من (رشيد عارف ورهطه الاشاوس) شارك الأستاذ علي عبدالله سكرتير البارتي آنذاك ومحافظ السليمانية المدعو الكذاب عمر باوه مورده يى كذبته فأصدر فرمانه "التاريخي" بنقلي إلى معمل النسيج في كوران في محافظة أربيل بناء للمصلحة العامة، كأنّه أسدى للشعب الكوردي بشرى بناء دولته المستقلة المنشودة.
ذهبت إلى كوران، وعملت مع صديقي المهندس الأخ صادق رواندوزي، ورغم أن عملي كان جيدا، وأنا مرتاح، قدمت إستقالتي من معمل نسيج كوران كتحدي شخصي لقرار نقلي الجائر من السيد المحافظ وسكرتير البارتي، فقدمت طلبا للتوظيف في مديرية تربية السليمانية، حيث حصلت على رسالة من الرفيق عبدالله قره داغي (ملا علي) إلى صديق طفولته ومدرسته مهدي شريف، قدمت الرسالة لمهدي شريف، ولكن للحقيقة لم يكن شريفا لانه قال: تحتاج إلى تزكية، وكان يقصد تزكية من حزب البعث (هكذا كانوا يشترون ذمم الضعفاء، ويعملون كجواسيس لحزب البعث).
ذهبت إلى بغداد وقدمت طلبا إلى الوزارة، وذكرت في الطلب بأن تربية السليمانية بحاجة لمأمور مخزن، والعجيب حصلت على موافقة الوزارة كمأمور مخزن، وعند العودة إلى السليمانية باشرت بوظيفتي الجديدة، وقد تغيرت الأوضاع بسبب عدم تنفيذ بيان 11 آذار من قبل سلطة البعث، وأصبح شكري صبري الحديثي محافظا للسليمانية، بدلا من الأستاذ علي عبدالله سكرتير البارتي.
س5 : معايشتك في فترة الجبهة الوطنية، وخدعة البعث في الإلتفاف على الأحزاب العراقية الأخرى وفي مقدمتهم الحزب الذي آمنتَ به مذ مطلع شبابك ، أنت كسياسي كيف تعاملت مع تلك اللعبة ، وبالاخص مع حزب له ماضيه الدموي مع الأحزاب العراقية التقدمية الأخرى؟إثر هزيمة الخامس من حزيران 1967 تزعزعت ثقة الجماهير في مختلف البلدان العربية بالقيادات البرجوازية الصغيرة، وفي العراق كان الحكم العارفي الدكتاتوري الرجعي يعاني من الضعف والعزلة عن الجماهير، وفي المقابل شهد هذا العام نهوض ثوري جماهيري ومن أبرز علائمه فوز القائمة الديموقراطية اليسارية في إنتخابات الطلبة وخاصة في الجامعات في ربيع 1967، والإضرابات والنضالات في بداية عام 1968 بمشاركة جميع قوى المعارضة، والتي تطّوع لكسرها البعثيون من زمرة احمد حسن البكر وصدام حسين بالتعاون مع أجهزة النظام القمعية. وفي ظل تطور الأوضاع في العراق بادر عدد من كبار الضباط الرجعيين من ذوي الإرتباط بالدوائر الإمبريالية وحزب البعث بمؤامرة 17 تموز 1968، وفي 30 تموز من نفس العام تمّ إستبعاد عدد من الضباط المشاركين فيها، ممّا أدّى إلى رجحان كفة البعث في السلطة بشكل حاسم.
بعد إستلام البعث للسلطة طرح الحزب الشيوعي العراقي في بيان صدر في 29 تموز 1968 على حكومة البعث مطاليب جماهيرية يستوجب حلها من اجل الخروج من الازمة التي كان يعاني منها العراق، وتتلخص حول الديموقراطية والنظام الديموقراطي، وحل المسألة الكوردية حلا عادلا وعدم اللجوء للحرب، ومعالجة الوضع المعاشي والإقتصادي للطبقة العاملة والفلاحين وسائر الكادحين، والموقف الحازم تجاه الإحتكارات البترولية، وتطهير جهاز الدولة وضرب شبكات التخريب ومطاليب أخرى.
ان نضال الشعب العراقي ونضال حزبنا لتحقيق الأهداف والشعارات التي رفعها الحزب، جعل منها قوة مادية بفعل تبنيها من الجماهير والأحزاب والقوى الوطنية الأخرى، لذا بدأت حكومة البعث الجديدة بتحقيق بعض هذه الشعارات التي ناضل الشعب العراقي سنوات طويلة لتحقيقها سواء في الميادين السياسية أو الإقتصادية أو الإجتماعية.
في أيلول عام 1968 طرح الحزب الشيوعي العراقي ميثاق الجبهة الوطنية على الاحزاب والمنظمات السياسية والكثير من الشخصيات الوطنية، وأكّد على شعار الحكم الوطني الديموقراطي الإئتلافي كطريق مضمون لتحقيق أهداف الحركة الوطنية، ووقع بالإضافة إلى حزبنا الشيوعي، الحزب الوطني الديموقراطي، الحركة الإشتراكية العربية والديموقراطيون المستقلون على مذكرة بمطاليب الجماهير جرى تقديمها إلى رئيس الجمهورية.
وتحت ضغط المطالبة الجماهيرية ورغبة الحكومة في كسب تأييد الرأي العام، أقدمت السلطة على إطلاق سراح السجناء السياسيين على وجبات، وقللت من الملاحقة والمطاردة البوليسية ضد أعضاء حزبنا الشيوعي العراقي، وأعادت المفصوليين السياسيين إلى العمل، وأوجدت وظائف مدنية للعسكريين، وأخذ الحزب يوزع نشرياته وبياناته علنا.
حاول حزب البعث منذ بداية مجيئه محاصرة الحركة الجماهيرية والحيلولة دون نمو تأثيرها على سير البلاد اللاحق، وأنتهج البعث سياسة خاطئة من النشاطات الجماهيرية والعمالية، وجرى إطلاق النار على عمال الزيوت النباتية المضربين، وقتل عاملين، والهجوم على التجمع الجماهيري الذي نظّمه الحزب في ساحة السباع في بغداد في ذكرى ثورة اكتوبر، وقتل رفاقنا، ومواصلة ملاحقة القوى والشخصيات الوطنية وإضطهادهم بشكل وحشي وتصفية بعضهم جسديا والتعريض بالعقيدة الشيوعية إعلاميا، ومواصلة الحرب الشوفينية ضد الشعب الكوردي، وفرض سيطرته التامة على الحركة النقابية والفلاحية.
ولمّا رأى البعث أنّه يعيش في عزلة، بدأ العمل على نهج جديد لينقذ نفسه، ففي 15 تشرين الثاني 1971 طرح مسودة (مسودة ميثاق العمل الوطني) وأعتبر حزبنا الشيوعي هذه المسودة أساسا صالحا للحوار مع البعث من أجل إقامة الجبهة، ورأى حزبنا بأنّ مشروع الميثاق من حيث مضامينه وإتجاهاته الرئيسية معاد للإمبريالية، ويدعو القوى الوطنية المعادية للإمبريالية والرجعية إلى التعاون من اجل تحقيق هذه الأهداف، ويؤكد على توثيق التعاون مع البلدان الإشتراكية، ويؤكد أيضا على الحل السلمي الديموقراطي للمسألة الكوردية، وان بيان 11 آذار هو الإطار السليم لضمان الحقوق والتطلعات القومية المشروعة للشعب الكوردي بما فيها الحكم الذاتي، وفي مشروع الميثاق إشارات واضحة للتحولات الإقتصادية والسياسية والإجتماعية، ويشير بوضوح إلى السياسة الخاطئة التي أتبعها البعث في بداية مجيئه، والإخفاقات التي وقع فيها، وتضّمن المشروع نصا يدعو إلى: توفير كل الأجواء الديموقراطية الثورية للجماهير وتصفية مظاهر الإضطهاد ضدها، وضد مؤسساتها السياسية والنقابية والثقافية.
جرت مفاوضات بين حزبنا الشيوعي العراقي وحزب البعث، وقدم كل حزب مفهومه للجبهة, وكان مفهوم البعث تفرده بالسلطة وقيادة الجبهة، ومفهومه عن الديموقراطية هو التمسك بوصايته على الجماهير ومنظماتها المهنية والنقابية، وألّح البعث تعزيز التعاون مع الحزب الشيوعي بعد عقد معاهدة الصداقة والتعاون مع الإتحاد السوفيتي في نيسان 1972، وشارك الحزب الشيوعي بوزيرين، وكان للحزب الديموقراطي الكوردستاني آنذاك خمسة وزراء، وفي حزيران من نفس العام نشبت معركة التأميم، وتمّ السماح بإصدار جريدة اسبوعية ثقافية عامة كوردية عربية باسم: بيرى نوى (الفكر الجديد) إلى جانب مجلة الثقافة الجديدة الشهرية.
كان حزبنا الشيوعي منذ البداية يقدر الأهمية الكبيرة لإنضمام الحزب الديموقراطي الكوردستاني (حدك) إلى الجبهة بما يمثله من ثقل سياسي وعسكري في ذلك الوقت، ومن هذا المنطلق بذل حزبنا جهودا كبيرة لإقناع (حدك) بالإنضمام إلى الجبهة بأمل زيادة وزن القوى الديموقراطية داخليا لصالح النضال من أجل الحقوق والحريات الديموقراطية، وإنهاء فترة الإنتقال وإقامة الأوضاع الدستورية، وتحقيق الحكم الذاتي، وتشريع قانون له، وإقامة مؤسساته التشريعية والتنفيذية على أسس ديموقراطية، إلا انّ (حدك) وقف موقفا سلبيا من المساهمة في الحوار بشأن الجبهة جرّاء رفضه إشراك حزبنا الشيوعي فيها، وأصّر على حصره بين حدك والبعث – ممثلي القوميتين الرئيسيتين,قام (حدك) بملاحقة رفاقنا في مناطق نفوذه، وقتل العديد منهم وخصوصا جريمة قتل (11) رفيق بيد عيسى سوار، وإغتيال الرفيق فكرت جاويد في السليمانية، وشن حملة هيستيرية على منظمات حزبنا في قلعة دزة، رانية، دوكان، قره داغ وأماكن أخرى في السليمانية وكركوك وأربيل ودهوك، وإعتقال رفاقنا وإرسالهم إلى مناطق نفوذهم وتعذيبهم بأبشع أدوات التعذيب ومطالبتهم بالتنازل والبراءة من الشيوعية، كما يفعل البعثيون في السجون والمعتقلات.وافق حزبنا على قيام ""الجبهة الوطنية التقدمية"" رغم الملاحظات العديدة حولها، وكان للإتحاد السوفيتي والدول التي أطلقنا عليها الإشتراكية دورا كبيرا في دفع حزبنا، وهنا يجب أن أقول بصراحة بأنّ أكثرية القاعدة الحزبية والرفاق وقفوا ضد هذه الجبهة، وقد استقال عدد غير قليل من الرفاق في السليمانية وخصوصا الرفاق الشباب، وهذا الحال إنسحب بدون شك على منظمات أخرى في بقية المحافظات، وأصبحت الجبهة نقطة بحث مهمة في كل الإجتماعات الحزبية بدءا من الخلايا وإنتهاءا باللجان الحزبية العليا، وكان قيام الجبهة ضربة لجماهير الحزب، وفرضت الظروف السياسية الجديدة حالة الإحتراب المؤسفة بين حزبنا وحدك، وكان الرابح الأول والأخير هو حزب البعث الذي تحول إلى حزب دموي فاشي، ومن حسناتهم وبركاتهم للشعب العراقي المقابر الجماعية في عرض وطول البلاد.