صناعة الموت ام صناعة الحياة
[/color][/size]
صناعة الموت ام صناعة الحياة
منذ عام 1945 حدثت تغييرات سريعة في العلم والتكنولوجية احدثت ثورة في عالم الاتصالات والتنقل بين الشعوب. وباتت الأعمال الاعجازية مثل التلفزيون والكومبيوتر وشبكة الانترنيت اليوم في متناول عامة الناس. والتقدم الطبي ساعد في الانفجار السكاني في العالم. وزيادة نفوس العالم ادى الى استنفاذ مصادر الارض وباتت الهوة كبيرة جداً بين الدول الغنية مثل الولايات المتحدة وبين دول العالم الثالث الفقيرة.
ولشدة تعقيد هذا العالم الجديد اصبح من الأمر الصعب ان يعطى له صفة واحدة فلا يبدو ان هناك صفة او تسمية واحدة أثرت في تشكيل العالم المعاصر. لذلك ونتيجة عدم صلاحية تسمية واحدة فقد برزت عدة اجتهادات ومسميّات تحاول ان تعبر وتجسد تعقيد وتنوع الحياة المعاصرة. وتختلف هذه التسميات بإختلاف منطلقاتها العلمية والاجتماعية والفلسفية، كما تختلف باختلاف اهدافها.
فمثلا سمي هذا العصر بعصر الذرة وعصر الفضاء وعصر التكنولوجية وعصر الاختصاص والتخصص. كما سمي بعصر القومية وعصر الديموقراطية، بالإضافة الى ذلك هناك ايضا من اطلق عليه اسم عصر التنمية، وعصر الشركات متعددة الجنسيات، وعصر الطفولة، وعصر السرعة، وعصر القلق، والعصر الامريكي.
سباق التسلح
ومن الامور التي برزت بشكل غير اعتيادي في هذا العالم ثقافة السلاح. فقد كان متوقعاً بعد الحرب العالمية الثانية المريرة، أن يعم السلام في العالم، وكان التوقع ان يتخلص العالم من كافة اسلحة الدمار لكن العالم على العكس من ذلك تضاعفت كميات الاسلحة وازداد الرعب والعنف في العالم وبلغ حد الرعب النووي. واصبح العالم اليوم يمتلك الملايين من المواد المتفجرة تكفي لتدمير العالم بأسره عشرات المرات، وتساوي اضعاف حجم القوة التدميرية التي أستخدمت خلال الحرب العالمية الثانية.
لقد تزامن بروز سباق التسلح النووي في العالم مع انتهاء الحرب العالمية الثانية فلم تكد الحرب تنتهي حتى بدأ العالم المعاصر يشهد سباقا نوويا هائلا بين الشرق المتمثل بالاتحاد السوفيتي السابق والغرب المتمثل بالولايات لمتحدة. وبين عام 1945 و 1985 قام البلدان بوضع تصاميم لأسلحة أكبر وأشد تعقيداً، وعرفت هذه المرحلة بإسم الحرب الباردة.
فلم يتحقق الامل في خلق عالم أكثر هدوءاً واكثر أمنا واكثر سلاما كما كان متوقعاً بعد الحرب العالمية الثانية، بل ازدادت التوترات في العالم وتفاقمت حدة الصراعات السياسية والايديولوجية والعسكرية. كذلك انغمس العالم اكثر في الانفاق العسكري وتطوير الاسحلة واستحداثها، فظهرت الاسلحة الذكية والمبرمجة وبرزت اجيال جديدة من القاذفات والطائرات والسفن والغواصات والقنابل والصواريخ حتى بدا كأن العالم قد جن جنونه عسكرياً.
لقد ربط العالم المعاصر أمنه ومصيره بسباق التسلح النووي، وكانت الحصيلة النهائية والملموسة لمثل هذا التوجه هي امتلاك العالم مخزوناً من الاسلحة ومن القدرات التدميرية تقدر بحوالي 16 الف مليون طن من مادة الـ (T.N.T) أي ما معدله خمسة آلاف ضعف جميع القدرات التدميرية التي استخدمت في الحرب العالمية الثانية، والتي راح ضحيتها 45 مليون نسمة من سكان العام.
وقد انفق العالم خلال الخمسين سنة الأخيرة مليارات الدولارات لتطوير الاسلحة النووية فقط ونتيجة هذا الانفاق كدّس الآلاف من الرؤوس النووية تقدر بـ (50) ألف رأس نووي بعد ان كان لا يملك سوى ثلاث قنابل نووية سنة 1945، واصبح انتاج العالم ما معدله ثلاث قنابل ونصف قنبلة نووية في اليوم وما زال العالم مستمراً في انتاجه لهذا العدد من القنابل النووية كل يوم من ايام السنة.
الانسان أم السلاح
إن انغماس العالم هذا وانجرافه في التسلح النووي وبجنون ملحوظ اضطره الى اهمال الجوانب الإنسانية والمعيشية والحياتية والاجتماعية التي ازدادت ترديا مع تصاعد الإنفاق العسكري في العالم. ففي الوقت الذي ينفق فيه العالم مبالغ هائلة على سباق التسلح النووي، في هذا الوقت بالذات يعيش العالم المعاصر أشد أزماته الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية وتظل المجاعة والأمية والافات تقضي على ارواح الملايين من اطفال العالم سنوياً. ففي الوقت الذي ينفق فيه العالم مليوني دولار في كل دقيقة على الاسلحة هناك ألفا مليون نسمة من سكان الأرض مصنفين كفقراء منهم 450 مليون انسان يعانون من المجاعة المزمنة. كما ان ثمن غواصة نووية واحدة يساوي اجمالي مايطلبه العالم من اجل توفير التعليم لـ (120) مليون طفل لا يحصلون على فرصة التعلم، ويتوقع ان يظلوا اميين طوال حياتهم.
وتتجلى الآثار التشويهية الناجمة عن التسلح بابشع صورها في استخدام الكوادر العلمية. إذ يستخدم الالاف من العلماء في ابحاث التسلح، ويبلغ نصيبهم زهاء نصف إجمالي الإنفاق لأغراض البحث والتطوير. ويفوق هذا إجمالي الإنفاق الكلي على تطوير تكنولوجيات لايجاد مصادر جديدة للطاقة، وتحسين صحة الانسان وزيادة الانتاجية الزراعية والسيطرة على التلوث واستخدام أكفأ المواد الاولية والطاقة والموارد البشرية الماهرة.
لقد أثار تعايش الانفاق العسكري الكبير مع الحاجات الإنسانية غير المستجابة القلق منذ أمد بعيد؛ فقد لاحظ الرئيس آيزنهاور، على سبيل المثال، في نهاية ولايته "أن كل مدفع يصنع، وكل سفينة تدشن، وكل صاروخ يطلق تمثل في التحليل النهائي سرقةً من اولئك الذين يعانون الجوع ولا يطعمون، والذين يعانون البرد ولا يكسون". ولازال القلق مستمراً ويطرح السؤال نفسه هل ستتحول صناعة الموت هذه الى صناعة الحياة؟
.
.[/b]