لعبة الكراسي
في رياض الاطفال والابتدائيات تطلب معلمة الرياضة من عدد معين من الطلبة الصغار ان يدوروا حول عددٍ اقل من الكراسي وعندما تطلق صفارتها يكفون عن الدوران ويهرعون ليحتل كل منهم كرسيّاً، والذي يبقى بدون كرسي يخرج خارج اللعبة وهكذا دواليك الى ان يفوز واحد منهم بالكرسي.. الفائز الذي يحظى بالكرسي يتمتع بالسرعة والدهاء والمناورة،وليس بالضرورة ان يكون في دروسه متفوقاً على اقرانه ،والذي لم يحظ بالكرسي قد يكون هادئاً ذكياً مجتهداً متفوقاً في دروسه ولكنه يجد نفسه خارج اللعبة... انها لعبة .. مجرد لعبة ..وها نحن نراها تُمارس اليوم من قبل الكبار.. كبار القوم ورؤساء الكتل السياسية وقيادات الاحزاب وكبار التجار واصحاب الثروات والملايين، انهم يتراكلون ويناورون ويستخدمون كل الوسائل الشرعية والغير الشرعية للوصول الى كرسي الوزارة او كرسي البرلمان ..اليوم بات للكرسي سحرٌ ما بعده سحر.. فاق سحر الماس والذهب والياقوت ..
لنسأل هؤلاء المتناحرين المتكالبين على الحقائب الوزارية والكراسي البرلمانية .. هل اعدّوا برنامجاً وطنياً صادقاً لاخراج الشعب البائس من ازماته التي لاتعد ولاتحصى؟ وهل من مواقعهم تلك سيناضلون ويتفانون لاسعاد المواطن الذي انهكه الانتظار لرؤية بصيص من الامل في انفراج الازمات؟! تراهم هل فكروا قبل اعتلائهم لهذه الكراسي بالمصلحة العامة قبل الخاصة؟ وهل شعروا بالخوف امام الجديد، اسمه المسؤولية؟ والمسؤولية هي هذه المراقبة العقلية الصارمة التي تحمي المسؤول من الطيش والحماقة و الغرور وتذكره في كل لحظة ان عليه ان يحترم قسمه، وان يَخدم ولا يُخدم، وان تخلده اعماله عندما يمضى وينصرف، ولو احس بان الناس بدأوا ينسحبون من حواليه عليه ان لايجد حرجاً في ان يلملم اوراقه وينسحب قبل ان يطفئوا الاضواء عليه..
لماذا هذا اللهاث وراء الكراسي والحقائب الوزارية .. لماذا كل واحد منهم يحاول ان يسحب البساط من تحت قدمي غيره ليحل هو مكانه .. أ لأنه هو الاكفأ والانسب لهذا المنصب؟ ام انه سباق للفوز بحصة الأسد من جسد العراق الجريح؟
حتى الامس القريب، والقريب جداً، كان المنطق السائد يقول بان مستقبل العراق مرهون بتجربة الانتخابات واقرار الدستور الدائم وتشكيل البرلمان ومن ثم تشكيل حكومة وحدة وطنية، فتحمس الشعب لانجاحها وتحدّى الموت والارهاب في سبيل ذلك، ولكن الان فتر حماسه بعد ان رأى ان هذه التجارب لاتشجع على الغلو في الامل بعد انتظار مرير، لان الذين اختارهم لينقذوه من واقع مؤلم قعدوا على كراسيهم الوثيرة يحضنون ملايينهم لتُفرّخ ملاييناً بلايينا .. وان توفرت في البعض منهم النوايا الصادقة فهذه لوحدها لا تكفي في عالم الواقع، فلابد من التضحية ونكران الذات والنضال والعمل الجاد لحل الازمات الامنية والسياسية والاقتصادية وازمة اخلاق الدولة والفساد بسبب المحسوبية والوساطة والخ .
ففي السابق كان الشعب يرى في الاحزاب والكتل السياسية بديلاً عن الطاغية ..واليوم لايجد احد اي بديل ممكن. الشارع يعيش حالة احباط شديدة وهو يرى ازماته تدور في حلقه مفرغة،وهؤلاء السادة جلسوا على كراسيهم والوطن يتناثر كالغبار امامهم وهم على اطلاله يتنزهون!.
جنان بولص كوركيس
[/b]