حلف غير مقدس
بين التحجر الآشوري والتعصب الكلداني
أبرم شبيرا
يروى بأن هنري فورد، مبتكر سيارة فورد الشهيرة، كان يشرح لفلاح بسيط تفاصيل مركبته الميكانيكية الجديدة وكيفية عملها بالاحتراق الداخلي، فبعد أن أنتهى من الشرح الطويل والمضني سأل فورد الفلاح وقال له هل فهمت الآن كيف تعمل مركبتي الجديدة ؟ فعاد الفلاح وقال نعم لقد فهمت كل شيء …ولكن لم تقل لي في أي مكان من المركبة الجديدة تشد الحصان ؟؟ !! . هذا هو حال بعض أفراد مجمعنا من المكون الآشوري والكلداني ، أكرر وأقول بعض الأفراد للتأكيد والانتباه، خاصة الذين يدعون اشتغالهم بالسياسة ويبدون اهتماماً بالمسائل القومية ، فحالهم كحال هذا الفلاح مصابين بمرض أنيميـا (فقر الدم) الفكري في فهم تطور الحياة والتاريخ وإدراك تقدم الواقع الموضوعي السائر دوماً إلى الأمام على خلاف استاتيكيا الجمود والتحجر الذي يلف صندوق دماغهم ويسيطر على فهمهم وإدراكهم للواقع، ليس كما هو في الموضوع، وإنما كما هو في ذاتهم العاجية التي تعجز كتب العالم وموسوعات الدنيا من اختراقها وفتح كوة فيها لتنير ظلامها الدامس وتكشف طريقها نحو الواقع ومن ثم العمل فيه والتفاعل معه تحت أنواره الكاشفة.
أن مصدر نشوء مرض أنيميا السياسية والفكرية عند هؤلاء في فهم الواقع ومن ثم في فهم مشاكل الأمة وأمراضها أو في تقييم إنجازات الأمة وإبداعاتها أو حتى في فهم حقوقها القومية المشروعة وبنظرة موضوعية مقبولة وممكنة، ناشئة أساساً من جرثومة لها مصدران:
الأول: التحجر الفكري والتزمت الحزبي الذي نجده عند بعض الأفراد من المكون الآشوري الذي يصر على أن دماغه أصلد وأقوى من حجار نينوى وإن دم آشور بانيبال لايزال يجري في عروقه في الوقت الذي ينكر عظمة الثقافة الآشورية بما فيها اللغة التي تعظمت وتقدست بشفاه ربنا يسوع المسيح كمصدر مهم وأساسي وعلمي وواقعي للإنتماء إلى هذه الأمة التي حملت هذه الثقافة لأكثر من سبعين قرناً ووصلت إلينا بالتضحيات والدماء الزكية التي رخصها لها أبناؤها الأبرار. فإذا كان الدم عنصراً أساسياً عند هؤلاء المتحجرين في تحديد إنتماء أمتنا فعلى هذا الأساس نبشر أبناء أمتنا بأن لنا أخوة يعد تعدادهم بالملايين في تكريت ومعظم شمال العراق والكثير من أكراد تركيا وفرس إيران لا بل في ألمانيا أيضاً ومنه هتلر؟؟؟ أليس هذا تخريف ينافي المنطق والعلم والذي رفضته كل المدارس العلمية الإنثروبولوجية والبايولوجيا في تحديد أصل الشعوب وإنتماؤهم القومي؟؟؟ أمل أن مزيداً من القراء والمطالعة والتثقيف يذوب القليل من صلادة وحجارة هذا التفكير وليس لنا أكثر من هذه النصيحة.
الثاني: يتمثل في التعصب الأعمى والإنفصالي عند بعض الأفراد من المكون الكلداني لأمتنا. إن جرثومة الأنيميا الفكرية عند هؤلاء ناجمة من الشعور بالنقص في الفكر القومي والسياسي بسبب تأخر الوعي القومي عند الكلدان الذي كتبنا عنه كثيراً في مناسبات سابقة وبالتالي يحاولوا حرق المراحل باللجوء إلى التعصب والإنفصال وإلى بناء خطابهم القومي السياسي على أوهام والقفز من فوق الواقع والحقيقة التاريخية في كوننا جميعاً أبناء أمة واحدة. هناك حقيقة واقعية تبين بأن الكلدان لهم بنية تحتية قوية تتمثل في الديموغرافيا والتركز الجغرافي في الوطن وفي قوة الإقتصاد وسعة المعرفة والثقافة تؤهلم لكي يكونوا المكون الرئيسي في أمتنا لقيادة حركتنا القومية وهي حقيقة يدركها معظم الكلدان الواعين لحقيقة كوننا أمة واحدة رغم التسميات المتعددة ولكن القلة القليلة من المصابين بمرض الإنيميا الفكرية وبسبب التعصب الأعمى والنزعة الإنعزالية لهؤلاء السابحون في الأوهام والخيال يجهلون أو يتجاهلون هذه الحقيقة ويصرون على إنعزالتهم التي تزيدهم إنعزالا عن أبناء جلدتهم أكثر فأكثر وذلك بسبب إفتقارهم إلى أبسط مقومات المنطق في خطابهم القومي.
هناك نظرية في علم السياسية أثبتها التطبيق وتقول بأن أقصى اليمين يلتقي في المطاف الأخير مع أقصى اليسار ويعقدون حلفاً غير مقدساً لضرب الوسط والمعتدل خاصة في المرحلة التوفيقة التي تظهر أثناء نشؤء الإختلافات بين أفراد المجتمع وأحزابهم السياسية والتي تبقى قائمة لحين الوصول إلى الحلول النهائية. ففي مراحل الأزمات السياسية التي تنشأ في البلدان التي يقوم نظامها السياسي على التعددية الحزبية تنشأ تحالفات بين أحزاب الوسط والمعتدلة والساعية لحل الخلافات عندئذ يلتقي تطرف أقصى اليمين مع راديكالية أقصى اليسار لضرب مثل هذا التحالف الساعي لحل الخلافات بالطرق السلمية الهادئة. هكذا هو حال الآشوري المتحجر والكلداني المتعصب الإنعزالي فكلاهما وضعوا أنفسهم في حلف غير مقدس، وهو حلفاً غير مكتوباً وإنما ينشأ عمليا رغم عدم درايتهم به في ضرب كل مسعى لحل الخلافات في مجتمعنا، وليس أكثر الخلافات عمقاً مثل التسمية المركبة لأمتنا المطروحة سياسياً وقانونياً كأسلوب ضامن وعملي للمطالبة بحقوقنا القومية. سبق وأن قلنا أنه بسبب التحجر الفكري عند بعض الآشوريين خلق رداً فعليا عند بعض الكلدان أنعكس في إنعزاليتهم ودعوتهم في كون الكلدان قومية مستقلة منفصلة عن الآشوريين والسريان وبذلك يقلدون الجانب الآشوري المتحجر أحسن تقليد.
إن مرض الإنيميا الفكرية خلق عقلية عاجزة عن إدراك الواقع وفهم الكتابة عنه. ويظهر بأن بعض كتاباتي عن الوحدة القومية لأمتنا ودور الحركة الديمقراطية الآشورية (زوعا) فيها وتأكيدي على كون الحضارة الآشورية العريقة مصدر إنتماء أساسي لأمتنا قد فتحت شهية هؤلاء المتحالفين على ضرب وحدة الأمة وأثارت مواضيع لا صلة لها بصلب الموضوع وغرضه لذلك لا تستحق أي رد عليها غير أن ننصحهم بالقراءة المتواصلة للتاريخ ومعاينة الواقع المعاش كما أنصحهم بأن يعودوا ويقرأوا مراراً وتكراراً لما كتبته لأنه يظهر بأن عقليتهم المتحجرة وتوجهاتهم الإنفصالية قد حجبت عن عقولهم فهم حقيقة المواضيع التي كتبتها. وإذا كانوا عاجزين أو خائفين من إعادة قراءة ما كتبته فأسهل الأمر عليهم وأكد مايلي:
1. أنا آشوري وأعتز بآشوريتي وأستمد إنتمائي إليها إلى الحضارة العظيمة للأمة الآشورية أساسها اللغة والثقافة والتراث والتاريخ والجغرافيا. وحق الإعتزاز هذا لا يمنعني إطلاقاً أن أقبل إعتزاز الكلداني بكلدانيته والسرياني بسريانته وأحترمها لأنهما جزء من الأمة التي أنتمي إليها رغم تعدد التسميات في المرحلة الحالية.
2. أن موضوع التسمية المركبة لا يعنيى تغيير أسم الأمة التي أنتمي إليها بل هو طرح سياسي وقانوني ودستوري كضمان لمطالبة معقولة ومنطقية لحقوق أمتنا. إن حقوق الإنسان لا تأخذ عدد الأفراد المطالبين بحقوقهم الإنسانية بنظر الإعتبار سواء أكان فرداً واحداً أم ملايين الأفراد فهي حق شرعي لكل فرد. أما الحقوق القومية فإن مسألة العدد والتركز الجغرافية يلعبان دوراً أساساً ومهما في الإقرار بمثل هذه الحقوق. فهل يوجد أكثرمن التسمية المركبة ضماناً لتوفير العدد والتركز الجغرافي لضمان حقوقنا القومية؟
3. إن الحركة الديمقراطية الآشورية (زوعا) لاعباً أساسيا في حركتنا القومية وفي المطالبة بحقوقنا القومية وهي حقيقة إن لم أقرها إنا وغيري فنحن عمياء لا ندرك الحقيقة الموضوعية. فزوعا مولود شرعي للأمة الآشورية بجميع تسمياتها المختلفة ولكن ليس المولود الوحيد كما يعتقد البعض الذين أصابوا بمرض (فوبيا زوعا) يرتعبون ويصابون بالحمى عن ذكر إسمها أو الكتابة عنها حتى ولو كان إنتقاداً لها وبيان إخطاءها. لقد سبق وأكدنا مراراً وتكراراً أن أي حزب مهما كانت قوته وعظمة نضاله لا يمكن إطلاقاً أن يمثل مصالح الأمة جميعاً، فهذا ضرب من الخيال. فنحن نحتاج إلى عدد معقول من الأحزاب السياسية النشطة وليست الورقية التي لا شغل لها ولا عمل إلا الجلوس على قارعة الطريق ورمي المارين الناشطين بالحجارة. فالديمقراطية التي نتغنى بها ليل نهار يستوجبها تعددية حزبية حقيقية ولكن هذا "العجز الحزبي" في أمتنا لا يمنعنا أبداً أن نشيد بزوعا كرائد في الساحة القومية السياسية ونأمل أن نجد قريباً أحزاب أخرى تحمل المعنى العلمي والواقعي للحزب السياسي وناشطة إلى جانب زوعا عندذاك سنبدأ بالكتابة عنهم تقييماً ونقداً كأسلوب علمي وواقعي في فهم حقائق أمتنا وأحزابها السياسية. لقد سبق وأن قلنا بأن الأمة التي لا يكون لها أحزاب قومية، بكل معنى الكلمة للقومية، نشطة وفاعلة ستكون إرادة الأمة مرهونة بإرادة الآخرين.