لقاء على الهامش مع : الأستاذ فلاح الناصري ، هل مات العراق ؟؟؟
كان لقاءاً من غير ميعاد ، بعد أن عرّفني بنفسه ، قال معاتباً : العراق العظيم يحترق يا أخي
وأنتم الكتّاب تكتبون وتنتقدون ولكن !! هذه المبادرات والتشخيصات الخجولة غير كافية لدرء الخطر المحدق بالعراق وشعبه ، فأين الحركة الوطنية واليسارية والشخصيات الوطينة المستقلة ؟
قلت له : القوى التي ذكرتها مشتتة نتيجة النظام الدكتاتوري السابق ، وبعد السقوط سادت الفوضى
وتدخلت قوى إقليمية ودولية لها مصلحة في تشتيت القوى الوطنية بغية سيطرة قوى الإسلام السياسي
على السلطة لتكون موالية لها من أجل مصلحتها و ديمومة حكمها .
قال : هذا العراق العظيم : من هو عمار الحكيم لكي يقابل وزير خارجية الدولة الفلانية ،وكيف تتصور المراهق مقتدى الصدر ، يلتقي رئيس الدولة الفلانية ؟ أين أصبحت الشخصيات البارزة العراقية المشهود لها بالثقافة والحنكة والكياسة والثقل الإجتماعي والعلمي ؟
قلت : إن دورها مغيّب ، وغيرمنتظم ، وهذا ما أكدته وجسدته الإنتخابات البرلمانية الأخيرة، فهي
لاتزال ضعيفة، بفعل الدعم الخارجي اللامحدود مالياً وسياسياً ولوجستياً ، لقوى الإسلام السياسي
إقليميا ودولياً، مع وجود الجهل وقلة الوعي لدى غالبية الشعب العراقي .
قال: كانت للحركة الوطنية في أوائل القرن العشرين لها ثقلها وتاثيرها على الشارع العراقي فمثلاً :
موقفها من الدستور، والإتفاقية العراقية البريطانية ، والإتفاقيات مع شركات النفط ، ومن الإنتداب ،
والفقر والمرض والجهل ، ومن الإستقلال ، والتربية والتعليم ، وحقوق المرأة ، وقانون الأحوال
الشخصية ، وحماية الصناعة الوطنية ، وقيام الحركات النقابية ، وغيرها ، حيث كانت المظاهرات
الصاخبة ،تجبر الحكومات على الإستقالة ، وتغيير سياستها ،رغم وجود الإنتداب البريطاني ، وبعد
الإستقلال ، تبلورت مواقفها وتطورت الحركة الوطنية وزادت فعاليتها وتأثيرها على الشارع في
التثقيف والتنوير ونشر الوعي السياسي والإجتماعي في المدينة والريف .
قلت : كل ما ذكرته صحيح :ولكن لا تنسى سيطرة القوى القومية ، بعد الإنقلاب المشؤوم في 1963
فمنيت القوى الوطنية بنكسة وقهر وتصفيات جسدية وسجون ومعتقلات ، وبعد إنقلاب 1968 وسيطرة البعث الفاشي على مقاليد الحكم ،تمّ تدجين القوى الوطنية ومن لم يقبل سحق بلا رحمة
أو تحويله إلى الحياد بسياسة الترغيب والترهيب .
قال: يا أخي لماذا هذا التشاؤم ؟ إن إستخدام المنهج العلمي في الإستقراء وإستنباط الأساليب الجديدة
ودراسة التجارب التي خاضتها القوى الوطنية السابقة لأخذ العبر والدروس المستقاة من تجاربها
كفيل بإنارة السبيل ، أمام القوى العلمانية الوطنية اليسارية والمستقلة ، لوضع اليد وتشخيص العلل والمطبات التي تعيق طريق التنسيق فيما بينها ، لأختيار أصوب الحلول وأقربها إلى الواقع العراقي
المعاش .
قلت له : أستاذي العزيز: المشكلة الرئيسة هي صراع القوى السياسية الراهنة على السلطة سنية وشيعية ، وخصوصاً على موقع رئيس الوزراء ، لما يتمتع به من سلطات غيرمحدودة ، فهودكتاتور
ولكن بشكل ديمقراطي : فبيده كل السلطات تقريباً ، الداخليةوالخارجية والعسكرية والأمنية والمالية ،
ولذلك يتصارع كل حزب من أجل السلطة لجماعته وليس من أجل العراق كوطن ومن أجل العراقيين
كشعب ، كما إن تدخل دول الجوار زاد الطين بله ، فالعراق يعيش حالة شاذة : فالقوى الأمنية مخترقة من قبل الإرهابيين المتسربين في داخلها ، والديمقراطية غير مستوعبة من قبل غالبية حكامنا
فهي لديهم أسلوب وليست إيمان وممارسة فعلية وواقعية ، كما إن وضعنا سيزداد سوءاً إذا لم نفصل
الدين عن الدولة .
قال لي: هل تريد أن تقول لي إن العراق قد مات ؟
أجبته : العراق لا ولن يموت ولكنه يمربمخاص عسير ومتشابك ، فعلى القوى الوطنية تقع المسؤولية
الكبرى لإنتشاله ، فماذا ترى أنت ؟
قال : يا أخي ، الشيء المحزن هو الفراغ السياسي ، والعلاقات المتوترة بين الإقليم والمركز، وأكثر من40% من الشعب العراقي يعيش تحت خط الفقر، وهناك نسبة كبيرة جداً فوق خط الفقر بقليل ، وهناك القطط السمان( والعتاوي) ،أصبحوا أصحاب الملايين والمليارات ، وزيادة حالات العهر وإنتشار المخدرات بشكل رهيب ، وإنتشار مرض الأيدز والأمراض السرطانية ، وشحة الماء وإنقطاع الكهرباء ، وتهدم البنى التحتية ، وإعتماد العراق على الإستيراد من دول الجوار والعالم ،وإهمال بناء صناعة وطنية وزراعة عصرية ، والتفاوض مع دولتي تركيا وإيران لزيادة حصة
العراق المائية والكف عن حبس المياه وإنشاء السدود على نهري دجلة والفرات وإيران حولت مجرى نهر الكارون داخل أراضيها ، مما يهدد الملايين بترك قراهم الجنوبية ،وتصحر الأراضي
الزراعية وإنحسارها :قلت له : قل كلمة أخيرة ؟
قال: النضال ضد إنشاء دولة دينية على غرار إيران ، وعلى الأحزاب الوطنية والقوى المستقلة أحزاباً ومنظمات وجمعيات وشخصيات ، التنسيق فيما بينها في توحيد مواقفها لبناء الوطن و
دولة مؤسسات دستورية ، بالتعاون مع بقية القوى الوطنيةالعراقية السياسية وإيجاد نقاط إلتقاء لمصلحة الشعب العراقي ومستقبله في دولة علمانية ديمقراطية فدرالية مستقلة .
قلت له هذا ما يتناه كل عراقي وطني حر، شهم ، وشريف ، ومخلص ، لبلده العراق العزيز .
حاوره : منصورسناطي