الغاء الطرف الاخر... لمصلحة من؟
في الوقت الذي تعمل فيه كافة الفئات العراقيه مابوسعها لنيل اقصى مايمكن الحصول عليه لتثبيته في الدستور العراقي المزمع كتابته ، تتصارع اطراف معينه من ابناء شعبنا (الكلداني الاشوري السرياني) فيما بينها ويحاول كل طرف منها الغاء الاخر مستندا الى الكتب والمراجع التاريخيه التي تدعم موقفه هذا ، ويصل هذا الصراع الى حد السب والتجريح بالشخصيات الثقافيه والسياسيه والرموز الدينيه للطرف الاخر.
والمؤلم هنا، ان هذا الصراع تقوده نخبه من المثقفين والساسه وحتى بعض رجال الدين تؤثر سلبا على عواطف الالاف من عامة الناس وتؤجج فيهم المشاعر القوميه وروح التعصب بحيث يزدادون تطرفا .
شئ من التاريخ :
ان قراءة التاريخ بتعصب تعمينا عن امور كثيره، فالتاريخ اشار بوضوح الى وجود الاشوريين والكلدان في بلاد مابين النهرين منذ اقدم العصور .. ولابد من الاشاره هنا الى ان المصادر والاثار المكتشفه تحدثت بشكل اكبر عن الاشوريين لسببين مهمين :
1- قوة الامبراطوريه الاشوريه وتنامي اطرافها وكثرة حروبها .
2- الفتره الزمنيه الطويله التي حكمت فيها هذه الامبراطوريه .
لذلك لسنا هنا بصدد الحديث عن الامبراطوريه الاشوريه لان تاريخها مدون بشكل وافر ، وانما سنتطرق عن الامبراطوريه البابليه الحديثه (الكلدانيه).
لو فرضنا ان من حكم بابل واسس الامبراطوريه البابليه القديمه لم يكونوا من الكلدان لعدم وجود ادله تاريخيه على ذلك رغم وجود مقاطعة (كلدو) في الجزء الجنوبي من هذه الامبراطوريه ، فان الكلدان قد حكموا بابل بكل تاكيد منذ تسلم نابوبلاصر الكلداني السلطة فيها - بتاييد شعبي- وتاسيس الامبراطوريه الكلدانيه (البابليه الحديثه) عام 625 ق م ، واسقط نينوى عام 612 ق م . ووصلت هذه الامبراطوريه الى اوج عظمتها في عهد ابنه نبوخذ نصر الثاني (605 -562 ) ق م حيث ازهرت بابل لتصبح واحده من اعظم مدن التاريخ ، وفي هذه الفتره اصبحت كلمة بابل رديفه للكلدان. استمر حكم الامبراطوريه الكلدانيه لاقل من قرن واحد حكمها خمسة ملوك فقط كان اخرهم نبونيدوس (556 - 539/538) ق م ، وكان نبونيدوس هذا مواليا للاشوريين واغاظ وجهاء بابل فحصل انشقاق في المجتمع البابلي مما سهل من مهمة الفرس في السيطره عليها.
نعود الى ذكر الكلدان في التاريخ ، ان اول اشاره واضحه الى الكلدان في سجلات التاريخ جاءت في عهد الملك الاشوري اشورناصربال الثاني (884/883 - 859) ق م رغم جود وثائق اقدم كانت تشير اليهم وتسمي منطقتهم الواقعه شمال الخليج ب (الجزيره ) لوفرة المياه والاهوار فيها ، في عام 850 ق م فام الامبراطور الاشوري شلمنصر الثالث بالاغاره على الكلدان ووصل الى الخليج الذي اسماه خليج ( كلدو).
ظاهره مؤسفه :
اذا كان التاريخ قد اشار بوضوح الى وجود الكلدان والاشوريين في بلاد مابين النهرين واشاد بمنجزاتهم ودورهم في تطوير الحضاره الانسانيه ، انه لمن المؤسف والمدهش ان ينبري اناس مثقفون الى تهميش دور الاخرين او الغائه في هذه المرحله الحرجه من تاريخ امتنا ، ومن هذه الشواهد:
1- ادعاء قسم من الاشوريين بعدم وجود قوميه كلدانيه، وان الكلدان مذهب ديني ولاعلاقه للكلدان الجدد بالامبراطوريه الكلدانيه، انه سلاح ذو حدين، لوفرضنا ذلك فهذا يعني انه لاوجود للقوميه الاشوريه ايضا، لان الكلدان الجدد تمت تسميتهم من قبل البابا لتمييزهم عن النساطره .. وكما هو معروف ان النسطوريه مذهب ايضاوليست قوميه، فاذا كانت النسطوريه المذهب الديني للاشوريين فالكثلكه هي المذهب الديني للكلدان.
قد يقول البعض بان النساطره كانوا كلهم اشوريين وان من تحول منهم الى الكثلكه اصبح (اشوري متكلدن) ولكن هذا غير صحيح ، من المعروف بان الكلدانيين اسقطوا نينوى وسكنوا في تلك المنطقه بينما هرب الاشوريون الى المناطق الجبليه القريبه منها، بعدهاحصل الشئ نفسه مع الكلدانيين بسقوط امبراطوريتهم مم اضطرهم للهرب والاحتماء بالجبال القريبه
فسكنوا في المناطق القريبه من الاشوريين وعند دخولهم النسطوريه اصبح الجميع يسمون بالنساطره .
2- ادعاء قسم من الكلدان بانقراض الاشوريين وابادتهم بعد سقوط نينوى وتدميرها على يد الكلدانيين... لايوجد تاريخياما يؤكد هذا الادعاء، بل على العكس من ذلك وفي اوج عظمة الامبراطوريه الكلدانيه ابان حكم نبوخذ نصر الثاني كان هناك اضطراب داخلي نتيجة تمرد الاشوريين هنا وهناك، وان اخر ملك حكم بابل (نبونيدوس) كان مواليا للاشوريين كما ذكرنا سابقا، ان دل هذا على شئ فانما يدل على استمرار وجود الاشوريين ورفضهم الاحتلال وعدم انقراضهم.
لقد انتهت الحروب الطاحنه بين الاشوريين والكلدانيين وسقطت امبراطورياتهم منذ زمن بعيد ولم يتمكن احدهما من ابادة الاخر ، فهل يعقل ان يلغي احدنا الاخر او يمسحه بجرة قلم ؟
من المستفاد مما يجري؟
لانقول الكل، بل الاغلبيه تتفق بانه لايوجد مستفاد من هذه المعارك الكلاميه التي تعمق الخلافات بيننا وبالتالي الخاسر الاكبر هو نحن جميعا، مصالحنا المشتركه ، حقوقنا التاريخيه ودورنا في العراق الجديد والدستور العراقي.
اذا كنا ندعي باننا احفاد اولئك العظام الذين بنوا حضارات بابل ونينوى، علينا ان نكون بمستوى المسؤوليه الكبيره الملقاة على عاتقنا هذه الايام، فنحن بتصرفاتنا هذه نعيد تدمير نينوى وبابل مرة اخرى.
ماهو الحل ؟
ان يقبل كل منا الاخركما هو ، نتحدث عن حقوق الانسان ونحن اول من لايحترم حقوق اقرب الناس اليه... من حق كل انسان ان يعلن انتماءه الى هذه الفئه اوتلك برغبته وحسب قناعته .. علينا جميعا ان نحترم راي الاشوري المتمسك باشوريته والكلداني بكلدانيته والسرياني بسريانيته ونحترم ايضا دعاة الوحده والتسميه المركبه (كلدواشوريين) و (كلدواشوريين سريان) شريطة ان لايكون ذلك للاستهلاك السياسي واحتواء الاخرين.. وان يكون التمثيل السياسي بالحجم الجماهيري لكل مجموعه من هذه المجاميع عملا بالاسلوب الحضاري والديمقراطي المتبع في البلدان المتقدمه.
والاهم من هذا كله هو التنسيق بين هذه المجاميع وخاصة في هذه المرحله لتشكيل كتله قويه موحده تضمن الحقوق المشتركه بينهم (كاللغه والدين) التي تهم ابناء شعبنا جميعا، اما مسالة تقسيم السلطه فهذا امر يخص هذه المجاميع.
والمعني بالامر هنا هو كافه الاحزاب والنوادي والجمعيات الثقافيه والسياسيه ورؤساء الكنائس والمثقفين من كافة ابناء شعبنا.
جاك يوسف طليا الهوزي