عيد الصليب ... الصليب كرسي عرش الرب
الكنيسة المشرقية المقدسة لكافة الطوائف تحتفل كل عام في 14 أيلول / سبتمبر بعيد الصليب المقدس , تكرم الكنيسة صليب الرب بأحتفالات طقسية فتقام الصلوات وتشعل النيران على سطوح الكنائس والبيوت وفوق قمم الجبال والتلال تيمناً بهذا العيد. أبتدأت هذه الطقوس منذ فترة نقل الصليب المقدس من أورشليم الى روما للحفاظ عليه هناك , لا ندخل في تفاصيل النقل وأسبابها لكن نكتفي بأنه كانت تشعل نيران في كل قرية أو مدينة أو جزيرة يقترب منها الصليب أحتراماً وأجلالاً لقدسيته , أستمرت تلك النيران بأن تُشعل بهذه المناسبة لحد هذا اليوم .
الصليب الذي صلب الرب عليه أقترن اسمه بأسم الرب , فصار جزء من صميم حياتنا المسيحية, وليس مجرد رمز أو عقيدة في علم اللاهوت. أنه أفضل هدية من الرب الى كل مؤمن يريد أن يقترب من الرب ويسير في طريق الخلاص , فمن يريد الخلاص فالرب يقول له : أن أراد أحد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه كل يوم ويتبعني) لو 9: 23” . أذن حمل الصليب هو شرط للخلاص لهذا قال الرب

من لا يحمل صليبه ويتبعني فلا يستحقني ) م 10: 38 ) ".
الصليب في الحياة المسيحية هو تلمذة وعلامة أيمانية عميقة وجهاد , لا يجوز الوصول الى قمة الأيمان بدونه بل هو الذي يرفع المؤمن الى الفوق ويعطي حامله القوة والصحة العقلية والروحية ملؤها المحبة للآخر . لقد أدرك الآباء هذا السر فكانوا يطلبونه كل يوم لأنه كان يُزوّدهم بفضائل كثيرة .
حمل الصليب ليس ضعفاً بل هو قوة لأنه قدرة الله وحكمته وحسب قول الرسول بولس : (لأن البشارة بالصليب عند الهالكين جهالة وأما عندنا نحن المخلصين فهي قدرة الله) 1قو18:1 . , ألصليب الذي كان أداة لعنة جعله المسيح وسيلة للخلاص فرفع اسمه ليجعله أشهر وأحلى رمز يفتخر به في العالم , لا وبل صار الصليب راية ترفع فوق المعابد وفي البيوت وعلى الصدور . مات الأنسان عن النعمة في جنة عدن بسبب ثمرة شجرة الحياة أي بسبب نتاج الخشبة . أذاً لا خلاص للأنسان الا عن طريق الخشبة وليس بها , لهذا أختارها الرب مذبحاً يذبح عليها ,لأن بالمسيح كان الخلاص . فعلينا أن نفتخر بالصليب كما أفتخر رسول الأمم قائلاً : أما انا فحاشا لي أن أفتخر الا بصليب ربنا يسوع المسيح الذي به صلب العالم لي وأنا له ) غل 14:6) .
كرسي عرش الرب
لنبحث في أسفار العهد القديم ونتأمل بالآيات التي تضيء لنا الطريق فتشرح لنا معاني كرسي عرش المخلص, هذا الكرسي الذي حمله في طريق الجلجثة قبل أن يحمله فوق قمتها.. لنبدأ بأبينا داود الملك الذي خاطب ربنا يسوع بروح البنوة قائلاً : كرسيك “ أو عرشك “ يا الله الى دهر الدهور “ مز 45 : 6 وقد صاغ الوحي هذه الآية على لسان سفر العبرانيين 8:1 قائلاً : أن كرسيك “ عرشك” يا الله , ثابت الى أبد الآبدين ...) . أي الرب يسوع قد ملك على خشبة , والأشارة هنا ليست الى الكرسي بل الى خشبة الصليب الذي عندما صلب الرب عليه أنتزع سلطان رئيس هذا العالم وسحق رأسه وحطم آخر سلاحه الذي كان الموت , فجرد الرب بصليبه وخلع أصحاب الرئاسة والسلطة وعاد بهم في ركبه ظافراً “ قولوا 2: 15 “وهكذا وكما يقول الرسول يوحنا : وانما ظهر أبن الله ليحبط أعمال الأبليس ) “ 8:3 “ أما الرب فقال لأجل هذا أتيت الى هذه الساعة أي ساعة الصليب .هكذا طرح رئيس هذا العالم خارجاً , كان عرش الملك سليمان يرمز الى وصفين الأول تاريخي يُذكر في “ 1مل 18:10” قائلاً : وعمل الملك كرسياً عظيماً من عاج وأطلاهُ بذهب أبريز , ولكرسي ست درجات ... وأسدان واقفان بجانب اليدين . وأثنا عشر أسداً واقفة هناك على الدرجات الست من هنا وهناك . لم يعمل مثله في جميع الممالك ) أما الوصف الثاني فهو رمزاً روحياً نجده في سفر نش 3: 9-10 .
ما سنتناوله الآن هو :
كرسي الملك سليمان الذي كان يرمز الى كرسي الرب يسوع أي صليبه الذي سمّر عليه فوق قمة الجلجثة فكان يسوع في تلك اللحظات يظن بأنه قد أحتل مكانه الصحيح وأعتلى أعلى عرش في العالم وفوق جميع ممالك الأرض , أكد ذلك بيلاطس بأنه ملك عندما كتب عبارة ( هذا هوملك اليهود بعدة لُغات) , هذا الصليب الذي صعد عليه الرب هو كرسي عرشه لكي يعلن بأنه ليس ملك اليهود فحسب بل ملك الملوك ورب الأرباب .
كان لكرسي سليمان ست درجات وكانت ترمز وبوضوح لصليب المسيح الذي صلب في اليوم السادس من الأسبوع أي يوم الجمعة , ويرمز الى الساعة السادسة التي فيها أسلم الأبن الروح الى الآب . عرش المصلوب هو أعظم من عرش الملك سليمان حيث عليه ملك الرب على العالم كله , فعبر عن هذا المنظر الرهيب الذي حيّر عقول مؤمنين كثيرين فدونت أقلامهم كلمات رائعة الوصف نذكر منهم الأديب اللبناني المؤمن جبران خليل جبران الذي كتب في كتابه العواصف هذا الوصف الرائع لصليب الرب الذي هو أعظم عرش فقال : وأنت أيها الجبار المصلوب الناظر من أعالي الجلجثة الى مواكب الأجيال , السامع ضجيج الأمم , الفاهم أحلام الأبدية. أنت على الصليب المضرج بالدماء أكثر جلالاً ومهابة من ألف عرش في ألف مملكة. بل أنت بين النزع والموت أشد هولاً من ألف قائد في ألف جيش في ألف معركة , كان الرب يعطي الملك سليمان الأوصاف الدقيقة لأنشاء أو صنع الأشياء في داخل الهيكل وفي خارجه فالدرجات الست في عرش كرسي الملك كان لها رموزاً بل نبوءة بكرسي عرش الرب يسوع والذي كان صليبه المقدس . الرب الذي نزل من السماء حتى وصل الى هذا العرش كان عليه أن يَعبر ويمر من تلك الدرجات او السلالم الستة وهذه السلالم كانت ترمز الى المراحل التالية التي مر بها الرب :
المحبة : محبة أبدية احببتك لذلك أدمت لك الرحمة) أرميا 3:31) .
الأتضاع : وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب(8:2) .
النعمة : متبررين مجاناً بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح ) رؤ 24:3 ( وبالنعمة أنتم مخلصون …) أف 2 : 8-10) .
وصار الصليب كرسي الرحمة وهو عرش النعمة .
العدل والرحمة : عدل الله وقداسته يقتضي عقاب الأنسان الخاطىء بالموت , ورحمته أقتضت أن يدفع هو بنفسه العقوبة على الصليب بالنيابة عن الجميع وحسب الآية : الذي حمل هو نفسه خطايانا في جسده على الخشبة...) 1 بط 2 : 24) .
المصالحة والغفران : صالح الرب العالم بنفسه دون حساب ) 2 قو19:5) .
الخلاص الكامل : دعا الملاك أسمه يسوع لأنه يخلص شعبه من خطاياهم ) مت 21:1 أما بطرس فقال : وليس بأحد الخلاص لأنه ليس أسم آخر تحت السماء قد أعطي بين الناس به ينبغي أن نخلص) أع 12:4) .
تلك الدرجات كانت نزولاً من السماء الى الأرض .
أما الدرجات التي ينبغي أن نصعدها نحن لكي نرتقي عرش الرب في السماء فهي:
الأيمان : من يؤمن بالأبن فله حياة أبدية) يو 3: 36) .
المعمودية : هي الدرجة الثانية بعد الأيمان وحسب قول الرب : من آمن وأعتمد خلص.
التوبة والأعتراف : قال الرب : أن لم تتوبوا فجميعكم كذلك تهلكون) لو13: 3-5” أما القديس أسحاق السرياني فقال : أن دموع التوبة هي بمثابة معمودية ثانية . التوبة تصيَر الزانيات بتوليات والأشرار صالحين والملحدين مبشرين .
الثبات : أكد الرب في يوحنا 15 عبارة أثبتوا ) مرات كثيرة فقال ( أثبتوا في) و ( أثبتوا في كلامي) و (أثبتوا في محبتي .
النمو في النعمة ومعرفة الرب : قال الرسول بطرس: أنمو في النعمة وفي معرفة ربنا ومخلصنا يسوع المسيح ) 2 بط 18:3) .
درجة الأستعداد بالسهر والعمل : علينا أن نستعد للقاء العريس وخير مثال على هذا العذارى الحكيمات وكذلك العمل في الوزنات والسهر الذي يقتضي التجنب من الخطايا وتنقية القلب والصلاة والعمل من أجل بناء الكنيسة وخلاص الآخرين والأكثار من كل عمل صالح 1 قو 58:15.
الوصف الرمزي لعرش سليمان في نشيد الأنشاد :
تقول الآية : قد صنع الملك سليمان لنفسه كرسياً “ عرشاً” من خشب لبنان فكانت أعمدته فضة ومتكأه ذهباً ومقعده أرجوانياً وغطاءه الداخلي رصعته بنات أورشليم محبه) نش3 : 9-10 ) .
خشب أرز لبنان قوي ومعمر ومقاوم للتلف ويرمز الى خشبة صليب المسيح الذي هو أعظم من سليمان وحسب قول الرب ( وهنا أعظم من سليمان) أما الفضة فترمز الى الفداء حيث يعني بها الكتاب فضة الفداء أما الذهب فيرمز الى لاهوت المسيح والى البر الألهي . أما القماش الأرجواني الذي هو أفخر الأقمشة ولبس الأباطرة فكان يرمز الى المسيح الذي هو ملك الملوك ولونه هو لون الدم القاني يرمز الى دم الفداء القرمزي . أما عن تاج الملك الذي توجته أمه “ أي الأمة اليهودية” من الشوك في يوم عرسه فهو يوم عرس فدائه, في ذلك اليوم فرح قلب الرب كثيراً وهو يوم موته على الصليب لخلاص العالم من الخطيئة . ومن أروع ما كتبه سليمان في سفر نشيد الأنشاد “ 8: 6-7”عن المحبة فكان :
( لأن المحبة قوية كالموت وأن أعطي الأنسان كل ثروة بيته بدل المحبة تحتقر أحتقارأ ) .
عندما ضرب بطرس أذن العبد بالسيف قال له الرب : أعد السيف الى غمده! الكأس التي أعطاني الآب , ألا أشربها ؟ يو 11:18 , نعم شربها الرب بأرادته وهو مُسمّراً على حشبة الصليب .
أجعلنا يا رب أن نشاركك دائماً في حمل الصليب فنصل في محبتنا وتسامحنا للآخر الى فهم أسرار الصليب يا من بصليبك المقدس خلصت وأفتديت العالم .
بقلم
وردا أسحاق عيسى
وندزر - كندا