." فقال له عبديشوع:
"أتسلم بأن من هو أزلي غير مخلوق هو الإله الحق؟".
ق- أجل إني أسلك بذلك.
ع- أتعترف بأن كل مخلوق غير أزلي إنما هو خليق؟
ق- أجل إني أعترف بذلك.
ع- أوَتعلم أنه لا ينبغي السجود للخلائق، وإن كل من يسجد للخلائق يُغيظ الله خالقها؟
ق- أجل أن ما تقوله هو الحق. ولكن قل لي من الذي يسجد للخلائق؟
ع- أنت وجميع رفاقك الوثنيين تسجدون للخلائق.
ق- إن بيّنت لي إني أسجد للخلائق وأغيظ الله. فإني سأذعن لك بفرح وأتبع تعليمك وأقر بفضلك العظيم.
أما إن لم تبرهن لي عن ذلك، فاعلم أنك قد أهنتني إهانة جسيمة.
ع- ألا تسجد للشمس والقمر والنار والماء والهواء والأرض وتدعوهما آلهة وآلهات؟
ق- بلى، إني أسجد لها لكونها أزلية وغير مخلوقة.
ع- ومن أين علمتم أن النيرات أزلية وعير مخلوقة؟
ق- من مدارها الدائم ومن عدم تغيير طبيعتها ومن كونها مرتكزة في العلى.
ع- إن الخصائص التي ذكرتها عن النيرات، إنما قد نالتها من خالقها الذي إليه يعود المجد لا إليها.
أما كونها غير أزلية فهو واضح لكونها عديمة الحياة. وإن قلت إنها حية، فحا هي حياتها؟ أهي الحياة الحيوانية أم الحياة الناطقة؟
وإذا كانت لها حياة حيوانات، فلماذا لا تقتات مثل الحيوانات، وإذ كانت ناطقة وعاقلة،
فلماذا لا تهدأ وتستريح من مسيرتها في زمان الحر الشديد. فلو كانت الشمس ناطقة، لخففت في الشتاء من شدة البرد ومن لهيب الحر في الصيف،
ولوزعت حرارتها باعتدال في جميع الأمكنة، ولتعبت وتألمت من مسيرتها الدائمة.
فإن كل حي منظور ومتحرك من ذاته يتعب أيضاً. وكل ما ليس حياً ولا يتعب فإنما آخر يحركه.
فالحجر والسهم والعَجَلة تستقي حركتها من آخر، ولذا فهي لا تتعب لأنها ليست حية. أما الطير والحيوانات فتتحرك من ذاتها، فهي تتعب لأنها حية.
فإذا كانت النيرات وعناصر الطبيعة تتحرك من ذاتها فهي حتماً تتعب وتتألم لأنها منظورة.
ولكونها لا تتحرك من ذاتها، لأنها صماء لا نفس لها، فهي إذن لا تتعب، بل تتحرك بقوة الآخرين،
مثل الحجر والسهم والعجلة. فالنيرات والعناصر تتحرك بقوة الله، والحجر والسهم والعجلة تتحرك بقوتنا".
ق- ولماذا إذن لهذه النيرات حركة دائمة ونور وقوة لا تخضع للتغيير والفساد أكثر من الأمور الأرضية؟
ع- لأنها في العالم كأعضاء رئيسية في الجسم، مثل الدماغ والقلب والكبد. فإذا انتزعت من الجسم شعرة أو ظفر أو سن، فإن تلك خسارة جزئية.
إما إذا انتزع الدماغ أو القلب أو الكبد، فينتج من ذلك فقدان الحياة كلها. هكذا إذ أباد أحد الأجزاء الصغيرة المكونة للعالم، كالحيوانات والزروع، فهي خسارة جزئية.
أما لو ترك الخالق النيرات تبيد، فلكان ذلك فساد للعالم كله. فإن النيرات رباط جسم العالم كله،
وهي بمثابة أعضاء رئيسية فيه، وبمثابة عينيه ودماغه، ومنها تأتي الحرارة إلى الأجسام والنباتات، ونظام الأزمنة وترتيب السنين والشهور والأسابيع والأيام.
إلا أنها لا تمتلك هذه الخواص بذاتها، بل نالتها من قوة خالقها وحكمته، في حين أنها هي ذاتها لا حياة لها ولا شعور..
ولهذا فإن النيرات ليست أزلية، بل مخلوقة وعديمة الحياة والشعور، ومن يسجد لها إنما يغيظ الله خالقها. وكذا الشأن مع العناصر، أي الأرض والماء والنار والهواء.
فهي أيضاً مخلوقة وعديمة الحياة والشعور. وكيف ندعو أزلية تلك العناصر التي كل منها يبطل وينقض الآخر.
فالماء ينقض الأرض ويغمرها ويجرفها، والأرض تبتلع المياه التي تغور في جوفها، والهواء يأتي على الماء ويحوّله إلى بخار،
والماء يطفئ النار ويخمدها، ويُحبس الهواء في الظرف ويحترق بالنار ويمتزج بالروائح الكريهة. وقصارى القول:
إن كلاً من هذه العناصر يبيد الآخر، وجميعها تنحل وتتغير وتحتاج إلى بعضها البعض. وكل محتاج إنما هو مخلوق، وكل ما ليس مخلوقاً فهو ليس محتاجاً.
وبديهي أن العناصر يحتاج بعضها إلى بعض لفائدة الجميع. فالأرض بحاجة إلى الماء لتنمية الزروع، والماء يحتاج إلى الهواء ليرفعه ويضخه،
ولا فاعلية للنار دون الحطب الذي ينمو بقوة الأرض والماء والهواء. فالعناصر كلها إذن محتاجة، ومن ثمة فهي مخلوقة.
وإن الأزلي حي ناطق، في حين أن العناصر عديمة الحياة والنطق والشعور. فإن للنباتات والحيوانات حياه:
فالنباتات تنمو وتزهر، والحيوانات تتحرك وتنتقل وتستخدم حواسها. أما العناصر فلا شيء لها من ذلك، بل هي صماء كالحجارة.
ومن ثمة فإن من يسجد لها ويحسبها أزلية فهو بذلك يغضب الله. فبحق إذن دعوتكم ساجدين للخلائق وبعيدين عن الله."
__________________
http://www.assyrianray.com/forum/