سامي بهنام المالح
شعبنا و قضايا الدستور الساخنة
صرح اكثر من عضو من اعضاء لجنة صياغة الدستور، بان اللجان الفرعية اكملت لحد الان الجزء الاكبر من عملها، و يقال ان ما يقارب من الثمانين بالمائة من الدستور قد تمت صياغته دون اختلافات و تعقيدات كبيرة. الا انه يتم التأكيد في الوقت ذاته، على ان ما تبقي من الامور هي الامور العقدية و القضايا التي هي موضع خلاف و التي تحتاج الى المزيد من المشاورات و المناورات و المساومات و العودة الى المراجع السياسية و الدينية. ما هي هذه العقد و ما علاقتها بحقوق شعبنا الكلداني الاشوري السرياني في العراق؟ ان العقد الجوهرية الساخنة هي :
ـ مصادر الدستور و التشريع
ـ علاقة الدين بالدولة
ـ طبيعة النظام الفدرالي الموحد
ـ حقوق المرأة
ـ مكونات الشعب العراقي واسس تسميتها
من المعلوم ان اغلب القوى السياسية العراقية تطالب بدستوري علماني عصري ديمقراطي، وانها تعمل للوصول الى هذا الهدف من خلال تنويع مصادر الدستور وعدم الاقتصار على الاسلام كمصدر وحيد او الاساسي. احد المقترحات العملية والمنطقية هو اعتماد لائحة مبادأ حقوق الانسان والمواثيق الدولية التي تعتمدها الامم المتحدة، لضمان حقوق الانسان العراقي الاساسية والتأسيس للمواطنة المتكافئة، بغض النظر عن الانتماءات الدينية والقومية والطائفية والاكثرية والاقلية.
ان هذا المقترح، او بالاحرى هذه الوجهة، هي الوجهة التي يتبناها تيار العلمانية واغلب التكتلات السياسية وهي في الحقيقة تنسجم جدا مع طبيعة شعبنا الكلداني الاشوري السرياني وانتمائه الديني. فمن المفروض ان تكون كل الاديان مصادر للتشريع ولصياغة الدستور. ويجب احترام جميع الاديان، ويجب ضمان حرية ممارسة الطقوس والتقاليد الدينية للجميع ، بغض النظر عن الاكثرية والاقلية.
الامر االمهم الاخر الذي يجري التاكيد عليه هو فصل الدين عن الدولة. ان هذا الفصل ضروري جدا لمنع بروز وقيام دولة دينية موجهة يستولي فيها رجال الدين على كل السلطة، او تأسيس نظام حكم اسلامي كما في ايران او كما كان في افغانستان. فالديمقراطية التي يتطلع اليها الاغلبية الساحقة من ابناء العراق هي الديمقراطية العلمانية ، التي تتاسس من خلال انتخاب السلطة التشريعية و التنفيذية، والفصل الكامل بين السلطات الثلاث والاحترام المطلق للقضاء المدني، و ضمان التداول السلمي للسلطة، و ضمان الشراكة التامة لكل مكونات الوطن والحقوق الاساسية للمواطن: حق العبادة وحق التعبير عن الرأي والنشر و التنظيم الحزبي والمهني وحق التجمع والتظاهر والاضراب.
ومن القضايا الساخنة الاخرى والتي لها علاقة بوضع شعبنا وحقوقه السياسية والادارية هي قضية الفدرالية. طبعا ان من مصلحة شعبنا ان يكون وطننا موحدا وقويا و متطورا، وان الفدرالية التي هي اتحاد اختياري وشراكة على اساس التكافؤ وتقليص المركزية، هي الحل الانسب لحالة مجتمع متعدد القوميات عانى كثيرا من شوفينية القومية السائدة والسلطة الدكتاتورية، على ان تضمن الفدرالية الحقوق القومية الكاملة لابناء الشعوب التي هي اقل عددا والتي تعيش متوزعة في اكثر من منطقة جغرافية كما هو حال شعبنا.
ولذلك فمن حق شعبنا ان يثير الاهتمام بوضعه في فدرالية اقليم كردستان او اي فدرالية اخرى، وان يطالب بتثبيت الصيغ القانونية للحصول على حقوقه السياسية والادارية وانعاش وتطوير مناطق سكناه التاريخية والمحافظة على طابعها القومي واسترجاع كل القرى والاراضي، وتوفير الظروف القانونية والامنية والاقتصادية لعودة الالاف من المهجرين قسرا والالاف من المهاجرين بحثا عن الامان والحياة الكريمة.
قضية المرأة وحصولها على حقوقها كاملة كانسانة متكافئة ومتساوية للرجل هي قضية ديمقراطية واساسية في بناء نظام علماني معاصر وديمقراطي. فبناء البلد يحتاج الى طاقات نصف المجتمع المتمثل بالمرأة، والمرأة تحتاج الى العمل والمشاركة في العملية الانتاجية والخلق والابداع، لكي تتطور ولكي تتحرر اقتصاديا ولكي تتحمل مسؤولية قرارها وخيارها في الحياة، بعيدا عن تسلط الرجل وهيمنة سلطته ومصالحه. فالنضال من اجل حقوق المرأة هو نضال حقيقي من اجل العدالة الاجتماعية ومن اجل الديمقراطية. لقد لعبت المرأة المسيحية في العراق دورا رياديا ومشرفا في الكثير من المجالات، و حققت مع اخواتها الكثير من الحقوق الاساسية المشرعة في قانون الاحوال المدنية. ان هذه الحقوق مهددة اليوم وعلى كل القوى الانتباه والتهيؤ للدفاع عنها وتطويرها. ان الديمقراطية التي لا تقر الحقوق الكاملة للمرأة ليست بديمقراطية، و ان المجتمع الذي لا يضمن حرية المرأة المتساوية مع حرية الرجل ليس بمجتمعا حرا.
كما وان اعتبار الشعب العراقي يتكون من قوميتين رئيسيتين، وثم تعداد القوميات الاخرى كاقليات وكانها ثانوية، ليس امرا عصريا وديمقراطيا. ان هكذا صياغة تتناقض مع مفهوم المواطنة المتكافئة، وتؤسس لتميز مبني على اساس الاكثرية والاقلية. ان الحل الامثل والمعاصر هو عدم ذكر القوميات في الدستور، والاكتفاء بالاشارة الى ان العراق هو بلد متعدد القوميات والاديان والطوائف. اما اذا ما ذكر اسم قوميتين فيجب التخلص من اعتبارها اساسية، ويجب في الوقت ذاته ذكر القوميات الاخرى باسمائها دون اي اشارة الى انها اقلية او ما شابه.
وهنا تبرز مشكلة التسمية بالنسبة لشعبنا الكلداني الاشوري السرياني، الذي بمجموعه وكونه شعب واحد لم يحصل لحد الان على موقعه الطبيعي. اذ هناك اصرار على انه ياتي في الخانة الرابعة بعد الاخوة التركمان. هذا هو الواقع في حال وحدتنا واتفاقنا على تسمية واحدة ،فكيف يكون الحال اذا ما استجابت لجنة صياغة الدستور الى نداءات بعض الاحزاب والكتل السياسية والاباء من رجال كنائسنا، الداعية الى تثبيت اسمائنا منفصلة والتي ستؤدي بالنتيجة الى تقسيمنا وثم تقسيم قضيتنا وثم تقسيم حقوقنا. ومن هنا، على كل الاطراف وكل الاحزاب وكل الكنائس، ان تدرك خطورة الاستمرار على حالة التشتت والانقسام، وعدم التوافق وعدم الوصول الى حلول تضمن لنا وحدتنا النضالية كشعب واحد، لكي نزداد هيبة واحتراما، ولكي نوحد قضيتنا ونوحد مطاليبنا، وثم نوحد حقوقنا الدينية والقومية ـ السياسية والادارية والثقافية.
ان مستقبل شعبنا الكلداني الاشوري السرياني في العراق مرتبط عضويا بمستقبل العملية السياسية ومدى النجاح في العمل من اجل عراق علماني ديمقراطي فدرالي موحد ومزدهر. وعليه فان نضال شعبنا هو جزء هام واساسي من نضال القوى العلمانية الديمقراطية، وان تعزيز الوحدة النضالية لشعبنا وحصوله على حقوقه المشروعة هو تعزيز للديمقراطية وازدهار العراق.