دور الكنيسة في الوضع العراقي الراهن
اعطو ما لقيصر لقيصر وما لله لله الكنيسة في جوهرها موضع التقاء الله بالبشر فهي بشرية وإلهية في الوقت عينه، ترمي الى بلوغ ملء قامة المسيح في هذا الدهر الحاضر وفي امتداد الدهر الآتي. وهي سر ملكوت الله، ووجودها ثمرةُ حب الله، أسسها في الزمن السيد المسيح الذي بسط سر الملكوت على عيون الناس في كلامه واعماله وحضوره كله. وبسببٍ من انغراسها في الألم، تتجلى الكنيسة في آن واحد جماعة منظورة وشركة روحية، تسير مع البشرية كلها وتنال قسطها من مصير الألم. وهي لذلك بمثابة ضمير وروح للمجتمع البشري الذي ينبغي ان يتحول بفعل شهادتها الى اسرةٍ لله.
لذلك تبدو رسالتها وكانها مخالفة لغاية المجتمع البشري الارضية، اذ أن "الرسالة الخاصة التي القاها المسيح الى الكنيسة ليست من النوع السياسي او الاقتصادي او الاجتماعي، فالهدف الذي حدِّد لها إنما هو هدف ديني" (الكنيسة في عالم اليوم، 42).
انتم في العالم ولستم من العالم الاستقلال الزمني الذاتي الذي تطلبه نصوص المجمع الفاتيكاني الثاني في وثيقة الكنيسة في عالم اليوم هو التعبير الاسمى عن رؤية المسيحية لهويتها ومكانتها ودورها في صميم المجتمع البشري. فالمسيحية روح العالم وملهمة التاريخ، لاتنوي على الاطلاق ان تنوب منابهما، بل جل مبتغاها ان تلقي فيهما بذار الانجيل، إذ "ما من شريعة بشرية تستطيع ان تجعل الكرامة الشخصية والحرية في مأمن من الضياع كما يفعله انجيل المسيح الذي أودع الكنيسة. فهذا الإنجيل يبشر بحرية ابناء الله ويُعلنها ويحترم احتراماً مقدساً كرامة الضمير وحرية اختياره" (الكنيسة في عامل اليوم، 41).
إن الكنيسة، التي هي شعب الله الذي وعى هويته السَّنية، والعالم الذي هو شعب الله الذي لّم يعِ بعد هذه الهوية، يتماسكان، سواءً ارتضيا ذلك أم لم يرتضياه، في وحدة قصد ومصير قوامها خير الانسان وخلاصه الشامل وبهذا الصدد يقول المجمع ان "الرسالة المسيحية لا تعوق البشر عن بناء العالم، ولا تحملهم على التغافل عما هو خير لأبناء جنسهم، بل تجعل لهم من ذلك واجباً حتمياً لا محيد عنه" (34) لذلك "على المسيحيين السائرين الى المدينة السماوية ان يطلبوا ما هو فوق ويتذوقوه، وهذا لا ينقص بل يزيد ما عليهم من أهمية الواجب الذي يقضي بان يعملوا مع جميع الناس على بناء عالم اكثر انسانية" (57).
إلا ان هذا التماسك ينبغي ألا ينقلب تمازجاً وتماهياً، لأن "الكنيسة، في جوهر رسالتها وطبيعتها، غير مرتبطة باي صيغة خاصة من صيغ الثقافة البشرية، ولا بأي نظام من أنظمة السياسة او الاقتصاد او الاجتماع، وهي بشموليتها هذه تستطيع ان تكون اوثق رابط بين شتى الجماعات البشرية وبين شتى الامم" (42). ووفقاً لهذا الاعتبار، تنفصل الجماعة السياسية والكنسية الواحدة عن الأخرى ويلتقيان كلاهما في خدمة الإنسان ومجتمع البشر " الكنيسة في مهمتها وصلاحيتها، لا تندمج في الجماعة السياسية بحال من الأحوال ولا ترتبط بأي نظام سياسي، وهي علامة ترفع الشخص الإنساني" (76).
اذن المسيحية تقر باستقلال الشؤون الزمنية البحتة وبانها هي، بسببٍ من طبيعة رسالتها، غير مؤهلة للأضطلاع بميادين العلم وحقول الاقتصاد ومضامير الاجتماع والسياسة. فينبغي اذن التمييز النظري في فكر المسيحية بين مسلك الإنسان المواطن الذي يستمد حكمه العملي والعلمي على شؤون زمنه من معين طبيعة الأمور التي يتعاطاها، ومسلك الإنسان المؤمن الذي يستمد حكمه الأدبي او الاخلاقي والديني او المعياري على شؤون الزمن عينها من معين ضميره المستضيء بنور الإنجيل. لذلك يوصي المجمع ان يعيش "المؤمنون متحدين بابناء عصرهم اتحاداً وثيقاً جداً؛ وليحاولوا ان يتفهموا تفهماً كاملاً طرائق تفكيرهم وشعورهم التي تنطق في ثقافتهم" (62) "كما أنه لمن المهم جداً،ولاسيما في المجتمعات التعدّدية، ان يُنظر نظرةً قويمة الى العلاقة بين الجماعة السياسية والكنسية، وبين الاعمال التي يقوم بها المؤمنون، أفراداً وجماعات، باسمهم كمواطنين يقودهم ضميرُهم المسيحي، والاعمال التي يقومون بها باسم الكنيسة وبالتعاون مع رعاتهم" (76).
كما ويعي المجمع وعياً متنامياً تعاظم شأن التعددية الدينية والفكرية والايدلوجية والسياسية في مجتمعات العصر الحاضر، أخذ يُقرّ بحرية الانسان المطلقة في البحث عن هوية قناعاته "يجب ان يمتد الاحترام والمحبة الى اولئك الذين يخالفوننا تفكيراً وعملاً في أمور الاجتماع والسياسة او الدين. وبمقدار ما نعمل بإنسانية ومحبة على تفهم نظرياتهم تفهماً أعمق يصبح الحوار معهم أشد سهولة. وغنيٌّ عن القول أنه لا يجوز البتة أن تجعلنا هذه المحبة وهذه الملاينة غير عابئين بالحق او الخير. والمحبة نفسها هي التي حملت رسل المسيح الى تبشير جميع البشر بالحقيقة الخلاصية" (28).[/b]