مشاهد على الطريق
جبرائيل مومكا
المشهد الاول /طريق واسع وعريض جداًكنت سائراً بسيارتي القديمة بسرعة هائلة في طريق واسع وعريض جداً جداً بحيث لم استطع رؤية نهاية عرضه ولا طوله. حديث جداً ونظيف جداً غريب وعجيب علينا نحن العراقيون ان نرى هكذا طرق مبلطة تبليطاً فنياً وحديثاً وعند مفترق الطريق رأيت طرقاً أخرى بنفس السعة ومماثلة تؤدي شمالا وشرقا وغربا عندها استوقفني منظراً عجيباً غريباً وغير مألوف ، رأيت سائقي المركبات مترجلين عن مركباتهم وهم يشحذون ولكن شحاذون من طراز خاص وغريب ينثرون ويدحرجون بأياديهم تفاحاً كثيراً جداً وبألوان منه الأخضر ومنه الأحمر ومنه الأصفر وينادون على السائرين في الطريق والواقفين خذوا تفاحاً مجاناً ثواباً صدقة المحسنين. فسألتهم ((ولكن من أين لكم كل هذه الكمية الكبيرة من التفاح والتفاح حسرة على العراقيين)) أجابوني جميعهم وبصوت عال مجتمعين لقد شحذناه من أصحاب المروءة والشهامة والمحسنين. فقلت لهم:(إذن لماذا تنثرونه هكذا وتبعثرونه في الطريق على الأرض كأنه لا قيمة له لديكم وتطلبون منا أن نأخذ منه ما نشاء). فأجابوني :نحن هنا منذ أمد طويل فشبعنا منه وأصبح لدينا مبذولاً ولا قيمة له عندنا. فقلت عجيب أمور غريب قضية.
المشهد الثاني /مظاهرة عارمةأثناء كلامي معهم واندهاشي من هذا المنظر الغير مألوف والغريب حقاً والذي لم استطيع تفسيراً له في حينه فاجئني منظراً آخر أكثر غرابة في الطريق المقابل إذ رأيت حشداً هائلاً من الناس لا يعدون ولا يحصون يسيرون في مظاهرة عارمة منفعلون ومتحمسون وكأنهم ثوار يريدون إسقاط الحكومة الظالمة لتخليص الشعب من الفقر والجوع والتخلف والأمية وسؤ الأخلاق أو أنهم ثائرون على الأوضاع الأمنية السيئة أو يريدون إنزال القصاص بأصحاب الرشاوي وبالقتلة وسراق قوت الشعب وأصحاب المفخخات والإرهابيين الذين يدمرون البلد. أو إنهم يطالبون بتوفير الكهرباء والماء ومفردات الحصة التموينية أو توفير الوقود ليخفف من معانات الناس. اندهشت من هذا الكم الهائل من الناس وفكرت في نفسي لابد أن يكون هنالك قد حدث أمر جلل يكون في مصلحة الوطن والشعب فالتحقت بهذه المظاهرة لمعرفة ما يجري فاندفعت نحوهم لأسمع هتافاتهم وشعاراتهم عسى ولعله أخيراً تحنن الله وتفقد هذا الشعب المسكين وأرسل هذا الجمع ليكون بادرة خير وأداة صالحة في تغير أوضاع البلد نحو الأحسن وعندما اقتربت أكثر نحو قائد المظاهر والذين يهتفون أصابني الذهول من هتافاتهم المقززة والتي تقول : ارجموها ارجموها الزانية طبقوا شريعة الله بحق الزانية. وإذا بالرجل معلم الشريعة يقود هذه المظاهرة المفزعة لا بل هذه القطعان من الماشية يثير فيهم الحماس لرجمها كلما هدءوا أو فترت عزيمتهم. اقتربت أكثر من المرأة المقصودة لاطلع على الأمر وأتأمل وجهها وهيئتها فوجدت في نظراتها الحشمة وفي وجهها براءة الأطفال وطهارة ووقار المؤمنات الشهيدات اللائي كان يسوقهن عباد النار والأوثان إلى ميادين التعذيب والقتل والحرق بسبب إيمانهن بربهن ومخلصهن أيام الاضطهادات المتكررة على المؤمنين.
بعد التأمل ملياً جازفت فتطوعت للدفاع عن هذه المرأة المسكينة. ولكن قبل أن أتقدم بدفاعي عنها وإذا بالرجل الذي اتهم معها بالزنى يرفع صوته عالياً وبكل جرأة عرفت من نبرات صوته وحماسه إنه والمرأة بريئان من التهمة الملصقة بهما محاولاً تفنيد مزاعم رجل الدين معلم الشريعة الذي اتهمهما بالزنى وحكم عليهما بالرجم قال الرجل:يا ناس يا عالم إن هذه المرأة طاهرة طهارة المؤمنات المصونات اتقوا الله في خلقه لا تظلموا بريئاً،ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) ولكن ضاع صوته بين الحشد هباء منثوراً وعصفاً مأكولاً. لا احد يصغي إلى الرجل لان رجل دين يثير فيهم الحقد والحماس لرجم هذه السيدة الوقورة. اقتربت أكثر من الجموع ودخلت وسط حلبة الصراع ما بين الخير والشر محاولاً تغليب الخير على الشر أتقنت تماماً إن المرأة والرجل الذي معها بريئان من التهمة بعد أن تمعنت ملياًُ بهما وسألتهما سؤالاً فيه إحراجاً واستفزازاً لهما بالرغم من يقيني انهما بريئان :(ألا تخجلان من نفسيكما لتقوما بفعل يغضب الله؟)وأنا انظر إلى معلم الشريعة بنظرات الريبة والشك بما يفعله وإذا به يخفض نظره إلى الأرض متيقن من أني اتهمه بالظلم وأعرف نواياه الخبيثة وأفعاله الشريرة ومراآته ودجله ونفاقه لابساً ثوب حمل وهو في داخله ذئب خاطف.
فأجابت المرأة بكل حياء ورقاء:((أنا لم افعل أي فعل يغضب الله ولا هذا الرجل ولكن الذي اغضب الله هو الذي يدعى الحرص على الشريعة فقلت وكيف ذلك؟أجابت قائلة كل ما في الأمر كنت ماشية في الطريق تعثرت بعبائتي فوقعت أرضاً وأنكشف وجهي وجزء من جسمي ولم أستطع النهوض)) قلت لها ((وما الخطأ في الأمر؟)) قالت

(هذا الرجل كان ماشياً خلفي فأسرع لمساعدتي في النهوض وكساني بعبائتي جزاه الله ألف خير. وكان معلم الشريعة يتربص في لكي يوقع بي ويتهمني بفعل مشين مع هذا الرجل. سألتها:((ولكن لماذا؟))أجابت:((طلب مني تفاحة حواء فرفضت)). فهمت قصدها ولكن الجموع لم تفهم عليها شيئاً فطلبت منها إيضاح الأمر للجموع فقالت بالعبارة الصريحة

(إن هذا المتسربل بلباس الدين أراد أن يزني بي ويغضب الله. هذا الذي يدعي التقوى والحرص على تطبيق سنة الله.))
فتعالى صوت هذا الرجل دفاعاً عن نفسه ومحاولا ًتضليل رأي الناس مرة أخرى قائلاً:أعوذ بالله إنها عاهرة ارجموها طبقوا بحقها الشريعة.فأشتد غضب الجموع الساذجة مرة أخرى لسوقها إلى ميدان الرجم بعد فترة قصيرة من الهدوء.
عندئذ رفعت صوتي عالياً طالباً من الجموع أن يصغوا إليَّ مجدداً فهدءوا قليلاً وفي هذه الأثناء تقدما نحوي وأمام الجموع رجلاً وامرأة وطلبا مني الإدلاء بشهادتهما فرحبت بهما وقلت لهما بكل سرور تفضلا.فتكلما معا وبأعلى صوتهما: (إن هذه المرأة وهذا الرجل صادقان فيما يقولان وإن رجل الدين ظالم وشرير لا تصدقوه، وكل امرأة جميلة يهواها ويطلب منها فعل الحرام وعندما ترفض طلبه يكون مصيرها مصير هذه السيدة الفاضلة.
تذكرت قول ربنا وسيدنا يسوع المسيح (له المجد) عندما قال للذين كانوا يرجمون المرأة الزانية من الكتبة والفريسيين معلمي الناموس والمراؤن

(من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر)) تلوت الآية الكريمة على الملأ بأعلى صوتي فساد هدوء رهيب وصوت مطبق واذا بالجموع الحاشدة الغاضبة يطاطؤن رؤوسهم نحو الأرض وتنكشف أمامهم خطاياهم وأفعالهم المقرفة جميعاً فتراجعوا إلى الوراء وهم نادمون على خطاياهم وسوء سيرهم وأفعالهم الشريرة فانقلبوا على معلمهم الفاسد عندما ظهر على حقيقته وبدؤوا بملاحقته ليرجموه بدلاً عن تلك السيدة البريئة عندما ولى هارباً.
وجدت نفسي وحدي مع السيدة والرجل الذي كان معها فرددت قاصداً الجموع عليهم قول رب المجد اذهبوا مغفورة لكم خطاياكم ولا تعودوا إلى الخطيئة مرة ثانية.
قفزت من المنصة التي كنت اتخذها بين تلك الحشود للدفاع عن تلك السيدة وأنا في قمة السرور والبهجة بإنقاذي إنسانة بريئة من الظلم وفضح الظالم وإحقاق الحق ودحر الباطل. قائلاً في نفسي

(طوبى للذي يفعل الخير ويبتعد عن الشر ويعمل لمجد الله)).