كان السيد (جود اول) المعلم الانكليزي في الموصل قد رفع بعض هذه الاعمال الدنيئة في تقرير
موجه الى الميجر ويلسن والذي بدوره لم يستطع ازاءها عمل اي شيء سوى رفع التقارير الى جهات
اخرى. تلك هي الاخلاق التي كانت تعلم للاطفال المسيحيين في مدارس العرب الحكومية. وخلال فترة
قصيرة ستصبح بدون شك، التعاليم المسيحية المحتضرة صفحة قديمة من التاريخ.
لقد كانت كافة الصعوبات الممكنة والعراقيل توضع عمدا في سبيل المسيحيين. ففي عام 1928
مثلا، قدم مطران زاخو (بطرس عزيز) طلبا لفتح مدرسة لتعليم الفتيات، كان سيقوم على ادارتها
راهبات من العراق. وملاحقة الطلب على مدى ثلاثة سنوات من قبل مار عمانوئيل في بغداد والمطران
يوسف غنيمة في الموصل الا انه قبل بالرفض اخيرا. وبرر المتصرف العربي الرفض بالكتابة الى
بغداد قائللا:
"...وبسبب ترعرع الراهبات في جو فرنسي، فاننا نخشى من نشر الاعلام الموالي لفرنسا في تلك
المنطقة."
انني لا اعتقد ان فرنسا بحاجة الى خدمة راهبتين من العراق لنشر الاعلام الموالي لها، او عن
سوء معاملة - الغير عرب -. ان اجحاف الرسميين العراقيين العرب كاف بحد ذاته ضدهم. ولم تكن
هذه طبعا، الا احدى الذرائع لاعاقة اعمال البعثات التبشيرية، ولارغام الفتيات المسيحيات بالذهاب الى
المدارس الحكومية ليتعلموا فيها التربية والاخلاق التي علمت للاطفال.
في كثير من القرى المسيحية، حرمت اعداد كبيرة جدا حتى من التعليم الابتدائي بحجة عدم توفر
الامكانيات اللازمة. وقرى اخرى حيث حشدوا اكثر من اربعمائة طفل بين جدران ثلاثة غرف صغيرة،
مع ان قرى كهذه تساهم بمبالغ طائلة الى الميزانية العامة. اما العذر برفض اكثر من مئة وخمسين طفلا
في قرية اخرى لم يكن سوى عدم توفر الغرف الكافية لاستيعابهم.
ان الذرائع بعدم توفر الامكانيات اللازمة في هذه المدارس ليست الوحيدة فحسب، بل واضافة على
ذلك، فانها لا تملك صفوف مرحلة كاملة، والتي تتكون عادة من ست صفوف تمكنهم في حال انتهاء
المرحلة الابتدائية، للانتقال الى المرحلة المتوسطة. ان الزمن آت حين سيملك العرب ثقافة عالية تفوق
ثقافة - غير العرب - وذلك بحصر كل الطاقات والامكانيات وتهيئتها من اجلهم. وستتمكن الحكومة
العراقية من تحقيق اهدافها الكامنة وراء غلق ابواب الفرص آليا بوجه المسيحيين والاقليات الاخرى
لمنعهم من تحصيل قوت الحياة بالسهولة مثل العرب.
وفي القرى العربية التي يقل عدد سكان اكبرها عن اية قرية من قرى - غير العرب - فنجد فيها
عادة، اكثر من مدرسة ابتدائية كاملة الصفوف، قائمة بالعمل. اما في المدارس المتوسطة فان تعليم
القرآن فيها امر الزامي.
ومن المعتاد ممن يرغب الانضمام الى المدرسة الحصول على تصريح من الهيئة الاختيارية
للمنطقة تفيد عن مقدرته على دفع الاقساط المدرسية. وقد طرأت حالات كثيرة - للحد من نسبة
المتعلمين من / غير العرب / - برفض طلباتهم للانتساب الى المدرسة رغم تقديمهم التصاريح
المصدقة بوضوح من قبل الهيئة الاختيارية المعروفة، في حين تقبل طلبات تلامذة العرب في الحال،
والتي تكون موضع الشبهات حول صحة تواقيع الهيئة.
ان التأثير الآني، والتأثير الاكثر فعالية في المدى البعيد يتبنى تلك الخطط، تكمن في اقلال الغالبية
المسيحية في المدارس المتوسطة في الموصل مثلا، الى (اقلية) في حين ان المدرسة باعتبارها ذات
الغالبية المسيحية كانت تغلق بعد ظهر ايام الآحاد وطوال ايام الجمعة، بعد الغاء عطلة ايام الآحاد في
هذه المدارس، واعتبار الجمعة العطلة الرسمية.
الم يكن السير (همفري) يعلم هذه الحقائق؟ ام ان قصر كاظم باشا كان بعيدا، ليرى الامور على
حقيقتها..؟؟.
حدث ان شغرت بعض المناصب في وزارة التعليم عام 1929 فقدمت احدى واربعون معلمة، من
بينهن سبعة وثلاثين معلمة مسيحية طلبات لها. ففي حين اجتازت ستة وثلاثون معلمة مسيحية، الامتحان
بتفوق، ورسبن المعلمات العربيات الاربعة، فلم يتم تعين الاربعة الاخيرات فحسب، بل اعلموا
المعلمات المسيحيات (بعدم وجود شواغر لهن).
ورغم التقارير الرسمية العديدة التي قدمها الميجر (ويلسن) من نفس الفترة بالذات، الى جانب كون
شقيقة السيد (..) احد السريان الكاثوليك، والتي تشغل الغرفة المجاورة لغرفة الميجر ويلسون احدى
المعلمات المسيحيات اللواتي اخبرن بعدم وجود الشواغر لهن. الى جانب هذه التفرقة والتعصب الاعمى
من جانب الحكومة العراقية ككل، فقد ملك السير (فرانسيس همفري) الشجاعة، ليصرح امام الهيئة
الدائمة للانتداب (بعدالة) الحكومة العراقية تجاه رعيتها. ومن خلال الضغط الاقتصادي السلاح الاكثر
هولا في ايدي العرب (العادلين) فان الفلاح الكلداني يجد نفسه دائما تحت رحمة رؤسائه المسؤولين
والمساومين العرب، وقد ادنوا مرتبته الى منزله رقيق الارض ليس اكثر.
لقد اكد السير (لونغ ريغ) مفتش المالية العام آنذاك صحة سجلات المفتشين الاداريين الرسمية في
العراق، بان الاداريين العرب اللذين كانوا في الوقت نفسه مدراء للجباية يؤمنون عن قيام الاداريين
السابقين بجمع الضرائب الباهظة - غير الشرعية - لاظهار فائض ضروري للمتطلبات المتزايدة في
الميزانية، على التحصيلات القانونية، بغية الحصول على الترقيات الممنوحة على اسس المعطيات. كما
جاء في هذه السجلات، ان المسؤولين العرب انفسهم لا يفهمون قوانين المالية الموضوعة من قبل
السلطات المركزية في بغداد فحسب بل ويتوقعون منهم فرضها على هذه المناطق النائية.
ان هذه الحالة من الامور، ادت دائما الى مشاكل اقتصادية نحو الفلاحين من - غير العرب -
اللذين ليس بمقدورهم ضمان العدل والمساواة عن طريق رفع الامور الى السلطات العليا. الا ان
هؤلاءيجدون بعض الراحة من خلال الرشوة، حيث اصبحت ممارستها في مديريات المالية العراقيةن
احدى الامور الطبيعية. وقد اعترفت بها في مطلع هذا العام الجريدة الرسمية، واخذت الحكومة العراقية
بعض الخطوات بعين الاعتبار - على الورق - للحد من ممارستها. وستكون هذه الاجراءات بدون
فائدة حقيقية، ولن تقدم حلا، لان ... المرؤوسين انما يقتدون بخطى رؤسائهم، الولعين بهذا النشاط. اما
مصدر الثروات الهائلة التي اقتناها هؤلاء فواضحة كعين الشمس بحيث لا تحتاج الى براهن. ويكفي
القول ان مدير المالية العام الحالي والذي تنظر اليه الامة العراقية باستثناء الاكراد، كمخلص من (النير
البريطاني) انما هو الطفل الوضيع الاوحد من بين الجميع، وقد اصبح بالوسائل الدنيئة المعروفة، مالكا
لخمسة وثلاثين مضخة مائية للري على نهري دجلة والفرات. كانت قد اعدت هذه الحقائق قبل اربعة
اعوام في لواء بغداد، وبدون شك فان عددها يجب ان يكون قد ازداد، عما كان عليه منذ ذلك الحين
حتى الان.
اما القتل فامر عادي في العراق وثمانون بالمئة من الجرائم التي يقترفها العرب يقع ضحيتها
المسيحيون والاقليات الاخرى، وتمر بدون ملاحقة قانونية، لان الرسميين العرب يقتسمون في اكثر
الحالات الغنائم مع المجرمين انفسهم. واذا حدث وساقوا المجرمين الى العدالة - على غرابة ذلك -
فانهم ينجون باحكام طفيفة جدا. اذ بامكان الواحد ان يجد امام ابواب المحاكم القضائية، وعلى الاخص
في بغداد، عددا كبيرا من العرب على استعداد مقابل حفنة من النقود يتفق عليها مسبقا للادلاء بافاداتهم،
مع او ضد اية قضية اجرامية تشملها مواد القانون المدني رغم الادلة والوقائع. ولكن .. لن تجد امام
تلك الابواب احدا من الاكراد، او - غير العرب - .
ان القضايا التالية تشمل نسبة ضئيلة جدا من اصل الجرائم المرتكبة، ومع انها ليست في غاية
الكتاب تقديم قائمة كاملة بها، حيث ستتطلب مجلدات هائلة لايرادها، انما الغاية منها منح القارئ اللبيب
لمحة عن (سير العدالة والمساواة) في العراق.
في عام 1930 توجه اربعة من الآشوريين الكلدان العزل من السلاح من قريتي (القوش) و (تل
كيف) المسيحيتين نحو (العمادية) لشراء بعض المواد الغذائية للقريتين.
فتعرض لهم في طريق العودة قطاع الطرق العرب، فربطوهم بالحبال صفا واحدا، يواجه كل اثنين
منهم احدهم الاخر واطلقوا رصاصة واحدة اخترقت الاربعة، عملا بما يقوله العرب: ان (الكفار) لا
يستحقون اكثر من رصاصة واحدة. فقام رجال الشرطة كالعادة بتحقيق بسيط جدا، وافادوا في تقريرهم
ان اللصوص الاتراك قاموا بارتكاب هذه الجرائم البشعة.
ان مكان الجريمة يبعد تسعين كيلو مترا من اقرب نقطة من الحدود التركية. وعلى افتراض صحة
رواية الشرطة العراقية في التقرير، وفي هذه الحالة، فان ادانة الفرع كانت احدى الامور التي تستلزم
ذلك، اذ كيف تمكن لصوص الاتراك من اجتياز مئة وثمانين كيلو مترا يقودون احدى عشر دابة محملة
للمسيحيين، دون ان تلاحظها شرطة المخافر العراقية؟ ان اللصوص العرب قد ارتكبوا تلك الجرائم
البشعة، بدون اي شك وعلى ارض العراق. ومرة اخرى باعتبار تصديق رواية الشرطة العراقية في
هذه الحالة لا بد ان يكون هؤلاء قد شاركوا قطاع الطرق الاتراك على اقتسام الغنيمة كما يفعلون عادة.
وفي اغلب الاحوال حين يكون - غير العرب - الضحايا، فان المسؤولية دائما تلقى على رقاب
(الكماليين) لارغام اقربائهم بالكف عن طلب العدالة، ولان البت فيها كان يؤخذ مرة كل ستة اشهر.
بوصول الشرطة الى مكان الجريمة التي وجدوا فيها جثث الاربعة، فانهم اكتشفوا على مبعدة امتار
منها جثة اخرى نهشتها الاوابد، وتأكدوا بواسطة غطاء الرأس انها جثة احد الآشوريين. اما (هرمز
شيوتا) احد الكلدانيين فقد لقى مصرعه بنفس الطريقة الشنيعة، ولم تقم السلطات العراقية بأخذ اي اجراء
او تحقيق لسوق المجرمين الى العدالة.
وبما ان السؤال في هذه الفترة عن تحرير العراق كان المحور في كافة الامور، فقد ارتقبت
الاقليات اسوء الشرور للمستقبل، وبسبب تقديمهم العرائض الى عصبة الامم مسبقا فقد اخذت الحكومة
العراقية اجراءات وخطوات مشددة لتهديدهم بالانتقام فيما اذا اصروا على متابعة العرائض.
اما اقرباء الضحايا الاربعة، فقد ارغمهم قائم مقام المنطقة المعنية بارسال البرقية التالية:
"ان الجهود الجبارة (كذا) التي بذلتها حكومتنا المقدسة (كذا) لاكتشاف جثث اقرباءنا الاربعة
الابرياء، والبحث عن دوابهم، تدعونا لنعبر عن فائق شكرنا بواسطة الصحافة وبالاخص (مكي بيك
الشرباتي) قائم مقام دهوك و (مجيد بيك) قائم مقام العمادية المحترمين."
ان قائم مقامات المناطق انفسهم يقومون على صوغ مثل تلك البرقيات، وبسبب الخوف من انتقام
المسؤولين العرب في المستقبل، فان المعنيين يضطرون للتصديق على صحتها بوضع اختامهم
وتواقيعهم عليها. اما الجهود الجبارة التي تستشهد بها البرقية، فلا اساس فيها من الصحة بتاتا. فقد
اكتشف اقرباء الضحايا الجثث، وليس رجال الشرطة كما بدا، واهتمام هيئة الانتداب الدائم باقدار
الاقليات آنئذ، فان برقيات كهذه كانت ضرورية جدا لخدمة القضية العربية.
في الخامس من ايلول عام 1930 نشرت جريدة (يونيفرس)، اللندنية ومن مصدر موثوق من
السلطات الدينية الكاثوليكية في الموصل بهذه المعلومات:
"تعرضت قرى الكلدان في مقاطعة زاخو وحدها خلال مدة ثلاثة اعوام فقط، لاثنتين وعشرين غارة
ذهب ضحيتها ثمانية عشرة قتيلا ومثلوا بجثث ثمانية آخرين وخسارة الف وثمانمئة من الاغنام.
وتعرضت (سينات) لغارة اخرى في عام 1929 ذهب ضحيتها (يوسف بتو وجوزيف غاردي
ويونان داؤود).
وغارة اخرى عام 1930 قتل على اثرها (ابو توما - 15 سنة و يوسف ميخا - 12 سنة) وسوق
مئتين من الاغنام. وفي طريق العودة فان اللصوص صادفوا راعيا مسيحيا اخر (ابراهيم شمو) فقتلوه
بطريقة وحشية.
ان نفس القرية تعرضت للنهب للمرة الخامسة والعشرين خلال الاشهر الستة الماضية، وسيقت منها
اكثر من خمسمئة من الاغنام."
وليست هذه القرية الكاثوليكية الوحيدة التي تتعرض للغارات والنهب. وتقاعس الحكومة العراقية
عن اخذ الاجراءات لردعها، ينبع من هدفها غير المشكوك فيه ... بالقضاء التدريجي على هذا الشعب
البائس.
اما حين تعرض منزل (رشيد عالي الكيلاني) للسطو، حالما اصبح رئيسا للوزارة، فان المتهمين
العرب سرعان ما قدموا للعدالة خلال اربعة وعشرين ساعة من الحادثة.
والمتهم في سرقة (رستان حيدر) - هذه الحشرة اللاجئة الى العراق تحت وصاية الملك - فقد القي
القبض على المتهم حالا. فهل بامكان القارئ، ومعرفته بالحقائق ان يؤمن بتصاريح الحكومة العراقية
وصحتها وعن قناعة الكلدان وتأييدهم لها ؟.
خلال الاسبوع الثاني من ايار عام 1933 تعرض ثلاثة من الكلدان لابشع جريمة قتل على ايدي
(الحديديين) العرب من قرية (باسيفني) شرقي عين سيفني من قضاء شيخان في لواء الموصل.
كان الظلام قد حل على (متى تشونا و كبرئيل مقدسي واسطيفان شمعون تاتا) من بلدة (القوش) قبل
وصولهم الى منازلهم. فاضطروا تلك الليلة ليحلوا ضيوفا على جيرانهم العرب. وبعد ان قدم لهم
مضيفيهم القهوة، انكفأوا على انفسهم للحصول على بعض الراحة. وفي حدود الساعة التاسعة من تلك
الليلة، تسلل المضيفين عليهم وهم نيام، فعملوا فيهم بالسكاكين والخناجر، وحملوا جثثهم والقوها بعيدا
عن طريق عابري السبيل. الا ان اسطيفان شمعون تاتا نجا من الموت بمعجزة ليخبر عن مصير رفاقه
المؤلم. ان الدافع وراء هذه الجرائم لم تكن السرقة حتى تصنف (عادية). وبالنسبة لمعاقبة هؤلاء
المجرمين فانهم سيظلوا كما في الحالات السابقة بدون ملاحقة. ولربما سيحاكمون بموجب قوانين
الجرائم والنزاعات المدنية المحلية. وبما ان باب الرشوة والفساد واسع جدا تحت هذه الانظمة والقوانين،
فان هدية لا تعدو الخمسين ليرة تكفي لاعلان برائتهم.