أول حب في حياتي
كنت في ربيعي الرابع عشر ، في قريةجميلة هادئة هانئة ،تحيطها البساتين بإشجارها الوارفة
من كل جانب ، ويجري بجانبها نهراً رائعاً ، يتحلزن كما تتحلزن الحية بين المروج الخضر .
صبية بريئة وفي غاية الجمال ، هذا ما طرق سمعي،وتحسدني على جمالي صديقاتي .
وكان في القرية شابا ًوسيما ً يكبرني بأربع سنوات ، وكان مثار إعجاب كل بنات القرية دون
إستثناء وأنا من ضمنهنّ .
وفي يوم كنت في طريقي إلى المدرسة ، سمعته وهو ماشياً ورائي مع أمه ، أريد هذه البنت
زوجة لي ، فكانت خطواتي تتسع ،فأسرعت المسير ، وأنا أكاد أطير فرحاً وسعادة ، وكأني
غير مصدّقة ما سمعت ، وأصبحت أفكربه طوال اليوم ، ولما أقبل الليل أصابني الأرق من
شدّة التفكير ، وكلماته لا تزال ترنُّ ُ في مسمعي ( أريد هذه البنت زوجة لي) ، وبقيت الأمور
كما هي ، ينظرنحوي من بعيد ، فلا أقوى النظر في عينيه ، حيث البيئة محافظة جداً ، ولا أقوى
حتى على الإبتسامة من شدّة الخجل والحياء ، وعند إنتهاء دوام المدرسة ، كان يقف على التلة
المقابلة لدارنا بحجةالدراسة ، وأنا أسترق النظر إليه خلال الشباك ،خوفاً من الأهل والجيران .
وفي يوم جاءني أحد أصدقائه ، وكان قريباً لي ، ودسّ في يديّ رسالة غرامية منه ، يعبرفيها
عن مدى إعجابه وحبه وهيامه لي ، من دون بنات القرية .
فأعترتني فرحة غامرة ، ولا أدري ما العمل ، فانا لم أكتب رسالة في حياتي ، ولا أدري كيف
وماذا أكتب ، فذهبت إلى المكتبة ، وإشتريت كتيّب ( رسائل حب ) ، فإخترت إحداها وأرسلتها له
مع قريبي ، فأعطاها له ، وكنت أنظر من خلال الشباك وهو يقرأها على التلة المقابلة لدارنا ،لإرى
رّد الفعل لديه ، فكان يقفز بين الحين والأخر فرحاً ، وأنا أقفز من جانبي داخل غرفتي ، ولكن الحياء
يمنعني أن أعبر عما بداخلي من شوق ومحبة تجاهه ، لأي فرد كان خوفاً لإفتضاح أمري ،وظلّ سراً
في فكري ووجداني لا يعلم به غير قريبي .
وإنتهت السنة الدراسية ،ودارت الأيام وتوالت الشهوروالسنين وإنتقلنا من القرية إلى بغداد ،
فلم نرَ بعضنا سنين طويلة ، وإنهمكنا بالدراسة والعمل ومشاكل الحياة ، وطرق سمعي إنه تزوج ، فكان الخبر كوقع الصاعقة ، فتزوجت أنا بدوري ، لعل وعسى أن ينسيني طيفه الذي كان حلماً ، فغدا
سراباً ، تلاشى عند شروق شمس الحقيقة .
الأيام تترى وتمرّ الأعوام بسرعة ، إلى أن شاءت الصدف أن أراه في حفلة زواج ، فلم أعرفه ، لكنه تقدّم مني وعرّفني بنفسه ، فلم أصدق ما رأيت ، حيث كان الشيب قد غزا مفارقه ، وقسوة الدهر
تركت تجاعيدها على تلك الوجنات الغضة ، وتحول من ذلك الشاب المارد المليء بالحيوية والعنفوان ، إلى كهل ، فقلت له : هل لا تزال تحبني ؟ كما جاء برسالتك التي كتبتها لي يوما من الأيام؟
قال والدمعة سالت وتدحرجت على خدّه الأيمن ، نعم يا حبيبتي ، أنت الحب الأول الصادق في حياتي ، وسأظلُ اهواكِ ما حييت ، فإغرورقت مآقينا سوية بدموع الأسى والندم على حبنا الضائع .
قلت له : إنسَ لأنك رجلاً متزوجاً ولديك أطفالاً ، وأنا أيضاً إمرأة متزوجة ، فلا يحق لنا إجتياز
الحدود الممنوعة شرعاً وعرفاً ، ولكن إحتفظ بذكرى حبنا البريء الجميل الطاهر ، وليس لنا إلا
البقاء على الذكرى .
وفي تلك اللحظة تقدمت زوجته نحونا ، فقدّمني إليها قائلا ، كنا في نفس مدرسة الطفولة ، فحييتها
وإفترقنا ،وفي عيني كلانا كلام وعتاب وألم ولوعة قد لا تسعه الكتب والمجلدات .
وستبقى تلك الذكريات المخملية ،وذلك الحبّ الصامت والجارف والفيّاض بكل أحاسيسه وجماليته
أجمل ما عرفت ، لأنه كان أول حب صادق وحقيقي ، وستظل ذكراه العطرة ، تداعب مشاعري ،
كلما أشرقت الشمس ، أوعند المغيب ،وسأرى ذلك الحب العذري ، في كل ضحكة طفل ،وفي كل
شدو بلبل ، وأراه في خرير الماء ، وكلما يقبل الربيع ، وأرى كل زهرة في المروج الخضر ، تعبر
بشكل أو بأخر عن ذلك الحبّ الضائع ، وكلانا كان مسؤولاً عن ذلك الضياع .
هذه قصةحقيقية روتها لي صاحبة هذا الحب الخالد والضائع ، فكل شيء إلى الزوال إلا الحب !!!
منصورسناطي