ما لم يقله احد عن اضراب سد دربندخان
إضراب بلا عنف
دنخا البازي ( ابو باز )الجزء الاول
ليس هناك من يخشى الحقيقة ، أكثرمن الذي يبتعد عن التأريخ وحوادثه المدونة بأقلام مجايلي تلك الأحداث من الكتبة الموضوعيين ، لا ما كتبه وعاظ السلاطين والمدونيين من كتاب الحكم . فمن أولئك الموضوعيون ، تستقى صدقية الحوادث وسيرورتها ، منذ بدايتها كأفكار مجردة ، الى أن تصبح واقع ، يتنفس على الأرض ، ويجتليه الجميع ، ويتلبسوه .
ما سأرويه عن اضراب عمال وشغيلة سد دربندخان أثناء تشييده بعد انتصار ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958، هو بمثابة تسجيل حي ، لما لم تقله ، لا ذاكرة شخصية ، ولا ذاكرة رسمية . أنها ذاكرتي التي تمخضتها تجليات تلك الأحداث الموشومة في وجداني ، والتي أخلصت لها حد المستحيل .
وسأحرص في سياقات الأحداث التي شكلت ذلك الأضراب الرائع ، على أن أكون وفيا لكل التفاصيل ، لأني كنت أحد شخوص ذلك الحدث ، وأحد أدواته التي حققت نجاح منقطع النظير ، لصالح العمال والشغيلة ، من بنائيين ونجاريين وحداديين ولحاميين وعمال خدمات وغيرهم الكثير من الكسبة الذين وفر لهم مشروع بناء السد ، فرص الحصول على عمل ، ولو بأجر بالكاد يسد الرمق ، ويبعد الأنسان عن العوز .
لم يدر بخلد ذلك الشاب الذي لم يتجاوز الثامنة عشر من العمر ؛ أن وريقات سرية يجري تداولها بين العمال بتكتم شديد ؛ ان تزج به ستة أشهر في السجن .
كان اسم تلك الوريقات التي لا تلفت النظر ( القاعدة ) . كانت منضدة بحيث يستوعبها أي جيب في الملابس ، والتي كانت حروفها مكتوبة باليد حينا ، وأحيانا بحروف مطبوعة ، وكانت لا تتجاوز الورقتان في أحسن الأحوال ، ولكنها كانت بمثابة كتاب بمليون صفحة ، ونفير بألف بوق . تلهب الأحاسيس وتوقض المشاعر بشعارها المطبوع بحروف مميزة ( وطن حر وشعب سعيد ) و ( يا عمال العالم إتحدوا ) وبموضوعاتها التي تشير الى الطريق الذي ينقذ العمال والكادحين ، والشرائح الأجتماعية المظلمومة التي كان يعج بها المجتمع العراقي ؛ من الجحيم .
تلك ( القاعدة ) ، كان قد دسها في يدي ، وبحذر شديد لم يمهلني ان أفتح فمي لأقول لذلك العامل الذي دسها بيدي : لماذا هذا التكتم على هذه الوريقة العادية ؟
كان ذلك العامل واحد من عدد كبير من العمال العراقيين الذين كانوا يعملون في تلك الشركة الأنكليزية في مدينة البصرة التي شكل مينائها حاضنة لوعي طبقي وسياسي غير مسبوق .
تلك القاعدة ، كانت بمثابة الأساس الذي شكل كل وعيَ اللاحق ، والتي أدمنت على قراءتها بعد أن اصبحت شيوعيا ، وأنا في ذلك العمر المبكر ؛ لِما ضمت من حقائق مؤلمة ، عن مشاكل العمال والفلاحين ، وسائر الكادين الذين كانوا يشكلون الغالبية العظمى من المجتمع العراقي ، والتي وجدت نفسي أتخبط وسطها منذ وقت مبكر من عمري ، وأنا ابحث عن لقمة العيش في كدٍ يومي لا ينتهي . لكني لم استطع أن أبصر الكيفية التي اواجه بها ذلك الأخطبوط الذي شدني أليه بقوة تعجزني عن مواجهته ، فبقيت اسير تلك الأذرع زمنا من عمري ، حتى قرأت القاعدة التي أتاحت لي رؤية واقعية لرؤيا اليقين التي كانت غائبة عن اي من أحلامي التي كنت أزرعها في حقول السراب التي كنت اسير فوق استحالاتها ، أو إني لم استطع ألأن اتلامس حتى بالتفكير بها ومعها كي أجد لها حلا ؛ لولا تلك ( القاعدة ) التي كونت مني ومن غيري هرم من القواعد ، التي كانت تكبر وتتسع كلما زاد عددها في الأكف وكلما أتسع نطاق توزيعها ، لتواجه تلك القواعد مجتمعتا ، ذلك التيار من الأجتياح والأستغلال الذي كان يمارسه رب العمل بمساعدة الدولة ، على العمال وحقوقهم غير المثبتة في لوائح او قواعد . فقد كان العمال وكل الكادحين ومن يصطف معهم مشروعا للأستلاب والأستغلال والتغييب عن شرعة الحقوق .
كنت اطالع تلك الوريقات خلسة في أي زاوية قصية من مكانات العمل ، وحال أستلامي لها دون أن أتريث ، لأصل الى مكان سكني فأقرأها بترو وإطمئنان .
لم افلت من عيون البصاصين التي كانت تراقب بحذر من يتداول ، او يقرأ تلك الجريدة . فامسكني الشرطة السريون بالجرم المشهود ، لأقدم الى المحاكمة ، وأسجن مدة ستة أشهر ، وأطرد طبعا ، من العمل في شركة ( P.B.C ) الأنكليزية ، الذي كان يدرُ عليَ دخلا ، يجعلني ، وعائلتي المسؤول عن إعالتها ، يعيشون بلا مشاكل مادية .
بعد الخروج من السجن ، أستطعت أن أعمل في شركة أنكليزية آخرى (Harold .T.Smith ) المتعاقدة مع الحكومة العراقية ، على حفر مئتا بئر أرتوازي في سهل سنجار ، تلعفر، كركوك ؛ وأربيل .
كان للشركة هذه ثلاث من الحفارات الضخمة ، التي تحفر الى أعماق في الأرض تتجاوز الألف قدم أحيانا . عملت في هذه الشركة فترة من الزمن تجاوزت السنة والنصف ، لكن كما يقال : دوام الحال من المحال . ولابد أن أشير الى إن العمل في تلك الشركة ، قد مدني بخبرة وتجربة عملية ليست بالقليلة ، وهي بالتالي اشبه بالشهادة التي تنمحك ميزة على أقرانك الذين يفتقدون الخبلاة والتجربة ، والذين أيضا لا يجيدون اللغة الأنكليزية .
في تلك الأثناء ، وفي ذلك الجو التموزي الفائق الحرارة ، قامت ثورة الرابع عشر من تموز المجيدة ، والمباركة ، عام 1958. المجيدة لأنها ستبقى جرس يقرع في غياهب التأريخ الوطني العراقي الذي تأسس بعد ثورة العشرين الخالدة ، ومباركة ، لأن الشعب العراقي بكل طيوفه ، قد بارك هذه الثورة على النظام الملكي المستبد .
يتتبع الجزء الثاني