ما لم يقله احد عن اضراب سد دربندخان
إضراب بلا عنف دنخا البازي ( ابو باز) للاطلاع على الاجزاء الاخرى انقر على الرابط التالي
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,447913.0.htmlhttp://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,448118.0.htmlالجزء الثالث
احتوتني جمهرة الواقفين أمام بوابة الشركة ، والباحثين عن عمل مثلي . هذه الجمهرة كانت غير مستقرة على عدد محدد أو اشخاص بعينهم . إنها في حالة تبدل دائم بالقوام والنوع ، تبعا للرفض او القبول الذي ياتيهم كرد على طلباتهم العديدة التي يقدموها الى إدارة الشركة من اجل العمل فيها ، فهم حالة أنتظار دائم ؛ لسماع رد ، إما أن يبشر طالب العمل برد إيجابي حتى لو كان مؤقتا ، وإما بالبقاء كواحد من جيش العاطلين الجرار ، الذي لم تستطع ثورة تموز الوليدة أن تجد حلا مناسبا للبطالة المستشرية ، التي ورثتها من النظام الملكي .
كل الواقفين والقاعدين امام البوابة الحديدية ، كانت أياديهم الفارغة ، تحمل ما احمله بيدي الآن . ورقة مدون فيها طلب للعمل في الشركة كعامل في أي مجال متاح . غير إن ورقتي مختلفة عن غيرها ، لأنها مكتوبة بلغة إنكليزية جيدة وبخط ، هو الآخر جميل ، كما كان يلوح لمن يقرأه ، او كما يلوح لي على الأقل ، بالاضافة الى تحديدي أحد نوعين من العمل ، أحدهما بعنوان ( ضابط وقت ) والآخر بعنوان خراط ( تورنجي ) .
لم تبق الورقة وقتا طويلا بيدي ، بعد أن أرشدني بعض الحضور الى من يجب أن أقدمها . كانت أثنائها ، تراودني هواجس الأمل ، لذا لم اتوقع ان اسمع بعض التلميحات المستخفة أو الشامته من بعض الحاضرين القريبين من البوابة على غرار ( مش بوزك ) أو ( إحنه هم قدمنه ، بس ماكو حظ ) ، وسمعت تلميحات قاسية أيضا ، ولكني لم اعتبر أذني قد سمعت شيئا ً، ودرت ظهري لكل ما قيل من قبل المنتظرين .
فقد قدمت طلبي الى الموظف المختص ، وأنا أعيش لحظة أمل تائهة تصدم بهذا التعليق الشامت او المستخف ، وبذلك التلميح المؤدب ، الداعي لي بآمال الحصول على نتيجة طيبة .
عدت الى بيت الطين والحجر ، بعد أن وجدت عدم جدوى البقاء مع المتجمهرين انتظر مثلهم ، فلم يمض من وقت يمكن أن يحسب على تقديمي الطلب ، لأنتظر مثلهم ، فبعضهم كان ينتظر منذ أكثر من شهر . أذن فذهابي مبرر ، ومن الغد سأباشر حضوري وسط هذه الجمهرة ، لأنتظر الرد كما ينتظره البقية من العاطلين . حملت نفسي عائدا الى البيت قبيل ظهيرة ذلك اليوم الربيعي المفعم بنجاح تقديمي لعريضتي .
أثناء عودتي الى ذلك البيت المهجور من كل تأنيث ، عرجت على السوق لأشتري ما يمكن ان اطبخه لي ولقريبي النائم ، ليأكل شيئا قبل ذهابه الى العمل ، فعلاقتي بالمطبخ الفقير، قد توطدت منذ أن بدأتُ أكدُ من اجل العمل في مدن بعيدة .
أثناء العشاء ، رويت له كل الخطوات التي قمت بها في ذلك اليوم ، من اجل أن يكون في صورة ما قمت به . بشرني خيرا بهذه الخطوة ، مضيفا بأن الفترة التي سأتلقى فيها النتيجة ، ربما ستكون طويلة بسبب كثرة الطلبات ، فأوصاني بالصبر وعدم الجزع إذا ما طالت الفترة التي سأستلم بها النتيجة . ذهب هو الى عمله ، وبقيت أنا وحيدا أدخن ، تمتصني أعقاب سجائري . طال زمن أرقي ، حتى إحتوتني المحفة الفراش ، دون أن يراودني أي حلم يقضة كما كان في الأمس ، عكس الكوابيس التي شدتني الى إراداتها المبهمة ، حالما اغمضت جفوني مستسلما لنوم خالي من أي راحة .
تكررت أيامي هكذا ، اصحو صباحا لأعد الشاي وأعود بعيد الظهر لأعداد الغداء ـ العشاء ، نتناول ما قسم ، ونشرب الشاي ، ليذهب بعدها هو الى عمله كما هو الحال كل مساء ، وأبقى أنا وحدي ابحر فوق ذلك الفراش الوحيد في بحار الظلمة التي ينقلني فيها منامي الى متاهات تلك الأحلام الموحشة الغاضبة من حياتي ، فتارة تراني بين فكي حوت ، يبتلعني غصة غصه . وتارة في أعلى جبل أتربع على فوهة بركان ، يقذفني مع حممه الضاجة بألسنة اللهب الى أعالي ، لا احسب أني قد سمعت عن مثلها ، لا في قصص الخرافات التي كانت جدتي تحدثنا بها في ليالي الشتاء الباردة ، حين كنا صغارا ونحن نحيط بمنقلة الحطب أنا وأخوتي ، ولا في قصص الف ليلة وليله التي كنت شغوفا بقرائتها في وقت مبكر من عمري . ولم يحدث طيلة مكوثي في تلك الغرفة الفقيرة ، أن تركتني تلك الكوابيس الكريهة ، ليلة واحدة بدون أن تصطادني بواحد من فخاخها المرعبة .
دامت حالة الأنتظار المتعبة، ودوامة الكوابيس الشرهة هذه ، تختزل منامي الى مجرد عذابات تلدغ روحي كافاع مسمومة ، لبث الرعب في أوصالي وفي قلبي الموجوع .
بعد أكثر من شهر ونصف ، وهي المدة التي كان يسبقني فيها أنتظاري لرد على طلبي ، كان يسبقني الى بوابة الشركة ، لأحرن بين كتل بشرية ، تنتظر هي الأخرى الرد ، ليكونوا ، أو لا يكونوا .
في هذا الزمن المديد ، الذي طال وأستطال ، حتى قارب فيها جيبي ان يفرغ من اي مبلغ من الدراهم ، يمكن أن تعينني على الأستمرار في مواجهة الأنتظار الممل ، وشراء السكائر التي كانت تبعدني عن وجع الروح حينا ، وعن مواجهة الوحدة ثانيا .
تلك الأيام الخمسين ، كانت اشبه بنفق بلا ضوء او نهاية ، وقد اوقعتني تلك الأيام المتخمة بالأنتظار في حبائل اليأس ، فعزمت على ترك دربندخان الى مدينة أخرى ، أبحث فيها عما يسد رمق عائلتي التي تنتظر بفارغ الصبر ، أن اعود إليهم ، وأنا احمل لهم ما يقيهم ذلك الكفاف الذي كانوا يعيشونه . ولولا تلك العناية التي كان يغمرني بها قريبي السيد وليم ، ما كنت لأبقى مواجها اعصار الحاجة التي كانت تجتاحني أمام كل تطلباتي ، حتى وإن وصلت أثمانها حد الفلس الواحد .
كان الأنتظار الذي يأخذ مني كل ذلك الوقت ، قد وضع أمامي صورة العلاقات النفعية التي كانت تسود بين العديد من العاملين في تلك الشركة .
يتتبع الجزء الرابع