تدفُّقات منبعثة من مروجِ الرُّوح


المحرر موضوع: تدفُّقات منبعثة من مروجِ الرُّوح  (زيارة 1423 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل صبري يوسف

  • عضو
  • *
  • مشاركة: 15
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
تدفُّقات منبعثة من مروجِ الرُّوح

[مقاطع من نصّ مفتوح]

صبري يوسف

 أضاءت السَّماء وجنةَ الأرضِ
زرعت خصوبة الحياة فوقَ قميصِ اللَّيلِ

تناثرت نعمة الأعالي فوقَ حنينِ البحارِ
فأينعت تفَّاحة الرُّوح على شاكلة قلبٍ
متعانقٍ مع أمواجِ العشقِ

أنشدَ الربّ أنشودةَ فرحٍ
فارشاً نعمةَ السَّماء فوقَ جفونِ الأرضِ
هل شعرَ الإله بالوحدةِ
فأرادَ أن يعجنَ صديقاً منبعثاً من شهوةِ المطر
صديقاً للأرضِ والسَّماءِ
صديقاً لدكنةِ اللَّيلِ
صديقاً لمروجِ الرُّوحِ!

رقصَتْ أمواجُ البحارِ رقصةَ التجلِّي
عندما تناهى إلى أسماعها نداء الأعالي
عندما هاجَتْ أغصانُ اللَّيلِ
     شوقاً لتلألؤات النّجوم
هل كانت النُّجوم صديقاتِ البحارِ
منذ أن روَتْ روحُ الإله عطشَ البحارِ؟!

السَّماءُ عيونُ الرُّوحِ
اللَّيلُ عطشُ القلبِ إلى سراجِ الأحلامِ

سطعَ وميضُ النُّورِ من أحلامِ غيمةٍ
     حُبلى بزغبِ السَّنابلِ
انتشرَ بريقه على صدرِ الصَّباحِ
     على شاكلةِ موشورٍ مضمَّخٍ بسحنةِ القمرِ

الأرضُ مغرفةُ الحنانِ
صديقةُ عصافيرِ الجنّة
بركةٌ وارفة باشراقةِ السَّماءِ
تغفو بينَ أجنحةِ اللَّيلِ
ترنو إلى أسرارِ القمرِ
ابنة حلمٍ متطايرٍ من مهجةِ الأعالي
الأرضُ عشيقةُ اللَّيلِ
عشيقةُ فجرٍ معرَّشٍ بالضياءِ
عشيقةُ الشَّفقِ المندَّى ببوحِ المطر

ولدَ الزَّمنُ من أحشاءِ المحبَّةِ
من اغفاءةِ البدرِ بين أحضانِ اللَّيلِ
من شهوةِ الأرضِ لبخورِ السَّماءِ
من تكويرة تلالٍ مهتاجة لشهوةِ الشَّمسِ

وقفَتْ ملائكةُ السَّماءِ مبهورةً
     من رفرفاتِ الإلهِ فوقَ حنينِ البحارِ
هل يحنُّ الإلهُ إلى دموعِ السَّماءِ المتهاطلة
     فوقَ أمواجِ البحارِ
هل كانَتِ البحارُ يوماً نجمةً ساطعةً على يمينِ الإلهِ؟
هل كانَتْ شهقةُ فرحٍ
تطايرَتْ فجأةً من مروجِ الجنّة؟!

تبرعمَتِ الأرضُ من شهقةِ روحِ الإلهِ
أرخَتْ خدودَها على جفونِ البحارِ
أرضٌ مخضّبةٌ بالأسرارِ
صديقةُ غيمةٍ هائمةٍ على عباءةِ اللَّيلِ
صديقةُ سوسنة شامخة في مآقي الرّيحِ
الأرضُ صديقة اللَّيلِ الغافي على صدرِ السَّماءِ
الأرضُ عشيقةُ البحرِ
عشيقةُ الشَّفقِ
روحُ الشَّمسِ المهتاجة لأمواجِ البحارِ

تحضنُ السَّماءُ أحزانَ الأرضِ
     بوشاحٍ من حبورِ العطاءِ
تحضنُ غضبَ البحارِ 
كلَّما تهتاجُ الرِّيحُ في وجهِ المساءِ

نبتَتْ أزاهيرُ الرُّوحِ فوقَ مصاطبِ عاشقةٍ
     هائمةٍ فوقَ بساتينِ الجنّة
اخضرَّت خدودُ الأرضِ من تنامي البساتينِ
توهَّجَ البحرُ فارشاً أمواجه على أجنحة الأرضِ
رفعتِ الجبال هاماتها متربِّعةً على بذورِ الخلاصِ
خلاصُ الأرضِ من رعونةِ اليباسِ
وردةٌ تناجي وردة
فرحٌ على شساعةِ الرَّوضِ

غداً سيولدُ البحرُ محارةً مرصّعةً بماءِ الحياةِ
نعمةُ النِّعمِ حلَّت علينا من جفونِ السَّماءِ
مرحى لبركاتِ الإله
مرحى يا نسيمَ الرُّوحِ
يا خبزَ الحياةِ!

تناهى إلى سمعِ البحرِ شخيرُ المرجانِ
غاصتِ التماسيحُ في أعماقِ القاعِ
لاذَتِ الأسماكُ الصَّغيرة بعيداً عن أنيابِ الحيتانِ
حطَّّتْ نوارسٌ فوقَ دروعِ سلاحفٍ غافيةٍ
     فوقَ مرافئ دفءِ النَّهارِ
دبَّتِ الحشراتُ الصَّغيرة في ظلالِ الغاباتِ

ارتَمَتْ حبَّاتُ التِّينِ بين مويجاتِ نسيمِ اللَّيلِ
حلّقَتْ أسرابُ العصافيرِ
     فوقَ تلالٍ محفوفةٍ بأنيابِ النُّمورِ
السَّماءُ وشاحُ الأرضِ والبحارِ
شوقٌ إلى بسمةِ الكائناتِ

ركضَتْ غزالةُ البساتينِ تلهو بعيداً عن غدرِ الثَّعابينِ

الأرضُ عطشى لندى العشقِ
عشقُ الأرضِ لحنينِ السَّماءِ

نفخةُ حبٍّ مِنَ الأعالي دبّتْ في كتلةِ الطِّينِ
منذهلُ أن تكونَ كينونتنا على هيئةِ الدَّيانِ

لماذا خلقَ الرَّب الكائناتِ مسلِّطاً عليها سيفُ الإنسان
عداءٌ منذُ فجرِ التكوينِ بين نفخةِ الربِّ المبرعمة
     في أحشاءِ الطِّينِ
وبين كائناتٍ أشرس من التنانينِ
     بينَ الإنسانِ والإنسانِ؟!

عداءٌ لا يعجبني
لا يلائم شعري
ما الحكمة من هذا العداء على مدى السّنينِ؟

     *****

فاحَ أريجُ وردةٍ منعِشاً
     قلبَ تمساحٍ مسترخٍ
          على شاطئِ الدُّفءِ
وئامٌ من روعةِ الموجِ

هل يتعبُ الربُّ الإله كي يستريح
أم أنه أرادَ أن يعطي للإنسانِ فُسحةً للراحةِ
نافذةً مضيئةً لانتعاشِ القلبِ
      على هديلِ الأغاني؟
 
تصاعدَ بخارُ الحياةِ من شهوةِ الأرضِ
غمامةٌ هائجةٌ هطلَتْ في دوحةِ البوحِ

نامَتْ نفخةُ الإله في جنةٍ مزهوّةٍ بتفّاحةِ الرُّوحِ
تفَّاحة مقطّرة بشذى الانتعاشِ
هطلَ حبقُ التُّفاحِ فوقَ أغصانِ العناقِِ
اندلقَ العسلُ على شفاهِ الرَّوضِ
قبلةُ فرحٍ على أسرارِ البوحِ
تفاحةُ القلبِ تماهَتْ مع بحيرةِ الشَّوقِ
شوقُ الرُّوحِ إلى مروجِ الاشتعالِ!

ثمارُ الجنّةِ من أشهى الثِّمارِ
لماذا خلخلَ الإنسانُ وصيَّةَ الرَّبِّ
     منذ بدءِ الوصالِ؟!
هل تاقَتْ أنثاهُ إلى خصوبةِ الاشتعالِ؟!
جنوحٌ نحوَ بهجةِ الفيافي

عجباً أرى يا ربّ الأربابِ
لماذا تحرمُ هذا التوَّاق إلى يراعِ الرَّوضِ
     من مذاقِ التُّفاحِ ؟!
مذاقٌ أحلى من العسل البرّي
انتعاشُ الرُّوحِ على مدى روعةِ الأزاهيرِ
تجلِّياتٌ إلى أعلى الأقاصي
أَغيرةٌ من بلوغِ مخلوقِكَ إلى تخومِ الكمالِ
أم حكمةٌ من عبورِ شفيرِ الأدغالِ؟

توقٌ مفتوحٌ إلى خفايا المجهولِ


أيُّها الربّ هل توقُ صنيعِكَ
     نفخةٌ ممتدةٌ من توقِكَ؟!
توقُ العبورِ في مهجةِ الضَّوءِ
حواء ضلعه المجبول بشهوةِ المعرفةِ
للمعرفةِ شهوةٌ معرّشةٌ بنكهةِ ثمارِ الجنة
للمعرفةِ شوقٌ عارمٌ في نفوسِ الكائناتِ

أيها الربّ هل كنتَ تريدُ آدمَكَ أمّياً
     بعيداً عن طراوةِ التُّفاحِ؟!

فليكن عارياً
أَليسَتِ الحقيقةُ عاريةً كخيوطِ الشَّمسِ
ما ألذّ طريق المعرفة
     منعشاً كانسيابِ التفَّاحِ!

المُعينة التي صنعتَها من ضلعٍ آدمي
     بعد سباتٍ عميق
أعانَتْ آدمَ إعانةً مبلَّلة بالفرحِ
     تحتَ أغصانِ الجنّةِ

كيانان مبتهجان بنورِ الحياةِ
غارقان في اغراءِ الأفاعي
تاها على وجه الدُّنيا
بحثاً عن كساءٍ وحسَكٍ وبقايا الخبّيزِ!

وريقاتُ الجنّة غطَّتْ تكويرةَ التُّفاحِ
ولدَ العشقُ من نَسغِ الأشجارِ
     من طراوةِ ثمارِ الجنّة
     من ولعِ الاشتعالِ!

وقفَتِ الحيّة في وجهِ خفقةِ الطينِ
قادَتِ الضلعَ إلى سراجِ النّورِ
طمعَ آدمٌ بأبراجِ عرشٍ
تتناثرُ حوله أغصانُ البنينِ

وجهانِ عاريان تحت ظلالِ الدُّفءِ
دفءُ الحقيقةِ الوارفة كأغصانِ القلبِ
تراءى أمامهما قوس وقزحٍ
جنوحٌ منذُ البدءِ نحوَ خيوطِ الضّياءِ!

انكسارُ الوصيّة الأولى
من قبلِ ضلعٍ جانحٍ نحوَ العصيانِ
نزوعٌ نحوَ مذاقِ التِّينِ
انجرافُ الشَّهقةِ الأولى عن مسارِ الطينِ
جموحٌ نحوَ تماوجاتِ الرُّوحِ
     نحوَ أعماقِ اليقينِ
يقينُ بهجةٍ في أبهى البساتينِ!

ولدَ البلاءُ منذُ الخفقةِ الأولى
بلاءٌ ظلَّ يلاحقنا منذُ بزوغِ التكوينِ
منذُ انبعاثِ ولعِ الحنينِ
بلاءٌ على امتدادِ السِّنينِ
أينَ المفرُّ من جموحِ الرُّوحِ
     من نضارةِ النَّدى
     في أوجِ حبورِ الرّياحينِ؟!

أيها الربّ لماذا جَبلْتَ آدمَ من الطينِ
حبذا لو صنعته من هبوبِ النَّسيمِ
كي يبقى طيفاً خالداً
يرتعُ بينَ أحضانِ النَّعيمِ!

خانَكَ طينُكَ من الخفقةِ الأولى
خانَكَ طينُكَ يا رب الأرباب
     على آمادِ الملايينِ
تمرُّدٌ معشَّشٌ في عروقِ الشَّرايينِ
كأنهُ منبعثٌ من شهوةِ المارقينِ
كأنّه تتلمذَ على أيدي الجاحدينِ

ما فائدةُ طينٍ يجنحُ نحوَ شرورٍ
     تضاهي شرورَ التَّنانينِ؟!
أيَّة عبرةٍ هذه التي أدمتْ خاصراتِ البنينِ
لا يروقُ صنيعُكَ لي يا ربّ الأرباب
لا أطيقُ تمرُّده على ذاتهِ
     على كلِّ الكائناتِ
ضلالٌ مستطيرٌ في معراجِ الأنينِ

حزنٌ تماهى حولَ هالةِ الربِّ
حزنٌ يصاحبُ خميرةَ الكونِ
حزنٌ على جفونِ اللَّيلِ
حزنٌ لا يفارقُ شموخَ الجبينِ
جبينُ الصباحِ
هديلُ اللَّيلِ
عيونُ السَّماءِ
آهاتُ السَّديمِ!

قايين أيُّها المجبول ببذرةِ الغيرةِ
عينان متماهيتان مع شراراتِ البراكينِ
أيها المعفَّر بغبارِ الأزلِ
كيف تقتلُ هابيلاً
أينَ ولَّتِ المحبّة
ضلالٌ في لبِّ المتاهاتِ
صراعٌ ممهورٌ على سهامِ الأقواسِ
عطشٌ لهدرِ الدِّماءِ
حربٌ منذُ ضياءِ التكوينِ
غباءٌ يلازمُ تيجانَ القحفِ 
وجعٌ على شساعةِ الصَّحارى
بلاءٌ لا يفارقُ رضابَ العمرِ
بلاءٌ مستديم في صدغِ الإنسانِ
كيفَ فاتَكَ أيُّها الرَّبُّ جشاعةَ الإنسانِ
دمارٌ منذُ الأزلِ
عبورٌ في مآقي الشيطانِ
الإنسانُ شعلةُ نارٍ في جوفِ البركانِ

     *****

حزنٌ راودَ الرب من تفاقمِ شرورِ البشر
محا الربُّ الإنسانَ وبهائمَ الأرضِ وطيورَ السَّماءِ
ناصحاً نوح أن يصنعَ فلكاً
يضمُّ أزواجاً من كلِّ كائنٍ إلى سفينةِ خلاصٍ
طوفانٌ يعمُّ وجهُ الأرضِ
طافتِ السّفينةُ فوقَ شراهاتِ الطوفانِ

نوح
أيها المبلَّل بأغصانِ البرِّ
نَمْ هادئ البالِ في جوفِ الفلكِ
على أكتافكِ ستخضرُّ منارةُ الحياةِ
تأرجحَتِ السَّفينةُ فوق أمواجِ الطّوفانِ
فرَّ الشَّيطان بعيداً
     خوفاً من الغرقِ
التفّتِ الحيّةُ حول رقبةِ الشَّيطانِ
محقَ الطوفانُ دبيبَ الأرضِ
غرقَتْ كلَّ الكائناتِ في شقوقِ الأرضِ

نام نوح بين أحضانِ بنيه
حلمَ أنه سيعودُ إلى وِهادِ الأرضِ
نامَتِ الطُّيورُ حولَ رأسِهِ
غطّتْ الحمامةُ جبينَهُ بجناحيها
غفا على هدهداتِ الهديلِ

تساءلَ الغرابُ لماذا اختارني نوح من بين  الطيورِ؟

فتحَ ذئبٌ فكّيهِ حالماً بخرافٍ
     مسترخيةٍ تحتَ غمامِ اللَّيلِ
تساءلَ الثعلبُ في سرّهِ
لماذا قضى الربُّ على بني جنسي
لماذا أهلكَ كلَّ المخلوقاتِ
لماذا أنقذَ زوجين أو أكثر
ألا يراودُهُ أننا سنزرعُ شروراً في مروجِ الجنَّةِ
انتقاماً لما محاه الربّ من نسلنا؟

هواجسٌ مريرة لا تبارحُ ذاكرة نوح

راودَ الأزواجُ الوحشية أن تأكلَ الأليفةَ
تلمعُ أنيابُ الضواري

سنموتُ جوعاً لو استمرَّ الطوفان طويلاً

نظرَ نوحٌ إلى أهلِ بيته
كيف سيحميهم من أنيابِ الضِّباعِ
     لو دقَّّتْ ساعةُ الجوعِ ؟

نظرَ الرَّب إلى اهتياجِ الطوفانِ
هل خرّت دموعه حزناً على دمار الكونِ
هل ندمَ الربُّ على موتِ مخلوقاته
أم أنه يحنّ إلى طينه المجبولِ على هيئته ومثاله؟!

هل نحن فعلاً على مثاله
لماذا لدى البشر نزوعاً نحو جحورِ الشرِّ؟

نظرَتِ الحيواناتُ الأليفة إلى المتوحّشة
رعبٌ ينتابُ مصير الجميع
تآلفوا معَ جموحِ الموجِ

نامَ أرنبٌ على صدرِ ضبعٍ من وطأةِ التَّعبِ

يبغي الربُّ أن يبقي نسلاً من الكائناتِ
محقَ عن وجه الدنُّيا دبيبَ الأرضِ

نوح، أيها المتوَّج بأغصانِ الزَّيتونِ
اختارَك الرَّبُّ كي تنقذَ نسلَ الكائناتِ من الضِّياعِ

حبذا لو محقَ الربُّ أنياب الضَّواري
ما فائدة وحوش البراري

للإنسان مسحة ضراوة تطغى على أنيابِ الأفاعي

انفجر الطوفانُ على مروجِ الغمرِِ
لاذَتِ الطيورُ في أعلى الفلكِ
بعيداً عن مخالبِ الغدرِ
ماذا سيحلُّ بنوح لو هجمَتْ عليه أنيابُ نمرٍ
     ترعرعَ بينَ ظلالِ الأدغالِ؟

عجباً أن يحطَّ طيرٌ فوقَ قرنِ الغزالِ
كيف اتَّسعَ الفلك لذرِّية الكائناتِ
كيف تجمهروا في قعرِ الفلكِ
كيف ناموا أثناء الطوفانِ
من أوقدَ شمعة النُّورِ في عزِّ الهطولِ
ماذا أكلوا وشربوا أثناء اهتياجِ الطوفانِ؟

هربَ الأرنبُ من مكرِ الثعلبِ
تآمرَ تنينٌ على قرودِ الغاباتِ
وقفَ نوحٌ مذهولاً من تأرجُحِ الفُلْكِ

لماذا خلق الربُّ كل هذه الكائنات
ما فائدة النملِ وهي تهجم على مؤونةِ الشتاءِ
ما فائدة البشرِ وهم يزرعون بذورَ الشرورِ في ثغورِ الدِّيارِ
هصرَ فيلٌ أثناء غفوته أجنحةَ الحجلِ

بداية جارحة لضياءِ السَّماءِ
ترنّح الفلكُ فوقَ هدير الطوفانِ
بكى أحفاد نوح من خفوتِ خوارِ البقرِ

حطَّتِ الفراشات فوق ظهورِِ الطُّغاةِ
ماذا سيحصلُ لو تحطَّمَ الفلكُ
وردتان متمايلتان فوقَ درعِ السلحفاةِ
باضَتْ سمكةُ القرشِ بين عناقيد العنبِ
تعطَّشَ الحمامُ إلى أغصانِ الزيتونِ
تاه الغرابُ بينَ أسرارِ الغيومِ

ولدتْ فرسُ البحرِ مهرها البكرِ
أحلامٌ معشَّشة في ليالي نوح
تساؤلات متهاطلة على مرافئ البوحِ

راودَ الثعلبُ أن يتسلَّلَ إلى فراخِ البطِّ
     حالَمَاْ يدبُّ النعاسُ في أجفانِ اللَّيلِ

تعلو مياهُ الأمطارِ مُزاحمةً قاماتِ الجبالِ
أيامٌ مرصرصة على أنفاسِ الأزواج العابرة
     في تكويرة الفلكِ
بمَ كانت تفكِّرُ الأزواج
وهم يسمعونَ تربصَّاتِ هدير الرِّيحِ ؟
خارت قوى الزُّرافةِ من تزايدِ استراحاتِ الطِّيورِ
     فوقَ شموخِ الرقبةِ

غمرتِ المياه شهيقَ الأرضِ
ماتَت الكائناتُ من هولِ الطوفانِ 
هل نفذَتْ بجلودها حيتانُ البحارِ
أسماكُ القرشِ
هل خلخل الطوفان أنيابَ التماسيحِ ؟

ماذنبُ البهائمِ من عبورِ آدم إلى عرينِ التفاحِ
مذاقٌ يغري سلاطينَ الكونِ
عصيانٌ في مروجِ الجنّةِ
أما كان يعلم الله مسبقاً ضعف آدم أمام اغواءِ الحيّةِ
لماذا لم يخلق الإله إرادة فولاذية لآدمَ
مَن سلَّط الحيّةَ على آدمَ فتورّطَ في طراوةِ التفاحِ
عاريان أمام انبهارِ النُّورِ
هل كان نورُ الربِّ أم نور العشقِ أم بهاءُ الجمالِ ؟

منذهلٌ كيف عاقبَ الربُّ آدمَ
     على طموحهِ في بلوغِ النورِ
خفقةُ الطينِ انبعثَتْ من نفخةِ خلقِكَ
هل في نسمةِ الخلقِِ نزوعاً نحوَ أسرارِ الضياءِ؟

هل ندمَ الإله على ما خلقته يداه؟
لماذا لم يرحم الله آدمَ طالما هو ربٌّ رحيم؟
سرُّ الخلقِ متاهةٌ
صراعٌ منذُ الأزلِ
منذُ بزوغِ الطينِ
أتساءلُ مذْ كنتُ طفلاً
لو لم يأكلْ آدمَ من التفاحِ
هل كان منعماً في الجنّة منذُ الخلقِ إلى أزلِ الآزالِ
لولا الخطيئة الأولى ما بزغنا إلى وجنةِ الحياةِ!

تساؤلاتٌ لا تفارقُ شهيقَ الرُّوحِ
     قبلَ أن تغفو فوقَ وشاحِ الغمامِ

أيُّها الرَّبّ السَّاطع في جنانِ الأعالي
إذا لم يستطِعْ آدمُ
     أن يقاومَ شجرةً من أشجارِ الجنّةِ
كيفَ سأقاومُ ملايينَ الأشجارِ؟

محقَ دبيبُ الأرضِ
طيورُ السَّماءِ
تلاشَتْ وشوشات القطا
محقَ الربُّ شهيق الكائناتِ
بقي نوح في سفينةِ الخلاصِ
غمرَتِ المياهُ وجنةَ الأرضِ
هل بكى الربُّ من هول الطوفانِ
هل حزنَ على خلخلاتِ أجنحةِ اليمامِ؟!

خفَتَ وميضُ النجومِ

هبّتْ ريحٌ من جنانِ الإله على ثغورِ الأرضِ
ريحٌ محمَّلة ببخورِ الولاءِ
ولاءُ السماءِ لمآسي الأرضِ
خفَّفَتِ الرُّيحُ هديرَ البحارِ
تبخَّرَ المطر بعيداً عن جوفِ الطوفانِ
هطلَتْ قطراته على نجومٍ عطشى لعذوبةِ النَّدى

انتظرَ نوحٌ عودةَ الغرابِ
     عودةَ البسمةِ إلى تلالِ المروجِ

رفرفَتِ الرِّيح فوقَ وجنةِ الأرضِ
انسابَتِ البحارُ فوقَ مآقي الحنين
ابتسمتِ السَّماءُ للأرضِ
     لبهائمِ الأرضِ
توغّلتْ الينابيعُ عميقاً
ارتدَتِ السَّماءُ وشاحَ الوئامِ
عبرتِ المياهُ شراعَ الأماني
تبخَّرَتْ نحوَ هلالاتِ الشَّمسِ
 غفا الفلكُ فوق أكتاف آراراط
تردَّدَ الغرابُ عبورَ أبراجِ السَّلامِ
تسمَّرَ بعيداً عن مهالكِ الأرضِ
     بعيداً عن شراسةِ الطوفانِ

أطلقَ العنانَ لأجنحةِ الحمامِ
حلَّقتْ فوقَ شراهةِ الأرضِ
عادت بعدَ حينٍ من هولِ الطُّوفان

نظرَ نوحٌ إلى حيرةِ البهائمِ
نامَ على صدرِ الغزالِ
انتظرَ حلولَ نِعَمِ السَّماءِ
هديلُ الحمامة تناهى إلى آذانِ الوحوشِ
استيقظَ نوحٌ على أنغامِ الهديلِ
رفرفَتِ الحمامةُ جناحيها
ارتسمَتْ بسمةٌ على محيَّا نوح
أطلقها من كوّةِ الأملِ
حطَّتْ على أغصانِ الوئامِ
عادَتْ عند هبوطِ الليلِ
تحملُ غصنَ الزَّيتونِ
فرحَ دبيبُ الأرضِ
وفغرَتْ ثغورُ الكائناتِ المحشورة
     في قاعِ الفلكِ
رقصَ أبناءُ نوح من روعةِ اخضرارِ الغصنِ
حنَّتِ الطبيعةُ إلى خدودِ البنينِ

فرَّت الحمامةُ بعيداً
حطَّتْ فوقَ اخضرارِ التينِ
سفينةُ الخلاص تنتظر بوحَ الأعالي
تهفو إلى نضارةِ الغمامِ
صوتٌ من قبةِ السماءِ يرنُّ في فضاءِ الفلكِ
تيقّن نوحٌ من مرحِ الحمامةِ بين مروجِ الغاباتِ

همسَتِ السماءُ لنوح همسةَ الانتعاشِ
فرحٌ دبَّ في دبيبِ الأرضِ
في أنيابِ الضَّواري
في صدورِ الطيورِ

تغلغلَ الدفءُ في جوانح الأرضِ
عشقٌ جامحٌ بينَ الأزواجِ
انبعثَ قبطانُ الخلاصِ إلى مهودِ الأرضِ
وداعاً يا هديرَ الطوفانِ
يا هديرَ البحارِ

اعشوشبَتِ الأرضُ بثمارِ الأعالي
تنامَتْ غلالُ الحصادِ
فرحٌ في مهودِ الأرضِ
تصالحَتِ الكائناتُ
     معَ غضبِ السماءِ
وداعةُ السماءُ تحلُّ في نِعَمِ الأرضِ
أيّها الإنسان
أيتها الكائنات
يا دبيب الكون
يا بحار الأماني
يا نسيمَ الروح الغافي على مروجِ الأحلامِ
بسمةُ الربِّ تضيءُ توالي اللَّيل والنَّهار
تغدقُ فوقَ قلوبنا نورَ الضياءِ!
تعرَّشَتِ القصيدةُ في ثغرِ الهلالِ
بوحٌ متوهِّجٌ من يراعِ تجلِّياتِ الخيالِ! 
..... .... ..... .... .... ....!

..... .... .... ... .... يتبعْ!


ستوكهولم: كانون الأوّل (ديسمبر) 2008
صبري يوسف
كاتب وشاعر سوري مقيم في ستوكهولم
sabriyousef1@hotmail.com


خاص كيكا