ما لم يقله احد عن اضراب سد دربندخان ـ الجزء السادس

المحرر موضوع: ما لم يقله احد عن اضراب سد دربندخان ـ الجزء السادس  (زيارة 828 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل دنخا البازي

  • عضو
  • *
  • مشاركة: 9
    • مشاهدة الملف الشخصي
ما لم يقله احد عن اضراب سد دربندخان
إضراب بلا عنف

دنخا البازي ( ابو باز )

للاطلاع على الاجزاء الاخرى انقر على الروابط التالية
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,447913.0.html
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,448118.0.html
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,449096.0.html
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,449765.msg4868817.html
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,452144.0.html

الجزء السادس
جملتي الأخيرة كانت تشبه رذاذ ماء بارد مر عليهم فأنعش فيهم الحضور الذهني ، وأخرج جملة أسئلة من قيعان دواخلهم المتوترة ، فأحدهم قال : لم تخطر هذه الفكرة ببال أحد . وقال آخر وهو يتسقط ردود الفعل : ولكنها فكرة مخيفه . وقال عيشاخان : كيف ندير الأضراب ؟! ومن يتحمل المسؤولية ؟ ولم يتأخر محمد مرزا رئيس النقابة عن القول وكأنه يحسم الأمر : بل قولوا كيف سنبدأ . فتجارب من سبقونا من العمال كثيرة ونجحوا بأنتزاع حقوقهم وهم يتحدون الموت والسجون والجوع ؛ فتلكم اضرابات العمال في كاورباغي والميناء وكي ثري ودوكّير وأضرابات أخرى غيرها . وكلها جرت في ظل النظام الملكي الذي واجه اضرابات العمال بالحديد والنار ، غير إن العمال نفذوا ما عزموا عليه ، لينالوا حقوقهم ، وليثبتوا بأنهم جسد وفكر واحد . فما بالنا لا نضرب الآن ، ونحن نعرف جيدا ان ، النظام الجمهوري جاء لينصفنا ، لا ليقتلنا .
ما خَطبَ به فينا رئيس النقابة محمد مرزا ، كان أول حل لطلاسم الكلمة السحرية ، الأضراب ، لتنفتح مغاليق أفواه الحاضرين عن ملاحظات جديرة بالأهتمام ، وهي تشكل أول الخيوط التي يمكن ان تنسج النقابة منها ، وبدعم العمال إضراب ناجح . وقد اجمعت ملاحظاتهم على وجوب أن تكون أهداف الأضراب ، هي توفير سكن للعمال كما هو متوفر للموظفين والفنيين وغيرهم من المهندسين ، والأعتراف بالنقابة كونها الممثل الرسمي للعمال ، وفتح مستشفى في المشروع ، وأيضا ، توفير الخدمات التي يحتاجها العمال كالمطعم والكازينو ودار استراحه ومدرسة لأبناء العمال ، وغير ذلك من تطلبات مشروعة لهم تحتاجها حياة العمال في المشروع .
عقدة الخوف من نتائج الأضراب ، او فشله لدى قادة النقابة لم تعد مستعصية ، فقد بدأ الحذر والخوف يغادر أحاديثم بلا رجعة ، وهم يسابقون الوقت بالنقاشات التي يمكن أن توفر للأضراب فرص نجاحه الممكنة ، وطبعا هذا الحدث الكبير يجب أن يحضى بموافقة اغلبية الهيئة الأدارية للنقابة وعليه فقد جرى الأتفاق على أن يبقى ما جرى هذا المساء سرا ، حتى يعد من قبل كل الهيئة الأدارية الأعداد المناسب للأضراب .
ذهب كل الى سبيله ، وحين توجهت الى بيت الطين والحجر حيث أقضي ليالي بصحبة الظلمة او بصحبة أحلام اليقضة التي تضاعفت هذه الأيام ، وبلا شك ، أن هذه الليلة ستكون حافلة بذلك النوع من أحلام اليقضة التي يخيطها التفاؤل .
وفعلا وحال وصولي الى الغرفة الطينية ، حتى احتواني ذلك الفراش الأبيض، فحطت على روحي ليس فقط تلك الأحلام الوردية ، ولكن أيضا بدأت استعيد شريطا جلي الوضوح عن أيامي الخوالي التي كنت فيها شاهدا على نجاحات اضرابات عمالية عديدة في شركة نفط البصرة ، كان يديرها قادة عماليين ، ذوي تجربة أعجب كيف خبروها . غير إنهم ما كانوا يعتبرون الأمر من الأسرار ، بل كانوا يدفعون الى إكتساب تلك الخبرة سيما وإنها تتوفر عند الأنغمار في النضال اليومي للعمال . وبعد ثورة الرابع عشر من تموز ، عرفت منبع الأستزادة تلك عن كفاح العمال ونضالهم من أجل مطالبهم المشروعة ، وكيف يمكن أن تدار أقوى الأضرابات . عرفت كل ذلك من صفحة من صفحات جريدة ( إتحاد الشعب ) الناطقة بلسان الحزب الشيوعي التي اطلقها بعد ثورة تموز الخالده لتكون راعيتا لحاجات الناس ومتطلباتهم أمام السلطة .
لقد كنت مدمن على متابعة أخبار العمال في هذه الجريدة ، لأني كنت واحد منهم . ولم أجدها غير معلم أول ، يوزع معارفه على كل من يريد ، وليس أمام هذا وغيره ، غير أن يتصفحها ويقلب أوراقها ، ليكتشف انه في عالم يسود فيه استغلال الأنسان للأنسان من قبل المتحكمين بقوت ومصائر الفقراء خاصة والناس عامة ، وبذلك فهو مطالب أن يناضل من أجل وقف هذه العبودية وهذا الأستغلال ، من أجل أن يتآخي الناس ويحولوا دون غنى القلة على حساب الأكثرية الساحقة التي لا تملك أي شيء . وأدركت من خلال هذا العلن عن الحرية وأساليب النضال ، بأن الفقير إذا وقف بوجه الأستبداد والأستغلال ، فأنه لا يخسر سوى قيوده ، ذلك لأنه لا يملك أي شيء في واقع الحال .
دروس كثيرة في فن الممكن تلك التي وهبتي إياها جريدة ( إتحاد الشعب ) ، مقابل أن اتعلم متى استعمل الكلمتين ( نعم او لا ) كل على حدة . كل هذه الفصول من التعلم وتجارب التهيئة للأضرابات الناجحة التي خبرتها عند نقابيون من طراز رائع ، جعلتني أمس أطرح فكرة الأضراب بكل أملك من ثقة بالنفس ، وبكل ما أملك من ثقة بنجاح الأضراب إن أقدمت عليه النقابة وقادت العمال اليه بلا عراقيل .
لم تزد الشمس من طلوعها كثيرا ، حتى كنت في مقر النقابة البسيط حسب الأتفاق الذي أبرمناه مساء الأمس . كنت اول من حضر ، فجلست انتظر بقية من التقيتهم البارحة ومن لم ألتقيهم . فامامنا تدبير ربما سيغير من وضع العمال في الشركة ، ويتغير معهم وضع العاطلين الذي أنا واحد منهم . في هذه الهدأة القصيرة سبحت ضد تيار يقضتي ، وعاد بي التيار الجارف الى عائلتي التي تنتظرني وتنتظر ما يمكن أن اوفر لهم من تطلبات بعد أن احصل على عمل في هذه الشركة ، غير أني زججت نفسي في هذا المعمعان الذي لا يبدوا من أمامه او وراءه غير ؛ إما الأعتقال ، أو أن اخسر فرصة حصولي على عمل ، وأعود بخفي حنين الى أهلي .
قطع محمد ميرزا علي تأملاتي ، وبادرني بالتحية الصباحية مصحوبة بحيوية غير أعتيادية كما يفعلها غيره . ثم تقاطر البقية من النقابيين ، وجلسوا وأنا بينهم ، وأعادوا ما قالوه بالأمس ليعلم من لم يكن حاضرا بما جرى إقتراحه بالأمس . لم يزد الحاضرين الجدد على ما تم الأتفاق عليه .
لم نتحاوركثيرا ، عندما طلبوا مني المساهمة بإغاء الموضوع سيما وأنهم عرفوا عن تجربتي بأضرابات قد ساهمت فيها منذ سنوات خلت ، فأختصرت حديثي بنقاط معدودة هي أقرب الى الشروط منها الى الملاحظات ، فبدون تحقيق هذه الشروط ، لا يمكن أن نبدأ الأضراب : واحد - كسب أكثر من نصف الفورمنية في الشركة . ثانيا : حماية المشروع ومرافقه من التخريب ، ووكذلك حماية الأجانب . ثالثا : أن نشخص أكثر من لجنة ، احداها للمفاوضات وأخرى للتحرك الميداني والتحضير . ورابعا : كتابة مذكرة نثبت فيها مطاليب العمال .
لم أزد فوق ذلك شيء ، لأننا اتفقنا على ما هية مطالب العمال ، فقد خضنا في كل تفاصيلها ليلة أمس ، بما فيها خضوع الشركة للقوانين التي أصدرتها الحكومة الوطنية بعد ثورة الرابع عشر من تموز التي تعني بمصالح العمال وحقوقهم . كان كأنه أجتماع التقت فيه القناعات من اجل أنجاز هذا الأضراب .
بعد ثلاثة أيام من ذلك اللقاء ، عقدت الهيئة الأدارية للنقابة ، إجتماعا دعتني إليه , وقد جمعنا هذا الأجتماع ، مع بعض الكوادر الشيوعية في المنطقة ، منهم الكادر الحزبي المجرب ملا علي . إتفقنا في هذا الأجتماع ، على كتابة مسودة للمذكرة التي سيجري تقديمها للشركة ، مترجمة الى اللغة الأنكليزية ، وترسل نسخة من هذه المذكرة ، بعد أعدادها بشكل نهائي ، الى كل من وزارة الأعمار ، وزارة الشؤون الأجتماعية ، الأتحاد العام لنقابات العمال ، الصحف المحلية في بغداد ، وخصوصا التقدمية منها . والى مديرية الشؤون الأجتماعية في السليمانية .
كتبنا انا والشيوعي ملا علي ، المذكرة بالتفاصيل التي إتفقنا عليها في اللقاء ، ومن أجل ان تأخذ المذكرة كامل أبعاد نجاحها ، فقد عرض النص ، على المهندس الشيوعي سالم الشيخ ، طالبين منه رأيه بها ، ثم ترجمتها الى اللغة الأنكليزية . لقد توطدت علاقتي الحزبية بهذا المهندس بعد نجاح الأضراب ، فصار مسؤولي الحزبي لفترة غير قليلة .
* * *
في أقرب لقاء في النقابة بُلغتْ بأني سأتولى مسؤولية توزيع المذكرة الى الجهات والدوائر ذات العلاقة ، ولأنهم يعرفون بأني عاطل عن العمل ، لا أملك أي إمكانية مادية ، يمكن أن تغطي تكاليف السفر والإقامة ، فقد تكفلت النقابة بكل ما أحتاج أليه من مصاريف سفر وإقامة في بغداد والسليمانية ، للوصول لتلك الدوائر، ومسؤوليها الذين لا اعرفهم ، متحدثا بإسم عمال المشروع الذين تجاوز عددهم الثلاثة آلاف عامل وفني .
كان هذا العد الضخم من الشغيلة يشكل أغلب طوائف سكان العراق ومدنه . فالى جانب المسلم كان كان يقف المسيحي والأيزيدي والمندائي والشبكي ، والى جانب الكوردي كان يعمل العربي والتركماني والكلداني والآشوري . ويستطيع ان يجزم المرء ، انه كان يلمس العراق بكل تفاصيله البشرية في مرجل ذلك المشروع الجبار ، الذي سيضع كل العراق ، على عتبة جديدة في مضمار التقدم الزراعي والعمراني .
لم يخطر ببالي ، وأنا أكلف بتلك المهمة غير الأعتيادية ، بأني سوف امثل هذه البودقة العراقية من تنوعاته ، فهامت روحي في علياء لم ارتقيه من قبل . كما لم يخطر ببالي بأني لست سوى مجرد عاطل عن العمل ، اتسكع مع غيري من العاطلين يوميا أمام بوابة الشركة التي انتظر منها ، ان تطلق سراح موافقتها على تعييني فيها ، كي احسب نفسي حقا من عمالها او شغيلتها . حين إجتاحني هذا التذكر ، لم اضع في حسباني غير نجاح الأضراب ونيل الحقوق ، فنسيت كل شيء ، بما فيهم اهلي المنتظرين مني فرجا يفتح لهم باب أن يعيشوا بالكفاف الذي لا يشعرون معه بالعوز والفاقة .
مرحلة سفري الى بغداد والسليمانية التي كُلفتُ بها ، كانت قد سبقتها مراحل عملية تحضيرية قامت بها النقابة للتهيئة للأضراب . فقد تم بنجاح ضمان موافقة أكثر من سبعين بالمئة ، من مسؤولي الأقسام (الفورمنيه ) ، اذ وافقوا على عدم العمل أثناء الأضراب رغم ضخامة رواتبهم . وكذلك موافقة أكثرية ساحقة من العمال على المشاركة الطوعية في هذا الأضراب المنتظر . كما لم تحدد النقابة فترة للأضراب ، بل جعلته مفتوحا ، لا يتوقف ، حتى يتم تحقيق مطالب العمال التي وردت في المذكرة .
يتتبع