فلسفة القديس انسليم كاول لاهوتي عقلاني!

المحرر موضوع: فلسفة القديس انسليم كاول لاهوتي عقلاني!  (زيارة 3368 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

متصل يوحنا بيداويد

  • اداري
  • عضو مميز
  • ***
  • مشاركة: 1351
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
فلسفة القديس انسليم كاول لاهوتي عقلاني!!
بقلم يوحنا بيداويد
ملبورن –استراليا
تشرين الاول 2010

في القرون الوسطى كان الصراع الفكري بين الفلاسفة واللاهوتيين  محددا في المواضيع اللاهوتية  الكبيرة حول شخصية الله ومفاهيم التثليث وسر التجسد والخطيئة الاصلية وكيفية ايجاد طريقة لتوافقها مع امتداد الانجازات الفكرية في الفلسفة الاغريقية وفلاسفتها العظماء مثل افلاطون وارسطو. فكانت مسالة  اثبات وجود الله دائما هي نقطة انطلاق الفلاسفة في ابحاثهم . الفيلسوف واللاهوتي الكبير القديس انسليم(1)  كان احد اقطاب هذه الصراع الذي  جعل من اثبات وجود الله عقليا مهمة وهدفا للفلسفته ولاهوتيه طوال حياته.
ولد القديس انسليم في مدينة اوست على حدود الفرنسية الايطالية سنة 1033م. ورث من امه   الرقة والعطف ومن ابيه روح العكسرية والتفكير الجدلي. لم يكن محظوظا في بداية حياته حيث تلمذ على يد استاذ لم يكن موفقا في كشف مواهبه ، بالعكس تركت طريقة تعامله معه اثرعقدة نفسية في داخله مما جعل  بصماتها ان لا تزول مدى حياته. حاول في بداية حياته عندما كان شابا  دخول الرهبنة الا ان والده كان يعارضه في ذلك معارضة شديدة. لما بلغ 24 سنة من العمر ترك البيت بعد ممات والدته هربا من قساوة والده متوجها الى بورجونيا في فرنسا. هناك تاثر بحياة القديس اوغسطين الفكرية وانجازاته الفكرية واللاهوتية وغزارة كتابتها العميقة، فبدأ يسأل ذاته اسئلة صعبة وعميقة على غرار القديس اوغسطينوس، لهذا توجه بعد ذلك الى جنوب فرنسا  الى منطقة النورماندي  التي كانت مملوءة بالاديرة باحثا عن اجوبة. في النهاية قرر ارتداء ثوب الرهبنة، منذ بداية دخول حياة الرهبانية نال احترام وسمعة طيبة بسبب سلوكه الرصين ورقته اللذان جعلاه محبوبا ومقبولا بين جميع رهبان ديره، فحينما توفي رئيس الدير تم اختياره خليفة له وهو لا يزال في الثلاثين من عمره.
سنة 1079 عبر بحر المانش الى انجلترا لزيارة اديرته ورهبانه الكثيرون هناك في انكلترا. سنة1093 عينه الملك انكلترا الاسقف الاول على كرسي كونتبري خلفا لاستاذه لانفران بعد بقائه شاغرا لفترة. كان له دور مميز  لتخفيف الصراع القائم بين الكرسي البابوي وملوك انكلترا، فكان سببا في تريث البابا في حرمان ملك انكلترا في حينها. كانت هناك صراعات و جدالات حول صلاحية البابا وسلطة الكنيسة على الاديرة والكنائس مع ملوك انكلترا كبيرة، لكن بسبب جهوده حصل تفاهم في نهاية الامر، حيث تم الاتفاق على ان تعطي للكنيسة الحق والسلطة في ادارة شؤون الكنيسة لان روح القدس اعطى لها الحق في اقامة القداس. مات سنة 1109 بعد عجزه ومرضه تاركا مثالا صالحا في الرهبنة ولاهوتا متحررا موفقا بين دور العقل والايمان حول معرفة الحقيقة.


الجدال بين الفلاسفة واللاهوتيين المحافظيين :-
في القرن الحادي عشر كان الجدل والخطابة قد تفوق على الفكر اللاهوتي واصبح المثقفون يميلون اليهما بعد قرون طويلة من سيادة واحتكار رجال الدين للفكر. نشأت في حينها محاولات لاخضاع الوحي والعقيدة لقياسات العقل وقواعد المنطق. وكان القديس انسليم هو من الاوائل من حاول استخدام  الجدل في الاقناع . المحاولة الاخرى التي سبقته، كانت من قبل المفكر بيرانجييه التوري، الذي انقلب على استاذه فلوبير، كان من المؤيدين خضوع العقل للدين لانه العقل عاجز عن معرفة الحقيقة وجميع اسرار الدين، لقد اتهم التوري بالالحاد عندما عبر عن حقائق الدين حسب مقتضيات العقل(2) معتمدا على مقولة للقديس اوريجين التي تقول :" بان الله خلق الانسان على صورته ومثاله ( الكتاب المقدس)، فالعقل الانسان هي صورة الله في الانسان اذن العقل اعلى من اي سلطة في تحديد المعرفة والحقيقة". كان لهذه الاقوال نتيجة خطرة جدا على مبادئ الايمان المسيحي والعقيدة الكاثوليكية.
امام هذا التيار المتحرر والمتجدد كان هناك شعور بخطورة الموقف، فكان  تيار محافظ المتوغل بين  تلاميذ المدرسة الاسكولاتية الكنسية يقوى ويشتدد يوما بعد يوم، حيث  قال احد المحافطين :" ان المسيح نفسه هو سبب خلاصه من  ازماته الروحية اما افلاطون وارسطو وشيشرون وحتى القديس بولس لم ينقذوه من شيء".  قد تغري الفلسفة الانسان العادي ولكن لا تفيد الراهب المتدين. اما اكبر شخصية من تيار المحافظين كان بطرس الدماني، فكان اكبر عدو للفلسفة حيث حرم الاشتغال بالفلسفة فقال : " لو  كان الانسان بحاجة الى الفلاسفة لكان الله ارسل الفلاسفة مبشرين ومنذرين، الا ان الفلسفة هي من عمل الشيطان البلاغة من صنعه"

اهم مؤلفاته وكتبه:
اولا-  في ماهية الله ووجده
كتب كتابين مشورين هما (مونولوجين Monologion  الذي هو حديث النفس) و (بروسلوجيون  proslogion  بمعنى مقال في وجود الله ، ويظهر القديس انسليم فيلسوف عقلاني في طرحه)
ثانيا – حرية الانسان وارادته
كتب ثلاثة كتب  وكتيب صغيروهي:-
الحقيقة De Veritate ، والارادة الحرة De libero Arbitro  والتوفيق بين القضاء والقدر والارادة الحرة ، واخيرا كتيب صغير تحت عنوان الارادة De Volontate>
هناك كتب لاهوتية وفكرية اخرى لقديس انسليم اهمها:-
النحو، سقراط الشيطان، الايمان بالتثليث، صدور الروح القدس، لِم اصبح الله انسانا، الحمل العذري والخطئية الاصلية، تأملات وصلوات، مراسلات،المتاشبهات.


الافكار الفلسفية واللاهوتية لقديس انسليم:-
كان قديس انسليم كاستاذه لانفران اقل شدة من زملائه اللاهوتيين ضد الفلسفة ولكن دون ان يعطي معرفتها الثقة المطلقة. فحاول التوفيق بين طرفي الصراع مع اعطاء تقيم موضوعي لدور كل منهما. بهذا كان القديس انسليم يعتبر اول  لاهوتي في الالفية الثانية اعطى للعقل اهمية كبيرة، واعتمد عليه لوحده دون الالتجاء الى سلطة اخرى مثل الكتاب المقدس او اراء اللاهوتيين كقديس اوغسطينوس الذي اعتمد في ايمانه. منوها بان ليس معنى كلامه ان العقل هو المصدر الوحيد للمعرفة، بل المصدر الوحيد للبرهان، ويعود الى قضية الايمان بالوحي ويضعه فوق العقل كالقديس اوغسطينوس في مقولته المشهورة " امن كي تعقل" . انسليم يؤمن ببرهان العقل ولكن ذلك البرهان مبني على اساس حدس ديني اصلا  فهو عكس مقولة اوغسطينوس  فقال : "الايمان باحث عن العقل"
لهذه البعض يرى ما هي محاولة انسليم الا محاولة اوغسطينوس الجديدة في عصر كان الجدل والمنطق اصبح  خطرا محدقا بالكنيسة والعقيدة اللاهوتية. فقديس انسليم خاض المعركة ضد اتجاهين محاولا ايجاد حل توفقي بين الطريقتين العقل والايمان في البحث عن الله، فأصطدم اولا مع الفلاسفة، وفجدالهم في موضوع  الاعتماد على انتاج العقل في تحديد المعرفة، من جانب اخر صارع اللاهوتيين الذين يرفضون اعطاء اي دور للعقل في كشف البراهين لتقوية الايمان. فانطلق القديس انسليم من زاوية جديدة للموضوع، فهو يرى ان العقل لا بد يستند الى شيء في بدايته ،  على قاعدة او مرجعية او منطق اخر سواه ، ولا يوجد شيء اخر سوى الايمان، فالايمان هو الحجر الاساسي والمنطلق الاول لدى العقل، لانه لا يستطيع العقل التفكير في لا شيء ، وان تعقل شيء فهو عقل الايمان ، من جانب اخر يرجع مرة اخرى ليدافع عن العقل وسلطته ضد خصومها ، فلا يرى الايمان يعني تحريم الجدل الذي هو نتاج العقل، الايمان يحتاج الى العقل وبالعكس، فالعقل يبدا من حدس الايماني في تعقل الامور، واستشهد بكتب الدينية واراء المسيحيون الاوائل بأنه لم يحرموا دور العقل في معرفة الحقيقة وفهم الايمان ومحتواه. العقل الذي يفطر بطريقة صحيحة ومنطقية حتما تقوده الى الايمان بوجود الله، فكانت طريقته لاثبات وجود الله طريقة انطولوجية التي نجدها في كتابه (بروسلوجيون)  طريقة مهمة حتى لغير المؤمنين بوجود الله.
فكان جداله في اثبات وجود الله في هذه الطريقة، مبني على ان الله هو الكائن الذي لا يمكن ان نتصور كائن اخر اسمى منه، وهذه القضية مسلمة حتى عند الذين لا يؤمنون بالله، يقر غير المؤمن بأن الكائن الكامل كائن لا يمكن تصوره وفهمه حسب الذهن او العقل فحسب بل لا بد من وجوده في الواقع الامر.
فطريقة انسليم بدأت بتأمل الله ، مناجيا له في كتاب الاول ( مونولوجين) ان يكشف له عن نفسه وان يراه موجودا في قلبه عن طريق الايمان، ان يهبه القدرة على ان يعقل ايمانه، فكان دائما يستخدم عبارة العقل والايمان او حديث النفس والتفكير، فكان اعتماده على سلطة العقل وحدها اتى بنتائج مماثلة لكتاب المقدس واراء القديسين لا سيما القديس اوغسطينوس الذي يعتبره مثالا له.
القديس انسليم حاول فهم الاسرار التي كانت في راي اللاهوتيين الاخرين فوق معرفة العقل ان يفسرها عقليا. فكانت افكاره هذه هدفا للاهوت  الكبيرالقديس توما الاكويني من بعده بقرنين .
من المواضيع اللاهوتية المهمة التي عالجها القديس انسليم هي الحقيقة. استمد فكرته من القديس اوغسطينوس الذي جعلها معرفة الله نفسه. لكن الحقيقة ليست تعريف مادي ملزم لتطابق الشيء مع الواقع او وجوده في الواقع وانما حسب تعريفها الميتافيريقي الذي هو اتساق الداخلي للموضوع نفسه. اي انسليم يركز مثل ارسطو على جوهر الذاتي للشيء او الغاية الذاتية. وان اتساق الموضوع مبني على وجود الفعل الحر. يمتد هذا الاتساق الى ان يتحد مع الاتساقات للاشياء الاخرى او الحقائق الاخرى الى ان تصل الى حقيقة اكبر  فاكبر الى ان تصل الى الله نفسه. والاستقامة يعني العدالة المتحققة من وجود نظام الذي يوصل الانسان الى اكتشاف الله والخضوع لارادته بقناعة او ايمان مطلق.
نقد وتحليل:-
يعتبر القديس انسليم اول لاهوتي عقلاني في تاريخ الكنيسة بعد الف سنة من نشوئها. اعترف في مناسبات كثيرة انه تلميذ للاهوتي الكبير القديس اوغسطينوس الذي استمد الكثير من افكاره الذي عاش قبله حوالي 750 سنة. ومحاولته للتوفيق بين العقل والايمان كانت رائدة في حينها، وقد اصبحت افكاره هدفا كبيرا لابحاث اللاهوتيين والفلاسفة من بعده لا سيما للاهوتي الكبير توما الاكويني. ظهرت اثار افكاره في اعمال جميع الفلاسفة الكبار من بعده من امثال سبينوزا وديكارت وتوما الاكويني و كانت وهيجل . اما الفلاسفة الوجوديين رفض  كلا الطرفين المؤمنيين والملحديين برهانه. يعتبر اول من وضع  البراهن  الانطولوجي في اثبات وجود الله الذي اخذ مكانته بصورة اوسع على يد الفيلسوف الفرنسي الكبير ديكارت من خلال مقولة الاخير المشهورة في كوجيتو " انا افكر انا إذن  موجود". لقد انقسم عمالقة الفلسفة بين تيار مؤيد ومعارض على برهان الانطولوجي . الامر الذي يشجعنا ان نعود لعمل دراسة مفصلة عنه في المستقبل .


المصادر:
المصادر:-
1-  د. حسن حنفي، نصوص من الفلسفة المسيحية في القرون الوسطى، 2005، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت 1967.
2-  د. هادي فضل الله ، مدخل الى الفلسفة، دار المواسم، الطبعة الاولى، بيروت ،2002.
3- المطران كوركيس كرمو، الانسان وااله ،الجزء الاول، مؤسسة اورنيت للطباعة والنشر، مشيكان،1987
5- بيتر كونزمان واخرون، اطلس الفلسفة، ترجمة د جورج كتورة، المطبعة الشرقية، الطبعة الاولى،1999 .
6- ول ديورانت، قصة الفلسفة،مكتبة المعارف،الطبعة الرابعة،بيروت، 1979
7-
Basic Teaching of the Great Philosophers, Doubledy,  S.E. Ffrost, Jr New York,1962
8-
 History of western Philosophy, Bettrand Russel, ninth edtition,George Allen & unwin ltd, 1961

....
1- يدعى ايضا انسليم الكانتبري.
2- حيث شك في عملية تحول جوهر الخمر الى دم المسيح والخبز الى لحم المسيح في القربان المقدس حسب الكنيسة الكاثوليكية.