ما لم يقله احد عن اضراب سد دربندخان ـ الجزءالسابع

المحرر موضوع: ما لم يقله احد عن اضراب سد دربندخان ـ الجزءالسابع  (زيارة 854 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل دنخا البازي

  • عضو
  • *
  • مشاركة: 9
    • مشاهدة الملف الشخصي
ما لم يقله احد عن اضراب سد دربندخان
إضراب بلا عنف


دنخا البازي ( ابو باز )

للاطلاع على الاجزاء الاخرى انقر على الروابط التالية
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,447913.0.html
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,448118.0.html
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,449096.0.html
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,449765.msg4868817.html
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,452144.0.html
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,452434.msg4887489.html



الجزء السابع

إبتدأتُ رحلتي الميدانية الى السليمانية ، تلك المدينة الصغيرة الهادئة الوادعة بأهلها المتصفون بطيبة ، ومزاح مرح ؛ وفطنة يتميزون بها على سواهم . وقد وزعت فيها المذكرة بنجاح على الدوائر المعنية . وبدون أي تأخير يمكن أن يلاحظ مني ، سافرت منها الى بغداد .
وبغداد لم تكن مدينة عادية ، إنها العاصمة بما فيها من أبهة وبهاء . فهي صاحبة الجسور العديدة ، والمراكز التجارية المختلفة ، أما شوارعها المكتظة بالناس فهي عبارة عن قناطر لمرور السيارات والبشر ، كانت تلك الطرقات المبلطة النظيفة ، تسرق أنظار أمثالي ، الذين لم يألفوا هذه الظاهرة في مدنهم المتعبة .
صحوت متعبا وكأني كنت أكد في نومي ، رغم ان الفندق الذي نزلت به كان مريحا وفراشه افضل بما لا يقاس عن الفراش المحفة ، الذي كنت أتقاسمه مع قريبي ؛ ليلا كان لي ، وفي النهار كان له . وحال خروجي من الفندق ، توجهت الى الأتحاد العام لنقابات العمال ، لم أكن اعرف مناطق بغداد ، بإستثاء المعالم التي كانت تشكل قلب بغداد ، خصوصا للذين يأتونها من مدن بعيدة أخرى . اذلك فكنت كثير الأستفسار من المارة وأصحاب المحلات عن الأماكن التي اروم الوصول إليها . لذا كان سؤالي الأول عن مكان الإتحاد العام لنقابات العمال . وصلت إليه ، قبل أن افكر بالذهاب الى أي من الدوائر التي يتوجب وصولها لأترك عندهم المذكرة .
أستقبلني هناك عند الأستعلامات ، شاب بهاءه لافت ، وتواضعه جم ، لم يتركني اغرق في تفاصيل أسباب مجيئي ، وكأنه كان يقرأ ما بعد الكلمات التي كانت تنز من لساني . أخذ مني المذكرة ، وهو يوقف شلال كلماتي النازفة من وجداني ، بسؤال أختصر عليَ كيفية أختيار البدايات في الحديث : هل تأكدتم من استعداد العمال لهذا الإضراب ؟
كان قد سَمْى لي رؤساء الأقسام تحديدا . ولما أجبته بالأيجاب ؛ أنفرجت أساريره . كأنه سمع ما يزيح عن صدره كل هم . وضع يساره بيدي ، أما يمينه فكانت ممسكة بالمذكرة ، بأصابع لا ينضح منها الماء ، وتحرك بي ، وكأنه قد تحرر من كل قيد ، او أثقال كانت تعيقه . أوصلني بحيوية لافتة الى واحدة من الغرف التي يتربع على طاولتها وكرسيها الخشبيان رجل توسط عمره العقد الخامس . أمامه لوحة خشبية مستطيلة بلون بني ، تماما ، كتلك التي كان يضعها مدير مدرستي الأبتدائية أمامه ، وقد خط فوقها كلمة المدير ، اذ لفتت نظري حينها لما دخلت غرفته لأخذ الطباسير الى الصف . غير إن ما أراه على هذا المستطيل الخشبي هنا ، هي كلمة أخرى ، او جملة لم المح معانيها . إذ لم يشجعني وضعي المربك للإنتباه الى ما كان مكتوب عليها .
رحب بي الرجل كأني واحد من أصدقائه ، وقدم لي نفسه ، على انه سكرتير الأتحاد ، فتلصصت عيوني على المستطيل الخشبي ، فوجدتها ( السكرتير العام لنقابات العمال في الحمهورية العراقية ) . وبالقدر الذي أثلج صدري هذا العنوان ، فقد أثلج صدري أكثر ، تواضعه الذي لا تجده عند آخرين يجلسون خلف مناضد شبيهة بمنضدته ، بل حتى أقل منها زحمة بالأوراق والاقلام . وبعد أن قلت له من أكون ولماذا أنا هنا ؛ طلب مني الجلوس على واحد من الكراسي التي تعج بها الغرفه . فدس ذالك الشاب في يده مذكرتنا التي تواجه منذ الآن إما القبول ، او عدم القبول . إن أمامها مارثون طويل من الأيادي التي ستتلاقفها . وأمامي أنا أيضا مارثون طويل هو الآخر ستتنقل فيه يدي من كف لآخر ، ومن يد الى أخرى مختلفة . بين تلك الأيادِ من ستصافح ، وربما فيها أيضا من سوف لا تصافح .
تأمل الرجل كثيرا في المذكرة . ثم استقرت عيناه طويلا عند جمل بعينها . راحت هواجسي أثنائها ، تلتقط من هذا المشهد المزدحم بالأفكار ، نتائج محددة ؛ ليس بينها اي لون رصاصي ، فإما اسود ، وإما ابيض . كانت توقعاتي تنتقل من فكرة الى ثانية ، أحدهما لا تشبه الأخرى . اذن فمذكرتنا تقف الأن أمام إمتحان ، فإما أن تكون ؛ فيطلق لأفكارها العنان ، وإما أن لا تكون ، فأعود الى النقابة بخفي حنين ، لأقول لمن فيها من منتظرين عودتي محملا بأخبار مفرحة ، فأقول لهم ما لا يسر ، ولا يشرح القلب .
كنت وأنا انتظر أن ينتهي من قراءة المذكرة ، اتقلب على نار ، جعلت مسام جسدي تتقيأ كل عرق فيها . حتى ان اللعاب الذي كان في فمي قد استحال الى مادة لزجة ، قد حالت دون أن تكون كلماتي واضحة له ، حين واتتني اللحظة لأقول : نعم ، ردا على سؤاله ، لما وضع المذكرة على سطح طاولته ببطء : هيأتم انفسكم للأضراب ؟!
لم يكن سؤال ولم يكن جواب . كان مبهما بلا ملامح ، بل كانت الجملة التي قالها ، اشبه بابتسامة لوحة دافنشي الموناليزا ، تقبل كل الأحتمالات والتأويلات . بعد نعمي المتأكدة له ، ساد صمت وجيز ، استنزف مني كل قوة أعصابي ، ليبادرني بسؤال كاد صداه ان يمزق طبلة أذني ، لا لحدته ، بل لأنه كان في لحظة سماعي له ، حسبت سؤاله قد تردد في أذني آلاف المرات .
شربت قدح الماء الذي وضعه أمامي مع قدح الشاي رجل مسن ، يقوم بهذه المهمة مع كل ضيوف السكرتير ، وبعد أن شربت ما كان في القدح ، تسلل الى خارجي ، ذلك الشد العصبي الذي حرر لساني من الحران دون حركة أو كلمة ، فسردت له كل ما هييئنا له لكي ندير اضرابا ناحجا ، وخاليا من العنف . بدءا من لجان المفاوضات الى لجان حماية الأجانب ، وإلى كل ما يمت على حماية المشروع من الأضرار بصلة ، كالماء والكهرباء وضمان وجود السوق أيضا .....
تناول من درج مكتبه ملفا أسمر ، وبعد أن طواه كتب على واجهته ( إضراب عمال سد دربندخان ) ودس بين دفتيه مذكرتنا التي همشها بجملة " يتابع الأضراب ونتائجه " ثم وضعه في درج المكتب ، ليتطلع بعدها بي ، وكأنه يتطلع في وجوه جميع عمال المشروع ، حينما هزم صوته الواثق ، ذلك الصمت الأخرس الذي سادني : يبدوا إنكم تملكون خبرة ممتازة في الأضرابات ، فقد رتبتم اموركم بشكل جيد ، وليس أمامنا غير أن نتمنى لكم النجاح . وإن الأتحاد بدوره ، سوف يرسل لكم ممثلا عنه عند الأضراب ، لتقديم المشورة والمساعدة ، إذا إقتضى الأمر ذلك طبعا . نتمنى لكم ولطبقتنا العاملة ، كل النجاح من أجل نيل حقوقها المشروعة .
ودعني نيابة عن الأتحاد كما قال عند مغادرتي غرفته . ظل معي ذلك الشاب الذي استقبلني حتى باب الإتحاد الرئيسية وهو يتمنى لنا النجاح في إنجاز مهمتنا ، بقي هذا الشاب ، يقدح في ذاكرتي ، حتى بعد أن قتله من قتل وإغتال ثورة الرابع عشر من تموز في اليوم الذي جلله وطنيوا العراق بالسواد ، لكثرة ما خلف من نساء توشحن بالسواد ، وهن اللواتي ثكلن بأزواجهن ، أو أبنائهن بنين وبنات ؛ أو إخوانهن وأخواتهن . كان ذلك اليوم هو يوم الثامن من شباط من العام 1963 .
كان الذي ودعني لأذهب الى وزارة الشؤون الأجتماعية ، هو القتيل تحت التعذيب بلا رحمة ، العامل النقابي الشيوعي طالب عبد الجبار ، الذي تذوقت - بعد أن عملنا سويا في المجال السياسي حين ابعدت عن دربندخان لأسباب سياسية - أقول : تذوقت من جهاديته ووطنيته من اجل العمال والوطن ، حلاوة ان تكون أول من يضحي وآخر من يستفيد .
راحت أقدامي التي تعودت ان تلتهم المسافات مهما طالت ، تغذ بي السير الى المنطقة التي كانت تنتصب فيها وزارة الشؤون الأجتماعية كمعلم من معالم تلك المنطقة . في هذه الوزارة لم افعل غير أن قدمت المذكرة الى الأستعلامات ، فسجلوها في قسم الواردة ، ثم وضعوها في ملف أنيق كتب عليه ( البريد الخاص بالسيد الوزير ) ، بعدها اعطوني ورقة كتبوا عليها الرقم والتأريخ لغرض المتابعة ، وأبلغوني بأنهم سوف يدخلوها الى الوزير مع البريد الخاص به . شكرتهم وتركت الوزارة هذه ، الى وزارة الأعمار .
في الطريق اليها ، أستعدت بذهني ما قلته لطالب عند باب الأتحاد : اتوجس من هذا القومجي يا طالب أن يعيقنا ويخلق لنا المتاعب ! فأجابني بإبتسامة نفذت الى الوجدان ، وتوشمت على جدرانه : إنهم لا يستطيعون تغيير المقادرير ، ومقادرينا نحن بالذات ، إلا إذا مسحونا من وجه الأرض ، ودفنونا فيها ، نحن وأفكارنا .
كانت تلك النصيحة التي دوت في داخلي ، قد اشعلت كل حماستي لقضية العمال ، ولم تبق خلية في جسدي لا تتغنى بتلك الحماسة الطاغية ، حتى ان أقدامي قد احسستها ، لا تلتهم المسافات قحسب ، ولكنها كانت تشربها أيضا ، وعلى وجه الخصوص، تلك المسافة المؤدية الى الباب الشرقي ، حيث تقع وزارة الأعمار ، المطلة على نهاية شارع الجمهورية ، الذي ينتظر هو ، والناس أيضا ، أن يفتتحه عبد الكريم قاسم في القريب العاجل .
لايزال يسري بي شيء من الخوف ، الخوف الذي يصل احيانا الى هاجس يستحيل في ثنايا لحظة ، الى رعشة غريبة بيدي ، بل في جسدي كله ، رغم شحنة المعنويات التي ربضت بي كالقلاع ، للدفاع عما احمله من قضية .
عند وقوفي في باحة استعلامات الوزارة ، تلفتُ لأتأكد من مكان من سأتحدث معه من الموظفين حول المذكرة التي احملها معي في كيس ورقي أسمر . في تلك اللحظات المديدة التي تماسك فيها زمامي ، تقدمت الى أحد الجالسين خلف منضدة مزدحمة بالملفات والسجلات التي كانوا يدونون فيها ما يرد الوزارة من بريد ، وقلت له مباشرة وبلهجة لا تخلوا من اصرار ملحوظ : أريد اللقاء بوكيل الوزارة لأمر هام جدا . لقد جئت من مشروع سد دربندخان ، حاملا هذه المذكرة الى السيد الوزير ، وهي تتضمن قرار أعلان عمال المشروع ، الأضراب المفتوح عن العمل ، حتى تتحقق مطاليبهم .
لم أزد حرفا على ما قلت ، لأني شعرت بأن جعبة لساني قد جفت من أية كلمة ، يمكن أن تضيف الى ما قلت من معنى جديد ، لتنطلق من الموظفين همة وهياج ، عج بها المكان بحراك هد كل أسوار السكون المخيم على هذا البهو الفاره ، فهرع إثنان منهما يحملان المذكرة كأنها وليد تمخضتة أم لمليون إبن ، وغاصوا في ممر طويل . غير إن الحراك لم يترك حدود المكان الذي كنت اقف عنده . وبين فينة وأخرى تسرقني نظرات بعض الموظفين ، ربما ليتبينوا من أكون ، أنا المتطامن بثبات أمام طاولة الأستعلامات. لم اعر ما كانت تصوب علي العيون من نظرات ، أي إهتمام ، بما فيها عيون شرطيين وقفا متربصين ينتظران إشارة ليمارسا لعبتهم مع سيء الحظ الذي يقع بين أيديهم .
مرت دقائق معدودة ، ولكنها كانت اطول مما كنت أعانيه من أنتظار أمام بوابة الشركة . لم يقل الحراك من حولي إلا لحظات ؛ حتى هاج مرة أخرى بصخب منظم ، ومن حيث ما دخل أولئك الأثنان . إزدحم المكان بالهمس الصاخب ، وأحاط بي من كل جانب : جاء سيادة الوكيل .... جاء سيادة وكيل الوزير !
يتتبع