"شجاعة" صدام وابتسامته: تشريح سايكولوجي
[/size]
عبدالمنعم الاعسم aalassam@hotmail.com صدام حسين، هل كان شجاعا ام يائسا خلال اللحظات التي استمع فيها الى الادعاء العام وهو يطالب باعدامه؟ ربما سندلي برأينا في ذلك لاحقا، لكن ما يعنينا، كمدخل الى الموضوع، هو موقف النخب العربية اللافت، وكتاب منهم بالاخص، من هذا السؤال.. اعني اعجابهم بموقف صدام في المحكمة.. فاقول: ان اعجاب بعض الكتاب العرب بـ "رباطة جاش" صدام حسين وهو يستمع الى مطالبة الادعاء العام باعدامه هو اعجاب اولئك الكتاب بدونيتهم إذ يفتقدون، كما يقول عالم النفس الفريد ادلر عمن يتسقط شجاعة في ذات اخرى قد لا تكون شجاعة، الى فروسية في معناها الشكلي، ورباطة جأش في حدها الادنى، ومحاولة منهم للتماهي في قيم الشجاعة ليس تمثلا لها في ذاتهم ، ولا انطلاقا منها نحو فحولتهم، ولا عبورا فيها الى معركتهم، لكن استعارة لها من ذات اخرى يائسة، ومن فحولة منتحرة، ومن معركة انتهت الى كارثة.
في وقت واحد اطلقت، مؤخرا، صحيفتان عربيتان، في مصر والاردن، السؤال التالي: هل كان صدام حسين شجاعا في مواجهة المطالبة باعدامه، ام كان يائسا؟ فكانت بعض الاجابات، وبخاصة من كتاب ومتعلمين، تفصح عن مأزق "قطيع" يحلم بقوة عمياء تخضعه بالعصا، وعن محنة سلالة نائمة طي كثبان من الرمل، فقد تحول صدام لدى العديد ممن اجابوا على السؤال الى تعويض لهم عن تاريخ ضل طريقه، فقال احدهم "ان صدام اثبت بانه رجل شجاع، لكن اخواننا في العراق ابوا إلا الرضوخ الى الاحتلال" واجاب آخر، قال انه استاذ جامعي، بما يلي: "ان البطولة فصلّت على هذا الرجل، فمن غير صدام يستطيع ما استطاعه؟ ومن غيره يقدر اقتداره؟ ومن غيره يحول اغلاله الى مفتاح لوحدة الامة وانتصار دينها؟" وكتب آخر: "مهلكم ان الرجل يائس، ويتصرف في داخل المحكمة ضمن مسرحية امريكية ولنقل تحت حماية امريكية" وقالت سيدة صحفية: "لا تفقدوا الامل، ان صدام قادم، انه شجاع في زمن سقطنا جميعنا في الخذلان والضعف والجبن".
وإذْ نستدل بالفريد ادلر، عالم النفس الذي انصرف سنوات طويلة الى تحليل الشخصية الدونية، فاننا سنجد في تلك الاجابات الكشف الطبي الموثق عن حال الجيل المريض الذي حسب ادلر " يبحث عن القوة المفتقدة فيه من خلال وهم القوة في مخلوق او معنى آخر" ..انها " حالة عصابية تنشأ عن شعور المرء بقصوره الحقيقي أو الوهمي بالنسبة إلى الاسئلة الصعبة التي يواجهها وهذه الحالة تورث صاحبها الشعور بالخذلان الدائم , وقد تحمله في بعض الأحيان على التعويض عن ذلك بالمغالاة في توصيف الشجاعة في سيّده أو قامعه، وكثيرا ما تدفع عقدة النقص المصاب بها إلى انتهاج ضروب من السلوك العدواني".
والسؤال التفصيلي المهم هو: لماذا سقطت "شجاعة" صدام حسين في عيون العراقيين فيما تألقت في عيون العرب؟ لان العراقيين خبروا تلك "الشجاعة" وعرفوا حقيقتها الوهمية.
يذكر المؤرخون ان القيصر الروماني إذ سقط في عيون قواده، حملة الصقور، انهار كل شئ، فترك احدهم الصقر بيد القيصر وهرب، وهم الاخر بضرب القيصر نفسه عندما اعترض طريقه، فانتصر الرومان على دونيتهم آنذاك، لكن بعد ان سقط امبراطوريتهم..كذبتهم.. الى الابد.
لكن ثمة قضية اخرى هي التالية:
لقد حرص صدام حسين ان يبتسم للكاميرا في اللحظة التي سمع فيها كلمة "الاعدام" من المدعي العام للمحكمة الجنائية العليا، وقد سقط في محاولته تضليل المشاهد العادي وفي التمويه على حقيقة الاضطراب الذي عصف فيه، إذ كانت الابتسامة متكلفة حائرة صفراء، فيما التقط صديق متخصص في العلوم النفسية كان يتبحر في وجه المتهم خفقة ارتجاف خفيفة لشفته السفلى، وتأويل ذلك لديه ان الرئيس المخلوع كان يقاوم بصعوبة خذلانا داخليا كان سيظهر على وجهه بوضوح، غير ان الصديق المتخصص(الذي يعد دراسة في الموضوع) قال ان الامر لا يحتاج الى الكثير من الفراسة والامعان في الملامح لكي يعرف المرء ان ابتسامات صدام حسين طوال الجلسات العشرين الاخيرة كانت محسوبة بتخطيط مسبق لشخص خبر التعامل مع الكامرا وسبل استدراجها اليه عبر ابتسامات وحركات تمثيلية لا بد لأي مصوّر ان يجد فيها مادة مغرية لعمله.
وخلاصة راي المتخصص في علم النفس ان صدام اخفق في تزوير امارات الهوان الحقيقية ليظهر كشخص غير عابئ بالمصير الذي يواجهه، كما فشل في منع رسائل الارتباك والذل من ان تصل للعين الفاحصة، بل وذهب هذا الصديق الى ابعد من ذلك مؤكدا بان صدام حسين كان قد انهار فعلا حين قال للمدعي العام كلمة "احسنت" وافاد الرجل انه اعاد الاستماع الى "احسنت" هذه، مسجلة، اكثر من عشرين مرة للاسترشاد بها الى الحالة التي كان عليها المتهم، وهو اسلوب يتبعه عادة علماء النفس للبحث في خلجات الصوت عما وراؤها من تضاعيف.
والان، هل كان صدام "بطل اسطوري" ام شخصية يائسة، منهارة، تلعب في ساحة الشجاعة، في الوقت الضائع؟ احسب ان انصاره وايتامه وربما اقرب المقربين اليه سينفون القول انه يعاني من حالة انهيار، ويستبعدون (طبعا) انه يمثل دور الشجاع بواسطة (القناع) الزائف للشجاعة، ذلك القناع الذي كان الاغريق قد ابتدعوه وراحوا يمثلون به على المسرح: فهذا قناع للخائب، وذاك للوحش، وغيره للبطل، وآخر للفارس، ثم للفتاة، واقنعة للاله والمهرج والزوجة والسجان والمخبول، وهكذا، غير ان مشكلة اصحاب الاقنعة الزائفة هي ان القناع صار يفضح صاحبه بدلا من ان يخدمه، وذلك بالايحاء انه يُظهِر خلاف ما يُبطِن، فيما يبدو البشر بملامح فصيحة التعبير عن دواخلهم العدوانية او المسالمة، المنهارة او الراسخة، وليس ثمة من لا يختلج وجهه بالسر الدفين، حتى صاحب "وجه البوكر" وهو لاعب القمار الماهر الذي يحاول ضبط اماراته ببرود مصطنع وحيادية صلبة لكي لا يقرأها منافسوه لم يعد في منأى من الاصطياد من قبل العين المتربصة.
صدام حسين يراهن على إبطال المحاكمة، وفي تضاعيف هذا الرهان، الذي يعمل فريق الدفاع على تسويقه على نطاق واسع، ينبغي عليه ان يمثل دور "رابط الجأش" وان يكون (القناع) المستعار الذي يرتديه مناسبا لرجل(آخر) لا يزال يمتلك السلطة، والاكثر من هذا، انه لا يزال يمتلك اوراقا صالحة للمساومة، وهذا جزء من الوهم الذي يعيشة الدكتاتور في قفصه، أخذا بالاعتبار بان الاقنعة بطُلت وصارت في الوقت الحاضر تسلية للاطفال يشترونها من مخازن الهدايا واللعب على شكل حيوانات خرافية يضعونها على وجوههم.
ــــــــــــــــــــــ
..وكلام مفيد
ــــــــــــــــــــــ
"إما ان تسيروا، وإما ان تنقرضوا".
فولتير
[/b]