
الكلمة التي القاها غبطة مار كيوركيس صليوا مطران كنيسة المشرق الأشورية في العراق في قاعة اورهاي لرعية مار توما الرسول لكنيسة المشرق الأشورية في مدينة ستوكهولم في السويد في السابع عشر من تشرين الثاني 2010 اثناء الصلاة المشتركة التي اقيمت على ارواح ضحايا كنيسة سيدة النجاة في بغداد والتي شارك فيها كل من غبطة مار يوليوس عبدالأحد شابو مطران الكنيسة السريانية الأرثذوكسية في الدول الأسكندنافية، غبطة مار صليبا أوزمان مطران ماردين للكنيسة السريانية الأرثذوكسية، نيافة مار عوديشو أوراهام أسقف اوروبا لكنيسة المشرق الآشورية، الخورأسقف أدريس حنا ممثلاً عن الكنيسة السريانية الكاثوليكية، الأب سمير أدور و الأب فادي أيشو ممثلين عن الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية بالأضافة إلى عدد من الشمامسة من مختلف الكنائس والرعيات. وجمع غفير من انباء الكنيسة لمختلف الرعايات والكنائس وعدد من ممثلي الأحزاب السياسية لشعبنا. كما وشارك في الصلاة الأب بارتيل دنكسون من الكنيسة اللوثرية السويدية، وهذا نصها:
اقدم شكري وتقديري للأخ نيافة الاسقف مار عوديشو اوراهم اسقف اوروبا لكنيسة المشرق الآشورية الذي رتب ونظم هذه الصلاة المشتركة على ارواح ضحايا كنيسة سيدة النجاة للسريان الكاثوليك في بغداد. نشكر اصحاب الغبطة والنيافة والكهنة والشمامسة الاجلاء. ونشكر جميع الحضور الاحبة والسادة رؤوساء التنظيمات السياسية والاجتماعية لشعبنا. نشكر الجميع على هذا التجمع الروحاني المعبر عن شعوركم المسيحي والانساني وعن احزانكم على ما حدث ويحدث في بلاد الرافدين من الالآم والمعاناة التي تركت وتترك آثاراً أعمق ألماً وأشد خسارةً وسلبيةً على المواطنين المسيحيين المخلصين والنزيهين لبلدهم العراق والذين لم تصدر عنهم وفي جميع مراحل الدولة العراقية اية اساءة أو خيانة لبلدهم مهد حضارتهم ومسيحيِّتهم ووجودهم القومي الآشوري لأكثريتهم وبمختلف انتماءاتهم الكنسية.
وقد أدت هذه الكوارث والمآسي والأضطهادات والتي ظهرت بصورة غير متوقعة بعد الاحتلال الامريكي للعراق في عام 2003، والتي اصبحت آثارها ونتائجها معروفة للجميع، أدت الى زرع الخوف وعدم الاطمئنان بين العوائل المسيحية، فأضطر الالآف منهم الى الهروب والهجرة الى بلدان اخرى. ولايزال العدد الباقي منهم غير مطمئن من المستقبل السياسي للبلد وعلى مستقبل ابناءهم واجيالهم القادمة..
ولا أريد الاطالة في تفاصيل هذه الحوادث التي اصبحت واضحة اعلامياً للجميع بآلامها ومآسيها ووحشيتها والتي جسدّها الطفل (آدم) في لوحة رسمها ولوَّنها بدمه النقي الذي جمعه في جسمه خلال اربع سنوات من عمره والذي حضنته ملائكة كنيسة سيدة النجاة وهو يقول لأبيه الذي فارق الحياة قبله: (بابا.. بابا.. بابا.. كَلهم ذوله كافي يرمون ويقتلون المصلين الأبرياء... هاي اللوحة اللي رادوها من عدنا كملتها آني بدمي وبدمك يا بابا.. كَلهم.. كافي.. كافي.. كافي..).
ان هذه اللوحة التي رسمها الطفل (آدم) ووصفها أحد المؤمنين بانها: (رسالة ملاك من امتنا الطاهرة الى مؤسساتنا الدينية والسياسية والاجتماعية.. رسالة مقدسة من طفلٍ بار الى ضمير كل ابناء وبنات آشور وحمورابي وعشتار.. رسالة طاهرة من قلبٍ برئ الى ضمير كل انسان مخلص وشريف..).
وأود هنا أن أضيف الى هذا النداء وأقول: انها رسالة طاهرة الى الضمير العالمي.. والى المؤسسات الدولية.. والى رؤوساء الحكومات وبالأخص في العالم الغربي.. والى جميع المنظمات الانسانية والدينينة.. والى رؤوساء الكنائس في العالم.. لكي يعملوا كل ما في وسعهم وبأسرع وقتٍ ممكن، ليجسدوا قرارات وتوصيات اجتماعاتهم وآخرها كان سينودس الفاتيكان في تشرين الاول الماضي، الى أعمال وخطوات ملموسة وسريعة لاطفاء لهيب هذا النار المدمر للعراق وللمسيحيين الذي اشعلته أيادي الطامعين والمجرمين الانتقاميين في نيسان 2003. هذا اللهيب الذي أحرق وفجر العديد من دور العبادة والكنائس، ولكن الغريب في الأمر بأن دور التبشير التي أُدْخِلت ووُجِدَت في مناطق عديدة من بغداد أو غيرها من المدن بعد احتلال 2003 لم يُصاب اية منها بأي أذى.
وهنا أود أيضاً ان استعين بنداءات الطفل (آدم) عندما قال: (كافي.. كافي.. كافي.. يرمون)، لأقول: كافي مظاهرات.. كافي اجتماعات.. كافي استنكارات بدون أعمال وخطوات سريعة وملموسة النتائج، لانقاذ العراق والعراقيين وجميع المسيحيين من معاناتهم ومآسيهم.
لقد استشهد الطفل (آدم) الذي بكى له المسلم والمسيحي، استشهد من أجل المسيحية في العراق ومن أجل سلامة ورفاهية العراق، ومن أجل التأكيد على حقوقنا الدينية والقومية في دستور العراق لكي نزاول ونمارس هذه الحقوق الانسانية على الموقع الجغرافي لوجودنا التأريخي على أرض العراق الواحد الموحد.
اتمنى من كل من جورج بوش وتوني بلير ورامسفيلد وبول بريمر وغيرهم من القادة والسياسيين في العالم الذين تورطوا في هذه الجريمة ونحن في القرن الحادي والعشرون، اتمنى من كل واحد منهم أن يعلِّق صورة الطفل (آدم) في غرفة نومه لكي (ولربما) يحاسبه ضميره على ما قام به وعلى الحجج والوعود الكاذبة والتي قدموها للعالم وللشعب العراقي لتبرير احتلالهم للعراق والتي أظهرت النتائج ولا تزال وبصورة جلية بأنهم قد نفذوا ما خُطط لهم ممن يكنون للعراق عداوةً وكراهيةً تأريخية، الذين زرعوا الفتن السياسية والدينية والمذهبية بين أبناء شعبه، والذي اصبح الضحية الرئيسية لهذه الجرائم الانتقامية التأريخية، الشعب المسيحي العراقي الاصيل الذي وصفه خطيبٌ في أحد جوامع بغداد بمناسبة عيد الاضحى وقال: ان المسيحيين ليسوا أقلية في هذا البلدن وحتى ان بقي مسيحيٌ واحد فهم ليسوا أقليّة، لأنه شعبٌ أصيل وله جذور تأريخية وحضارية في تربة ما بين النهرين.
كما دعوا خطباء وأئمة المساجد في محافظة الانبار الى استغلال عيد الاضحى للتواصل مع المسيحيين في عموم البلاد لمواساتهم بسبب حادثة كنيسة سيدة النجاة. كما زار وفد سماحة مقتدى الصدر جرحى كنيسة سيدة النجاة في مستشفى ابن النفيس.
وأود هنا أن أقدر موقف وزير الخارجية الايطالي (فرانكو فراتيني) الذي كشف قبل أيام من ان بلاده ستتقدم بمشروع قرار الى الجمعية العامة للأمم المتحدة يدعو للدفاع عن المسيحيين المضطهدين في العراق وكذلك لحماية حرية العبادة ومكافحة التمييز بصورة أعم. اننا نتمنى ذلك من بقية زعماء العالم.
الويل للمجرمين أيٌ من كانوا، الويل لهم من غضب الله والذي اظهره لملوك اسرائيل الذين عملوا الشر في عيني الرب، وصعِدوا عليهم ملوك آشور لانهم قد أخطأوا الى الرب. (كما جاء في سفر الملوك الثاني من العهد القديم).
وكما أنذر المسيح الكتبة والفريسيين اليهود وقال لهم: " سيقف أهل نينوى يوم الدينونة مع هذا الجيل ويَدينُونَهُ: لأنهم تابوا لما أنذرهم يونان، وها هنا أعظمُ من يونان".
اننا وبالرغم من هذه المآسي، لا زلنا نعيش في الأمل النابع من ايماننا المسيحي ومن حبنا واخلاصنا لوطننا بأننا سنصل الى شاطئ الامان والسلام، ونعيش بالمحبة والتعاون مع كافة أطياف الشعب العراقي من المسلمين وغيرهم من أجل سلامة ورفاهية العراق مستعينين بقول المسيح: "قَصَبةَ مَرضُوضَةً لا يَقْصفُ، وفَتيلَةً مُدَخِّنَةً لا يُطْفِئُ، حتى يُخرِجَ الحَقَّ الى النُصرةِ". (متى: 12 ـ 20).
