في الفضاء اللامسرحي.. الفضاء الشفاهي وتجربة
محترف صحراء 93
[/size]
حازم كمال الدينالصورة لسامر معضاد
واحد من أهم وآخر أشكال العرض الما زالت حية في
الثقافة العربية الشفاهية هي الحكواتي. وكلمة
الحكواتي مأخوذة من سياقين: سياق الحكي وسياق
المحاكاة. الحكي له مفهومان القصصي واللا قصصي
والمحاكاة لها مفاهيم تشخيصية ولا تشخيصية.
واحد من مفاهيمها التشخيصية المتنوعة يعني
ترجمة واقعة ما عبر الحركة والصوت تسندهما
عوامل مساعدة: اكسسوار، آلة موسيقية.. الخ.
الحكي القصصي، الشعري، الطقوسي والمحاكاة التي
تحول الكلمات والاحداث من سطور على ورق أو كلمات
في الخاطر الى واقعة عبر الحركة والصوت هي تكثيف
أولي للحكواتي كفن عرض حي.
الحكواتي شخص يحكي لكي يعبر عن شيء ما وسائله في
ذلك الالقاء، الرقص، التجويد والحركة. الحكواتي
يتلاعب بصوته وبجسده لكي يخلق عند المشاهد
دافعا للخيال، للتمني، لترجمة واقع الحال،
للبكاء أو الضحك. والحكواتي يتلاعب بعدته
القصصية وسياقاتها بطرق تبقي الجمهور مشدودا،
مأخوذا، منفعلا ومتمتعا.
حكايات الراوي متغيرة، تتأثر بالجمهور وتؤثر
به. وفي كل عرض له أو واقعة يرتجل الراوي خطا
دراميا للحكاية وتأويلا اخراجيا جديدا يتناسب
وعدد ونوع ومستوى الجمهور. وهو يمزج العديد من
الحكايات ويقرر، أثناء العرض أو الواقعة،
التسلسل المناسب لتقديم هذا الحدث على ذلك
معتمدا على حدسه، فراسته وبناء على مشاعره
المتنامية أثناء بناء علاقته مع الجمهور كمثل
تطور خط فعل شخصية ما.
وهو بذلك يقوم بشيء يشبه توزيع شخصيات الحكاية
على الآخرين. مثلا ثمة فتاة جميلة بين الجمهور
تصبح مشروعا لشخصية ما في خطة الراوي. حين يصل
الراوي في الحكاية الى فتاة جميلة وقع البطل في
حبها يسقط حكايته، فجأة، على الفتاة ويقاربها،
يتحدث معها أو عنها الى الآخرين على انها هي
الفتاة المعشوقة في القصة المحكية. يذهب اليها
أو يمدحها أو يطلب منها أن ترقص أو يعطيها هدية
أو يهمس في أذنها أين يسكن أملا في أن تأتي ربما
اليه.. الخ. بمعنى آخر، يجعل منها (مركز انتباه في
خط الفعل).
والجمهور في واقعة الحكواتي ليس جمهورا سلبيا،
مجرد متلق! لا. الجهور هو ما سأصطلح عليه تدريجيا
مصطلح (الآخر). فحينما يبدأ الحكواتي مثلا
بالقاء حكاية معروفة ينقسم الآخرون على بعضهم:
جزء يأخذ جانب البطل وجزء يأخذ جانب الغريم.
والحكواتي غالبا ما يزن مواقف الطرفين قبل ان
يبدأ الحكاية ليعرف الى اي اتجاه سيسوق الواقعة
معتمدا بشكل خاص على قدراته في التغيير الحيوي
لخط توتر الحكاية أو الحدث أو الشخصية أو تقديم
هذا المشهد على ذاك بناء على ما يحدث بين هذه
الجماعة وتلك. ولكي يحدد ذلك بدقة يقوم
باختبارات غير مباشرة يحدد على ضوئها اتجاهات
الجمهور أو اصطفافاتهم. الجماعة المشجعة للبطل
تتكتل في جهة والمجموعة المؤيدة للغريم تتجمع
في جهة اخرى. واذا ما حدثت أزمة أو توتر أو
مواجهة أو مجابهة أو حرب بين البطل والغريم
ينعكس هذا على الفريقين فيحدث احيانا ان تندلع
مشادات حقيقية بين المجاميع.
في مثل تلك اللحظات الحامية يتوقف الحكواتي
أحيانا بشكل مفاجئ. يحزم حقائبه ويذهب الى
بيته.... وبعد ذهابه تكتمل الواقعة وتأخذ طرقا لم
يرسمها الرأوي من قبل.
البداة والمدينة
تعتمد فلسفة الترحّل والبداوة على موضوع أساسي
إسمه المقأومة أو العصيان أو التمرد. مقأومة
التوطين أو التدجين أو الاحتواء أو الثبات أو
التأطير في مؤسسة أو نوع فني أو محدد ثقافي أو
جمالي. المثقف الحر يرفض أن يخضع لمقاسات
تفعيلات الشعر أو التقنيات المسرحية أو
الهارموني الموسيقي أو اللوحة المؤطرة. البدوي
أو الغجري أو المثقف الحر يعيش على ايقاع
الطبيعة البكر وهو ايقاع تلقائي يدفع للتنقل لا
الى الركون، للحركة لا الى السكون، للتنوع لا
للاحادية، للمثلية كما للتمازج. وهو بهذا يتمرد
على ثبات المكان الاستاتيكي أو الجغرافي أو
المعماري فينتقل من مكان الى آخر أو من بقعة الى
اخرى أو من واحة الى اخرى. احيانا قد يثبت في
مكان ما أو يتوطن بشكل مؤقت اذا ما وجد شراكات مع
محيط عابر أو إذا التقى شراكات روحية عضوية أو
عاطفية أو عقلية. وبهذا قد يرتبط أحيانا
بالمؤسسة الرسمية (الجمالية أو المدنية أو
الدينية أو السياسية) فيعمل معها أو بالاحرى
يعيش تجربة داخل ذلك الاطار. وهي في كل حال تجربة
مؤقتة. لأنه لن يخضع مطلقا ولن يرضخ لديمومة
التدجين المؤسساتي. أنت تعرف بأن الغجر
الصاعدين الى السماء لن يصبحوا كائنات ارضية أو
مدينيين. الترحّل والتحليق هما فصيلة دمهم
المفقودة في المختبرات. أما اقامتهم وثباتهم في
مكان أو موقع ما فهما ثبات مؤقت على الدوام. شكل
من أشكال تذوّق الحياة من بعد آخر، أو شكل من
أشكال الصمت في مسرح صخبت فيه الصور والخيالات
والحوارات والموسيقى والاصوات.
الحالة الغجرية هي حالة حركة، جغرافية وجسدية
وروحية وطقوسية. بحث دائم في كينونة اللقاء مع
الآخر. مع عادات اخرى، مع أديان أخرى مع جنس أخر
مع اماكن اخرى مع فضاءات اخرى ومع مواقع أخرى.
من يبحث في المسرح عن فضاءات لا عرفية للواقعة
المسرحية وعن جمهور غير مستعد وغير راغب في
الخضوع لغسيل دماغ الكودات المسرحية الشائعة
يطلق عليه اسم (الباحث في الحلقات البديلة أو
الطليعية) وهي حلقات تسمح لنا أن نحتج وبطرق
جذرية على الاشكال والمضامين وهي حلقات ذات
أفكار وتساؤلات تخص اساسات العملية الابداعية
ونتائجها. بحيث يستطيع الانسان (فنان أو مشاهد)
أن يعلن عن موقفه من (الحلقات التقليدية للمسرح).
يجب أن اسارع هنا بالقول أن تسميات (تقليدي..
بديل.. طليعي) التي تفرّق بين مدارس واتجاهات
الفنون المتنوعة هي تسميات كاريكاتورية إلى حد
ما وتؤكد على التفكير بطريقة أحادية هي طريقة
الاسود والابيض. إذ من يقرر أن هذه المادة
الفنية أو الانتاج الفني هما أفضل من ذلك
الانتاج؟ ولهذا أرجو أن يفهم استخدامي لهذه
التسميات على أنه تحديد تقني فقط.
اذا ما وضعت فكرة الغجر الجوانية الى جانب
الفكرة الجوانية لفكرة المسرح الطليعي
والحلقات البديلة للبحث في الفضاء ستصل الى
محترف صحراء 93 ومشروعها (البدو يغزون المدينة).
البدويّون يحطّون في المدينة
إلى جانب انتاجاته على خشبة المسرح بأشكالها
المعاصرة يبحث محترف صحراء 93 في فضاءات (لا
مسرحية)، مواقع حية تسمح لمختلف انواع الكودات
أن تكون، أن تتكون، أن تلتقي، أن تتفاعل في حالة
حيوية وتجريب خلاق. محترف صحراء 93 يعمل على خلق
مسرح متنقل مطواع في الحركة قادر على تكييف نفسه
في اي موقع ويحاور المحيط حوارا خلاقا منسجما.
مثل ماء يأخذ لون وشكل الاناء الذي يوضع فيه:
لونه أزرق أو ضبابي، عميق أو طويل او قصير. قدحا
كان أم كشتبان. سطلا أم كيس نايلون، دمية أم
فراشا مائيا. وهكذا يستطيع المسرح في كل موقع
مكاني عام أو خاص، جماهيري أو غير جماهيري، أن
يخلق نفسه من جديد، أو بالاحرى أن يحيا.
الموضوع هو كيفية التعامل العضوي اللا تسلطي مع
حيوية أو ديناميكية الفضاء، ديناميكية الآخر
(الجمهور) وديناميكية الزمن. وفي لحظات العرض
كيف تمنح النص ليونة وبلاستيكية عالية في بناء
نفسه عبر علاقته مع الممثل، مع المشاهد، مع
الفضاء بحيث تعطى فسحة كبيرة للارتجال في العرض.
ارتجال المشاهد (الآخر)، الفضاء (الموقع)
والعارض (ممثل أو موسيقي أو راقص).
الممثل يمكن مقارنته مجازا بالجنين في رحم الام:
اذا اراد الجنين أن يسيطر على الفضاء في الرحم
ويقرر له ما يجب ان يحدث فهو في الحقيقة يخرب
عملية الحمل بما فيها نموّه وصحته. واذا جرب
الجنين ان يخضع خضوعا مطلقا لفضاء الرحم عندها
سيعيق تطور نفسه الطبيعي الى طفل ويتقوقع في
فجوة ما من الرحم. ولكنه اذا ما أصغى للفضاء
(عضويا، نفسيا وعضليا) عندها سيفتح الفضاء له
اسراره وسينمو الاثنين معا. الرحم يتسع والجنين
يتكون ليكتشف نفسه من جديد.
في الماضي القريب
عام 1996 قدم محترف صحراء 93 مسرحية دماغ في عجيزة
مهرجان المسرح العالمي الأوكراني (الاسد
الذهبي) في لو?ي?. كان موقع العرض (فضاءً غير
مسرحي) أو ما يصطلح عليه في أوربا location. كان
الموقع كنيسة. ممثلات نصف عاريات ومتعبدين
ورجال دين في فضاء واحد.
ثمة امرأة ظنت ان المسيح سيطير من صليبه غاضبا
ويعاقب الممثلات العاريات لتدنيسهن المكان
المقدس. رأينا امرأة تتحدث عن اقتراب الساعة.
أحدث العرض وموقع العرض صدمة للكثير من
المشاهدين. ولكن مشاهدين آخرين وجدوا أن العرض
حقّق شكلا من أشكال التطهير أو التجلي وبعث في
موجودات الكنيسة وتماثيلها سحرا أعاد لتلك
الآثار طاقة وقوة الإله.
إذا ظننت أن هذا تجديفا فسؤالنا هو:
أليس الالحاد والتجديف مصدرا لتقوية الأيمان
بالدين؟ لولا تدنيس مقدساتنا لما أعاد الاسلام
تكوين نفسه كما هو عليه اليوم. ثم لماذا لا
يستطيع ان يلتقي ممثل ومتعبد في فضاء واحد اسمه
كنيسة ويمارس كل طقسه؟
المسرح طقس أيضا.
مثل هذه التجربة خاضتها جماعتنا عام 1997 في
مهرجان القاهرة التجريبي. قدمنا العرض في باحة
الأوبرا وجلس المشاهدون على سلالم الباحة.
أعمدة الباحة والممر اليساري تحول الى مدخل
وطريق لواحد من المشاهد. وقد أخبرتنا الفرقة
اليابانية المشاركة في ذلك المهرجان (اسم
الفرقة.....) أنهم شعروا بعظام الفراعنة والارواح
السوداء تعود لتسكن في الواقعة.
لن نبتعد أكثر. سنعود الى الحدود.
في مهرجان المسرح العالمي في انجلترا عام 1998
الذي نظمته جامعة ويلز (بالتعأون مع مركز المسرح
العالمي I.T.I) قدمنا مسرحية (ساعات الصفر) في مكتب
جلالة الملكة المتروك، فبدونا كمهرجين في حضرة
الصولجان، نرقص ونغني ونحكي لكي يستمتع العرش.
في تلك التجربة كانت اسئلة الفرقة تتمحور حول
العلاقة بين الفضاء اللا مسرحي واللقاء الحميم
مع الآخر ومواد عرض المسرحية القابلة للتفكيك:
(ساعات الصفر).
منذ عام 1998 ارتدى المحترف عباءة الترحال وانطلق
البدويّون في جولات بحثا عن كودة جديدة. راحوا
يطرقون الأبواب علّهم يعثرون على موقع يستضيفهم
وقلب يحتويهم بمقابل ما يملكون. وكان ما يملكون
ليس أكثر من: عروض سمر مسرحية.
وكان لهم ما كان.
ارتحل المحترف في بلجيكا حاملا عروضا غجرية
بدوية حطّت كل ليلة في موقع جديد مع مضيّف جديد
وليلة لا تتكرر.
تم افتتاح العرض الأول لهذا المشروع في صالون
بيت المخرج المؤلف قبل أن ينطلق إلى المتحف
الوطني للفن الحديث، المتحف الافريقي، جاليري
ال?انتر الاسود، مكتبة المدينة العامة وقبل أن
نعرّج على بيوت البلجيك ومواقعهم الأخرى. 75
واقعة في 75 موقعا بلغ عدد الرحلات.
الواقعة مقابل الضيافة.
هكذا كان شعارنا.
علي أن أشير إلى أن هذا الاسلوب ومعالجاته
الفلسفية والجمالية تسترشد من جانب بعروض
موليير القرون الوسطى وكوميديا دولارتى القرن
التاسع عشر وبعض مبادئ الهابننج. وتسترشد من
جانب آخر بترحالات القارئ الحسيني وعروض
الحكواتي والتراتيل الدينية والصوفية ومبادئ
الكراكوز، بالاضافة الى جنون الممثل الخلاق،
جنون المشاهد (الآخر) الخلاق، جنون فريق العمل
وجنوننا الشخصي.
في عام 2001 قدم المحترف عرضا مسرحيا آخر ينتمي
لأسلوب البحث في مواقع لا مسرحية: (الشجر
الحزين). قدمنا المسرحية في (دير) سانت آبديه، في
(مسلخ) لحوم يعود الى القرن الخامس عشر، في
(حمامات تركية عمومية) متروكة، في (اصطبل) خيول.
ومن هناك تأسست رحلة شملت مقاهي، واجهات محلات
زجاجية، صالونات بيوت، خيمة سيرك، مطبخ الكاتبة
الشهيرة آنا ?رو?وست، مدنا كبيرة وقرى صغيرة
بلجيكية وهولندية.
في مسرحية (الشجر الحزين) تحكي شهرزاد حكاية حب
ممنوع بين أميرة سومرية وشاعر عربي. في رحلة بحث
عن القلب المقدس تنطلق شهرزاد من الأسلوب
المعارض لرواية الرجل بحثا عن قلب الكبش الذي
ذبحته إنقاذا لحبيبها المتنبي. في نهاية الرحلة
تكتشف شهرزاد أن القلب المقدس إنما هو شهرزاد
ذاتها. رحلة تستنطق الجبال، الأنهار، البحار،
الآبار، التواريخ الماضية والحاضرة. رحلة مليئة
بالخطايا واجتراع المعجزات. ولكن إذ تكتشف
شهرزاد أنها هي القلب المقدس تفقد قداستها
وتستحيل حجرا. ذلك أنه لم يكن مسموحا لها أن تعرف
نفسها؛ أن تعرف أنها هي القداسة ذاتها.
فرشنا في هذه المسرحية كفنا طوله تقريبا مائة
متر بطريقة حلزونية منتصفها مكان الممثلة
الجالسة على حجر، عارية الا من بقايا الكفن.
المشاهد لا يختار مكانه كيفما اتفق بل عليه أن
يجلس على جزء من الكفن أو أن يتلحّف الكفن.
اعتمدت الممثلة في حركتها، أو بالاحرى لا
حركتها، على مبدأ العوائق الجسدية بحيث تقطع
الطريق على منافذ الحركة التعبيرية فتتحول
الحركة الى طاقة أخرى، داخلية، روحانية تحملها
الكلمات والايقاعات والاحداث التي لم تتدخل
الممثلة في تصويرها بل قدمتها بطريقة تسمح
للمشاهد بتأليف معناها بنفسه دون تاويل قسري.
توجد لحظة واحدة في المسرحية تنفلت فيها
الممثلة من عوائق الحركة فتشرئب، وهي لحظة حرب
ومطاردة تتحول فيها الممثلة إلى كائن لديه من
القدرات على الحركة الفائقة ما هو خارج التصور.
ثم تعود من حيث ابتدأت وكأنها لم تتحرك أبدا.
شهرزاد لم تقدم عرضها بالطريقة المعروفة: بداية
ووسط ونهاية. لا. شهرزاد تسترسل في موضوع ما.
تنتقل من موضوع الى موضوع بدون سابق انذار. توقع
المشاهد في توقعات خاطئة أو تضع قدمه على الدرجة
الخطأ طوال الوقت. تتحدى جمهورها بهدف ان تمزق
أقنعة المشاهد المرسومة له. شهرزاد تبحث عن لقاء
وحوار مع الآخر ولهذا تتلاعب أحيانا بمشاعره
كما يحدث هذا في اساليب القص الشفاهية. وكما
اشرنا يحدث هذا أو جزء كبير منه عبر عملية
الاسقاط من قبل الممثلة على الآخر.
عراقي مقيم في بلجيكا [/b]