مرت ثلاث من السنون مذ رحلت عنا يا اماه في رحلتك الابدية الى العالم الاخر..
عالم السكون المطبق الرهيب,, عالم الاسرار التي لايعرفها الا الله
ثلاث من السنون ابى طيفك وذكراك ان يبرحا ذاكرتي ووجداني
ثلاث من السنون ابى فيها عطرك وشذاك الا ان يعطرا ايامي برائحتك الزكية ايتها الام الطيبة
كيف لي يا اماه ان اصدق انك لم تعودي ههنا
تقول الحكمة ...
يبقى الرجل طفلا صغيرا الى ان تموت امه... فيشيخ فجاة
نعم يا امي فلطالما كنت اشعر بانني لازلت طفلك الصغير رغم سنواتي التي جاوزت الاربعين ولكن حينما رحلت عنا اصبحت كهلا ينوء باثقال الحياة..
كم كانت قاسية ايامك الاخيرة.. كم كانت عصيبة تلك الساعات والدقائق واللحظات,, كنا مجتمعين حولك بلا حول ولا قوة وانت امامنا كالشمعة التي تذوب ببطء وهدوء.
كانت شمس حياتك تتاهب للمغيب الابدي تاركة قلوبنا تنزف بحرقة والم عميقين, فكيف لنا ان نستعد لساعة الفراق التي ازفت وكيف لنا ان نصدق بان تلك الام الرؤوم سيطويها الزمن ويحتوي جسدها لحد في ارض غريبة.
انت لم تكوني اما في حياتنا وحسب, بل كنت انت حياتنا, كنت النافذة التي نطل من خلالها على الحياة.
في تلك الغرفة{ التي خصصت لك في احدى طوابق المستشفى بعدما اكد الاطباء عدم وجود ما يمكن فعله لك بسبب موت الدماغ السريري } لكي تقضي البقية الباقية من حياة حافلة بالمشقة والتعب, بالعمل والكفاح والايمان بالله, كنا مجتمعين حولك محلقين حول سريرك كما تحلق صغار الطيور حول امها لم يكن هناك ما يمكن ان نفعله سوى الصلاة لك والاعتذار منك لو كنا قد اخطانا بحقك وهل هناك انسان معصوم من الخطا,, كنت غائبة تماما عن الوعي لكن يقينا كنت تشعرين بوجودنا.
كان يسود الغرفة صخبا هادئا نابع من جهاز التنفس الذي كان مربوطا بانفك كي تتنفسي من خلاله,, كان هذا الصخب يملئ علينا المكان ويبعث فيه حياة وحيوية وامل بانك لاتزالين موجوده على هذه الارض.
ولكن,,,,,,,,, بعدما اسلمت الروح في اجواء من الرهبة والفزع بعد صراع مع الموت,, ساد المكان هدوء عميق وشامل وامتد الهدوء ليعم ارجاءالمشفى ليمتد ليشمل العالم باجمعه وكان الحياة قد وقفت لحظة صمت حدادا على روحك الطاهرة التي تسلقت بهدوء وطمانينة جدران السماء وذهبت الى بارئها راضية مرضية.. لحظات هي محفورة في الذاكرة والوجدان عصية على الزمن ان يمحوها..
كم كانت لوعة الفراق قاسية والاحزان مريرة
والدموع عليك مرة وملتهبة, كم كانت خسارتنا لك فادحة, كم كنا تعساء وتائهين ونحن نبكيك في شوارع فرنسا من دون ان يكون هناك من يبكي علينا او معنا فيالسوء اقدارنا ونحن نموت خارج الوطن. كنا نتمنى ان تحطي رحالك الاخير في ارض ابائك واجدادك,, في تلك الارض التي انبثقت منها ولكن احيانا تكون الظروف اقوى من الارادة..
نامي قريرة العين يا اماه فذكراك ابدا لاتزال قلادة حياتنا وكلماتك تنير لنا الطريق وبساطتك وقناعتك بالذي قسمه الله لك في حياتك سيكون نبراسا في حياتنا وياليتنا ان نكون في حياتنا كما كنت انت فذلك هو فوز عظيم..
لقد اختار الباري العزيز هذه الايام المباركة في هذا الشهر المبارك كي تعودي اليه فليرحمك الله ولتعطر امنا العذراء مثواك برائحتها الزكية لطالما كنت تؤمنين وتلوذين بها..
اننا نحبك يا امي..
ابنائك الذين لن ينسوك
عنهم.. سعد العوصجي
الدنمارك في 13 كانون اول 2010