تنويه : ألبرنامج ليس أكاديمياً
ألمستوى الحضاري ـ على اعتبار الحضارة بالنسبة لي شخصياً هي: إسلوب ولغة ـ ألمستوى الحضاري مثله مثل مستوى الماء في الآواني المستطرقة يصل مستواه. (معدل) المستوى الحضاري يبقى على درجة واحدة في (مجتمع ما) بالمقياس العقلاني المعقول ، وليس بمقياس فيزيائي مقاس بأجزاء المليم. بكلمات أخرى ما أقصده (بالمستوى) الحضاري هو القاسم المشترك الثقافي والسلوكي ومعدل الوعي لدى (أمة ما) في (زمن ما) على (بقعة ما) من الجغرافيا على الرغم من التباين في مستوى (التعليم) من فرد إلى آخر في ذلك المجتمع. كثيراً ما نعتقد خطأً ، أو نرى مصطلح الحضارة كمرادف لمصطلح التعليم ، وهذا الإعتقاد بعيد عن الحقيقة. بدليل نحن العراقيين ذوي تعليم عالي على مر التاريخ ومتخلفين حضارياً !!
نعم أن التعليم سلم يساعدنا في طريق الإرتقاء الحضاري إلى (مستوى) أرقى مما نكون عليه في تلك اللحظة، ولكن هذا الحال ليس دائما أيضاً، اي ليس بالضرورة أن يؤدي بنا عامل (التعليم) إلى الإرتقاء الحضاري، بل أحياناً يحدث العكس.
نجد الفلاح الأمي ، والعامل الجاهل والراعي الغير المتمدن، وطالب العلم والمتعلم ، والحاصل على تحصيل علمي عالٍ، في مجتمع ما في لحظة ما من الزمن ، يجمعهم قاسم مشترك واحد، وهو (معدل المستوى) الحضاري الواحد الذي يتقاسمونه. فلا غرابة أن تجد هؤلاء الناس اللذين يختلف مستوى تحصيلهم العلمي، وتختلف بالتالي مهنهم ، يسلكون ذات السلوك الإجتماعي ، أو يتعاملون مع جهاز ما (بالسلوك) ذاته. وكأن الإختلاف في مستوى التعليم ما هو إلاً حالة طارئة على الشخصية الحضارية، التي تتبدى من خلال (الإسلوب) : إسلوب في(كيفية) التفكير قبل كل شيء ، إسلوب في الكلام والحوار، إسلوب في الأكل ، إسلوب في تنظيف الجسد والتعامل مع إحتياجاته كافة ، إسلوب في الزواج ،إسلوب في التعامل مع الآخر : الإنسان والحيوان والطبيعة ، إسلوب في استخدام الأدوات المختلفة ، إسلوب في الملبس إلخ
نجده قاسماً مشتركاً لدى هذا المجتمع ، إذا ما أوقفنا عقارب الساعة في زمن ما ، في مجتمع ما ، على أرض ما !
تطابق وتلاقي الأفكار في مجتمع واحد في ذات العصر أمراً مألوفاً، مهما تباعد الأشخاص عن بعضهم البعض جراء ظروف معينة ، طالما هم أولاد حضارة واحدة، رغم إختلاف اهتماماتهم الفكرية.
يتسائل (د.سيار الجميل) ((لماذا يشوهون تاريخ وجغرافيا العراق ))، في حوار جرى على القناة الفضائية (المستقلة)، ويستغرب من بعض الأشخاص اللذين هم بعيدين كل البعد عن العراق وحضارته، كصاحب القناة نفسه ، التونسي (محمد الحامدي الهاشمي.) ، وفاض مخزون الدكتور السيار (ربما) الأكاديمي ، بمخزون معرفي قيم جدا ، للتذكير بالحقائق التاريخية والجغرافية والحضارية العراقية.
كتبت مقالاً يخص الموضع ، وليس إلا أفكار سابقة ، كعادتي بالكتابة على الورق بسرعة البرق، وفي الطباعة سلحفاة ، لهذا تركت الأمر بعد كتابته على الورق . أيقضني من خمولي وذكرني بالمقال ، جوابي على السؤال ذاته ، وإن لم يكن في ذات الموضوع ، لأحد الإخوة الكلدان ـ ألمعرفة هو بالفعل كلداني ، لكن ما أقصده هو أنه عراقي لا غبار على أصالته العراقية ـ في لقاء عابر في السوبر ماركت، سألني وهو مندهش ((هل كلامهم حقيقي، كأننا لسنا عراقيين، يقولون أشياء ، ويصرحون بأمور غريبة، كأننا لم نقرأ في المدارس، هل ما يقولونه حقاً صحيح !؟! )).
جوابي كان سهلاً له ، وتأمل قليلاً وابتسم (ربما) كانت ابتسامة الرضى ، وهو ذو تعليم عالٍ كذلك، جواب : فقط يجب أن تعرف ، أن هنالك شيء واحد فقط ينقص هذه البرامج التلفزيونية وهو أن يكتبوا : تنويه : ألبرنامج ليس أكاديمياً . بعدها يصبح كل شيء سليماً !! فعدت إلى أوراقي ونظمتها كي أكتبها.
قناة المستقلة والإسم الكودي للعولمة
قبل أن أخوض في الموضوع يجب أن أحدد معنى (العولمة) بالمعنى الحاصل على أرض الواقع، وما يقصد بها من قبل من إختلقها، وليس من قبل من تلقّاها كشعوبنا التي ـ للأسف، وكلمة للأسف تظهر في أي موضوع نتكلم عن دولنا ـ كدول عالم ثالث ، قلما تدرك المعنى الحقيقي إلاً متأخرة.
ألعولمة : هي الإسم الكودي للمصطلح الأمريكي (ألولايات العالمية الرأسمالية الأمريكية). في القرن الحالي تسعى الولايات المتحدة للوصل إلى عالم رأسمالي ذو السوق الحرة ، الذي يدور حول محور واحد هو أمريكا، والتي تديره ، الولايات المتحدة الأمريكية نفسها ! والغاية القصوى للولايات المتحدة هي إقامة ( إمبراطورية الولايات المتحدة العالمية الأمريكية) ، من خلال الإرتباط الإقتصادي والسياسي، بواسطة معاهدات إقتصادية وشركات عالمية مشتركة عابرة للجغرافيا، وزرع حكام ذوي جنسية أمريكية من أصل غير أمريكي في هذه الدولة وتلك، وإذا ما وصلت أمريكا إلى إنتزاع (حق) إعطاء جنسيتها لمن ترغب به ، وهو في بلده الأم وحمايته ، عندها تكون قد دخلت المرحلة الحاسمة لتحقيق غايتها.
هذه أصبحت حقيقة وليس شعاراً من شعارات الأحزاب العربية المستبدة، والتي كثيراً ما طرحت شعارات وأفكاراً علمية سليمة ، لكن شوهتها بممارساتها الإستبدادية حين استلامها للحكم. فالإمبريالية ليست بدعة من بدع الحزب العربي الفلاني، بل تسعى الولايات المتحدة بالفعل على تحقيقها لصالحها الوطني.
ألعولمة هي الإسم الكودي لجعل دولاً ومجتمعات على أرض المعمورة رأسمالية وأسواق مفتوحة تدور في فلك أمريكا وتديرها لصالحها، أمريكا عاصمة المال والسياسة ، تحت شعار : ألديموقراطية للجميع. هل تنجح أم لا ؟ هذا شيء بالطبع يعتمد على الجهات المؤيدة والمعارضة ومدى (استمرارية) قوة الولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة.
أول شخص من دول العالم الثالث يوم قيل له أن الولايات المتحدة أو غيرها من الدول ، تعمل للوصول إلى القمر ، اكيد إستغرق في الضحك على سذاجة وعدم معقولية الفكرة ، حتى أنه إعتبر قائلها أنه يهذي، لكن الألف ميل تبد بخطوة.
ألسي آي أيه ليست صفر صفر سبعة ومسدس وطائرة وحركة بهلوانية ، أي كما يقول أبو (عبود) الذي جلس على جانب الكرخ يصطاد السمك فألقى بسنارته ، وبعد أن شعر بأنها قد علقت بشيء سحبها (فطبك كرخ برصافة)، إنما هي مؤسسات علمية واقتصادية ومراكز بحوث ورجال أعمال ومال وقنوات فضائية وبث فلسفات وأفكار ، ومال يمول هذا البرنامج أو ذاك الإتجاه الفكري والسياسي إلخ
كل هذا والسؤال الذي يفرض نفسه ما علاقة القناة (المستقلة) وغيرها بالموضوع ؟ أننا في صلب الموضوع.
ألمطلوب في القرن الحالي من العرب ودول العالم الثالث أن يتعلموا (الكلام) بعد أن انتصبوا على أقدامهم ، وغادروا مرحلة (الحبو) عليهم أن يتعلموا (الكلام)، والكلام ليس بالسهولة التي نتصورها فإن تقوية عضلة اللسان تحتاج إلى ممارنة وفكر يسندها وقوة تحمي صاحب اللسان. إذن على العرب أن يتعلموا (الكلام) !!
هذه هي وظيفة القناة المستقلة وكثير من قنوات الفكر الأخرى ، تعليم العرب (الكلام). بدأت قناة المستقلة لصالح الدولة التونسية ـ ربما للتنفيس السياسي ـ فوجدتها الولايات المتحدة بأنها تصلح بأن تكون جزء من برنامجها فتبنتها ـ مقابل ما تقدمه للدول العربية من مساعدات تحت مسميات عديدة ، وهذا لا يعني مطلقاً أن من يعمل في القناة هو عميل ، علينا إلقاء هذه الفكرة السخيفة التي علمتنا إياها الأنظمة المستبدة ـ بل تبنتها كـ (مقهى) عصري لا يكلف كثيراً . يلتقي فيه المثقف العراقي واليمني والمصري والتونسي وغيره ، مع التحفظ على (مدى) صحة كلمة (مثقف) ، لأن لعبة العولمة الأمريكية لا تتطلب الثقافة بقدر ما تتطلب (ألإيمان بالعقيدة) ، عقيدة الرأسمالية على الطريقة الأمريكية . يتحاورون في المواضيع الساخنة لبلدانهم
ألحضور (الضيوف) أو حتى من يدير البرنامج ليس بالضرورة أن يكون ذو تخصص بالموضوع ، بل حسب (التساهيل) ، أي الموجود في لندن ، حيث مقر القناة. هذه برامج لا ينقصها كما أسلفنا إلاً عبارة تكتب على الشاشة (نسترعي إنتباه الإخوة المشاهدين ، ان البرنامج ليس أكاديمياً (علميا) ، ويعبر عن فكر قائله فقط.).
لا أستطيع الكلام عن (محمد الهاشمي التونسي) ، لكن يمكنني القول أنه لا يمنع من وجود شخصيات تدير بعض البرامج في هذه القناة على درجة عالية من الثقافة والفكر الأكاديمي كالـ (د. منذر يونس الكوثر).
هنا يجب أن أنوه عن الكهنوتية لأننا في صلب الموضوع ثانية ، أن ما أقوله لا يضيف لشخصيتي ومقالي شيء ، إذ أن (د.منذر الكوثر) وأنا شخصياً (دفعة) ـ حسب تعبير إخواننا المصريين ـ واحدة في القسم نفسه من جامعة بغداد.
عرفته عراقياً ووطنياً ذو فكر نيّر ، وأخلاق عالية ، وليس لي مصلحة أو منفعة لدى الرجل رغم العلاقة الراقية بيننا كعراقيين أولاً وزملاء سابقاً . د. منذر مثقف وثقافته أكاديمية عالية جداً ولا تعتمد على (د) قبل إسمه ، بل هو مجتهد جداً بالإضافة إلى نباهته الفكرية ، ويستحق أكثر بكثير مما هو عليه الآن ، لكن (من خرج من وطنه ..خسر الكثير ) .
أما الضيوف وهنا بيت القصيد ليسوا بالضرورة متخصصين، وكذلك الآن تلعب المذهبية والقومية والإنتماءات الأخرى دورها الكبير فيما يذهبون إليه من قول ، بسبب أوضاع بلدنا المعروفة. علينا فقط تثقيف المشاهد والقاريء في مجتمعاتنا أن يبتعدوا وينفضوا عنهم الفكر الكهنوتي أي (المظهرية) ـ وهذا ما أقصده بالكهنوتية ـ التي تقدس المظهر ، لا الجوهر .
فنحن إذا جلس فلان يتحدث في الفضائية أسبغنا على كلامه العبقرية والقداسة. هذا ما يجب أن نزيله من عقول أبناء مجتمعاتنا ، فليس كل ما يقال على الشاشة المرئية هو علمي، او ما يكتب هنا أو هناك في المواقع والجرائد التي تسير على المتعارف عليه ، من أيام (إبن بطوطة) وكذلك كثير من الكتب التي لا تستحق الخسارة عليها ثمن ورقها ، لكنه عصر العولمة كما قلنا : تكلم ، أكتب ، أطبع.
ألموضوع هذا يصادفنا كثيراً ، يخرج أحد المطربين في برنامج ويصرح كجواب لسؤال المذيعة (( أنت تعرفين أن الموسيقى العربية جذورها تركية )) ، والحل واحد : أن البرنامج ليس علمياً.
ألعولمة تلاقت مصالحها مع الإهتمام بالمهاجر ليس من أجل الأمور الداخلية في البلد المقيم فيه ، بل للأمور الخارجية التي تخص بلد المهاجر الأم. هكذا أصبحت فضائية في لندن تهتم بالعراق ويديرها عراقيون ، وهكذا باقي العرب. بالمقابل تلاقي مصلحة المهاجر نفسه، إذ أنه رافض الدكتاتورية في بلده ، لهذا غادره ، والآن وجد متنفساً لأفكاره. وعلى هذا الحال ، اللعبة هي أكبر من قناة المستقلة أو غيرها من القنوات . في الوقت الحاضر كل شيء يدور في فلك لعبة العولمة ، القنوات الفضائية والمواقع الإنترنتية ، والأشخاص المعارضين ، قبل المؤيدين للعولمة.
نذير حبش
2 - 07 - 2006
natheerhabash@yahoo.com