حرب الاستنزاف الفكري والجسدي التكفيرية
سالم سمسم مهدي
بدأت وللأسف الشديد استخدام كلمة ( حرب ) كعنوان في أكثر ما كتبت من مقالات سابقة ،
لأن الحرب قائمة فعلاً وما في اليد من حيلة لتجنب آثارها ، وإن ما نكتبه غايته إطفاء ما
يمكن من نارها المستعره بعد أن فعل الحقد فعله فأعمى كثير من العيون .
إنَّ المناظرة ، والتنظير الفكري ، وطرح الرأي وسماع الرأي المقابل يعتبر من أكثر
العوامل الأساسية في إشاعة الثقافة وتطوير الحضارات الإنسانية .
فعندما تلتقي الثقافات وتتنوع مصادرها تنبت شيئاً جديداً يتقبله الجميع ، وإن المتتبع
للتطور التاريخي والحضاري يجد ذلك واضحاً من خلال تحرك الجيوش ، التي تكون هي البداية
دائماً لتصاعد أي حضارة من الحضارات ، لأن تحرك الجيوش يعبر دائما عن رأي متصارع ، وصل
إلى ذروته فلم يكن هناك خياراً غير أن تتحرك القوة المسلحة لحسمه ، ولكن ما أن تستقر
الأمور لصالح طرف من الأطراف إلا ويبدأ بالتنقيب والبحث عن مصدر القوة والإرادة ،
التي استند إليها الطرف المقابل كي يقدر حجم وطبيعة هذه المصادر ، وهذا سببه عدم وجود
وسائل اتصال مسبقة بين عناصر الأطراف المتحاربة ، التي تصل في حالات عديدة إلى حد
القطيعة ، فيصبح كل طرف مبهم بالنسبة إلى الطرف الأخر فتكون النتيجة هي الحرب وليس
هناك شيئاً غيرها كلغة تعبير مشتركة بين هذه القوى المتصارعة .
إذاً فإنَّ الانفتاح والوضوح من أهم عوامل الفهم المشترك بين أطراف التجمعات
البشرية ، ولكن وللأسف فإنَّ سيطرة بعض الأشخاص والمفاهيم والثقافة النفعية على
مصير ومسار حياة الغالبية المحدودة الثقافة ؛ فتحت الباب واسعاً لإمكانية تأجيج
الصراعات من خلال استغلال بساطة هذه الأغلبية ، وعدم قدرتها على التمييز الصحيح
بين ألوان الحياة ، التي تصل في حالات معينة إلى الخلط بين الأبيض والأسود ، والسبب
الرئيس في هذا هو الانغلاق الاجتماعي والثقافي والاقتصادي ، الذي تعيش فيه بعض هذه
الجماعات فيحولها إلى قوى عدوانية عنيفة مع نفسها ومع الآخرين .
وهكذا عندما يصل الأمر بشخص يكون فيه مستعداً لقتل نفسه كي يؤذي الآخرين تحت شعار (
الموت والشهادة ) ، فإنه بلا شك سيكون مستعداً لارتكاب أفضع المجازر البشرية في سبيل
إظهار ذاته ، لكي يقول لنا إنه موجود ، متجاوزاً بذلك ما يعني مفهوم الشهادة من
الناحية الدينية والأخلاقية ، فللشهادة قواعدها وأسسها الصحيحة التي في المقدمة منها
الثقة التامة بصحة المنهج ؛ ناهيك عن عدم الإجهاز على الأعزل والمرأة والطفل والعاجز
عن القتال وهذا ما يفعله هؤلاء يومياً .
لقد كان الصراع القاسي الذي خاضه النبي الأكرم ( ص ) مع طواغيت قريش مثالاً حياً على
نُبل قيم الشهادة عند الرسول وصحبه الأبرار ، حيث إنهم لم يتركوا وسيلة إلا وطرقوها ،
في سبيل تجنب الصراع مع قريش والحد من العدوانية والعنجهية التي كانوا يتلبسون بها ،
تحت عنوان التقاليد وما يعبد الآباء .
ولم تفلح كل محاولات الصحابة الكرام للحصول على موافقة الرسول (ص) بمناجزة الكفار ،
حتى أذن الله فكانت معركة بدر . وبالرغم من حجم المرارة الهائل ، الذي كان يعيشه
الرسول الكريم (ص ) من ممارسات قريش إلا إنه لم يسمح للصحابة بمس الأسرى والجرحى أو
إيذاءهم ، وكان يرفض ويمنع ويستنكر كل عمل مخالف للقيم السامية للإسلام .
إن الانغلاق الذي عاشته بعض مجتمعاتنا ، والذي تتحمل النخب والزمر الحاكمة
المسؤولية الكبرى بإيصال المواطن العربي والمسلم إلى ما فيه من تطرف وتجاوز على
الآخرين ، سببه أنها كانت وما زالت أضعف من أن تقود المجتمع وتتبنى عمليه إصلاحه .
إنَّ موقفاً تاريخياً قد حصل وكان فيه اختلاف فكري بين الصحابي الجليل عمار بن ياسر
وعدد من الصحابة ، قد تدخل الرسول الكريم فيه وقال : ( ما لكم وعمار يدعوكم إلى
الجنة وتدعونه إلى النار ) .
ومع شدة التعبير النبوي والصراحة الفائقة التي نطق بها النبي الحبيب ، إلا إنه لم
يٌكفر الذين اختلفوا مع عمار ، بالرغم من إنه شبه دعوتهم بمن يقود إلى النار . وبذلك
فإنه فتح الباب واسعاً لحرية التعبير والاختلاف الفكري الذي يصب لصالح الإسلام مع إنه
يستمر ليقول : ( عمار جلدة ما بين عيني وأنفي ) .
فهل يا ترى إن الأفكار التي اعتمدها التكفيريين الجدد هي أكثر صدقيه ووضوحاً من تلك
التي اعتمدها الرسول (ص) ، وخطها لصحابته ولعموم المسلمين ؟؟؟؟
وهل أن أفكار التكفيريين أقرب إلى الله من تلك التي جاء بها خاتم النبيين ؟؟؟
إنها بلا شك ومن خلال ما رشح منها لا تعرف غير الجريمة والقتل فأساءت إلى مفهوم
الشهادة كثيراً ، بالإضافة إلى الضرر الكبير الذي ألحقته بالإسلام ، وصورته وكأنه
مشروع قتل ليس إلا !!! .......
إن الشهادة في سبيل الحق عمل نبيل إذا ما كانت خالصة لله ، وليس هناك ما هو أبخس من
أن يموت الإنسان في سبيل طاغية فاسق .
هذا هو رأيي أولاً وأخيراً !!!!!
فما هو رأيك يا ترى ؟؟؟؟[/b]