النمرود

المحرر موضوع: النمرود  (زيارة 2543 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل صلاح سليم علي

  • عضو فعال
  • **
  • مشاركة: 33
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
النمرود
« في: 12:29 29/12/2010 »
النمرود

صلاح سليم علي

تختلف المصادر حول شخصية النمرود وفيما اذا كانت شخصية تاريخية ام اسطورية ام كانت شخصية تاريخية تسطرخت في الذاكرة الشعبية..فالنمرود ترد بالأدبيات الشعبية والبلدانية لتصف حاكما مستبدا وطاغية امتلك الأرض..وانه بسبب طغيانه اثار غضب الله فأرسل عليه بعوضة دخلت في راسه ولم يهدأ طنينها حتى يعمد عبد من عبيده او احد افراد حاشيته بضربه بالنعال ..وان ذلك لم يتمخض عن علاج نهائي إذ تعاود البعوضة طيرانها وطنينها فيشرع بضرب راسه بالنعال .واستمر هذا الحال حينا حتى قتلته تلك البعوضة وانهت طغيانه..ومنها مايرى ان النمرود هو احد الملوك الكنعانيين وانه ابن كنعان وانه عاش على عهد ابراهيم الخليل (ع)ن وانه جلب أبراهيم (ع) وحاجه في تحطيم الأصنام وسأله عن الرب فقال (ربي يحيي ويميت) فأتى النمرود برجلين فقتل أحدهما وسرح الآخر وقال لأبراهيم (ع) أنا احيي واميت! فرد أبراهيم (ع) إن ربي قادر على ان ياتي بالشمس من جهة الشرق فأت أنت بها من جهة الغرب؟ فبهت النمرود وامر بأحراق ابراهيم (ع).. ويعزو القائلون بهذه الرواية برج بابل الى النمرود وانه بناه ليصعد الى السماء..وفي رواية ان النمرود اعد جيشا فارسل الله على الجيش ذبابا فاكلت لحوم جنده أما النمرود فقد دخلت ذبابة (وليس بعوضة) في منخره فمكثت به زمنا يعذبه الله بها فصار يضرب راسه بالجدران من شدة الألم حتى اهلكه الله جزاء جحوده وكفره وادعائه الألوهية. ويجعل اصحاب هذه الرواية مدينة النمرود في بابل ومنهم من يجعلها أور على الرغم من عدم وجود اي دليل تاريخي على وجود حاكم اسمه تحديدا النمرود في اي من هاتين المدينتين...ومن الكتاب من يربط النمرود بالأسكندر المقدوني بحكم وثنية الأسكندر وحكمه للعالم القديم حينا من الزمن..ويربط الأستاذ محمود الملاح في مقالة نادرة بين النمرود وقورش الفارسي الذي غزا بابل وبين الأخير وذي القرنين الذي ورد ذكره بالقرآن..ويرد النمرود في التوراة على انه ابن قوش حفيد حام وانه صياد عظيم..وتوصف بلاد الرافدين (ارض شنعار) بانها بلاد النمرود، ويبنى على ذلك ان النمرود هو الذي بنى بابل واوروك وكالخو وريسين (مدينة غائرة بين السلامية والموصل) وأكادا ونينوى وأنه حكمها جميعا. وتختلف المصادر وبخاصة ماكتبه ولتر رالي عن النمرود فيما غذا كان آشور أم النمرود هو من بنى مدن العراق..ويفترض على ذلك ان النمرود ربما كان نينوس (وهو شخصية اسطورية يونانية المنشأ) هو من بنى نينوى أيضا.

وتربط المصادر اليهودية التلمودية  بقوة بين النمرود وبرج بابل وان الملك (أمرافال) الذي امر باحراق ابراهيم (ع) هو نفسه النمرود..وأن النمرود كان على خلاف مع الإله بل في حرب دائمة معه مما يدعونا الى ربط النمرود بالأنوما ايليش (اسطورة الخلق) والحرب بين مردوخ وتيامات والأساطير الأخرى كآدابا بصفته سلف جدودي لبرومثيوس في الأسطورة اليونانية او للأنزو الشرير في حربه مع نينورتا بل وحتى بنبوخذنصر كونه باني برج بابل التاريخي..وفي المصادر اليونانية المتأخرة  ان (نبرود) وهو تصحيف للنمرود هو الجد الأول لأبراهيم الخليل (ع) وبهذا يكون سلفا لذريتي اسماعيل واسحق كلتيهما..اي سلفا للعرب واليهود..وفي (كتاب السجل) الذي يعود الى القرن الأول للميلاد والذي عثر عليه في كنيسة في سيناء يرد ذكر النمرود وانه لم يعش في عهد إبراهيم (ع) بل في عهد يلي عهد نوح (ع) وانه الأبن الرابع لنوح (ع) مكررا بذلك رواية التلمود.. ويضيف بانه اي النمرود هو الذي بنى سلوقية وحران ونصيبين والرها (اورفا) مما يقربه كثيرا من الملوك الاشوريين في الألف الأول للميلاد والملك آشورناصربال الثاني تحديدا. ويكرر (كتاب الكنوز) السرياني رواية (كتاب السجل) العربي..وانتقلت اسطورة النمرود الى القرون الوسطى و تواتر ذكر الأسطورة لدى البلدانيين والمؤرخين العرب الذين يجمعون على ذكر المناظرة بين النبي إبراهيم (ع) والنمرود ولايختلف البلدانيون العرب  الا بمصادرهم التي قالوا انهم اخذوا الرواية عنها، ومنهم أبو الفداء وابن الأثير والطبري والدينوري (ابي حنيفة أحمد بن داود) والقزويني وابن خرداد بيه وغيرهم. ويرى المسعودي أن النمرود بنى برج ماش ابن آرام بن سام ابن نوح (ع) وأنه حكم النبط لأكثر من 500 عام ..كما تفسر الأشارة الى (ملك غير محدد) في القرآن الكريم على ان المقصود هو النمرود.. ومن المصادر مايفسر الملك على انه ملك إرم ذات العماد او ملك أصحاب الأخدود او الملك الذي ياخذ كل سفينة غصبا في حديث الخضر (ع) مع موسى (ع)..ويفسر عدد من علماء الأساطير ممن يعتمد التوراة مرجعا لتفسير التاريخ ان النمرود هو كلكامش الذي حكم بجبروت وتحدى الإله بالبحث بنفسه عن عشبة الخلود وانه بنى زقورة شروباخ لتفادي الطوفان متحديا بذلك إرادة السماء ..وأنه كان صيادا ماهرا ليس للحيوانات فقط بل للبشر ايضا مما تسبب في نبذه من قبل الناس..وتعزو الرواية نفسها بناء برج بابل الى النمرود من دون اي ذكر للباني الفعلي للبرج  وهو نبوخذنصرالثاني..وهكذا دواليك حتى وصلت خرافة النمرود قصص الأنبياء والف ليلة وليلة وامتدت جغرافيا الى تركيا وأيران والمجروارمينيا. وانتشر اسم النمرود عبر الشرق الأدنى فاصبح يطلق على قلاع كقلعة النمرود في مرتفعات الجولان المحتلة وقلعة النمرود في زابل غربي ايرن وقلعة وجبل النمرود في ايدامان في تركيا وعرش النمرود ومنجنيقه في الرها (اورفا) التركية  واطلق حديثا اسما لطائرة انكليزية ودبابة هنغارية وسفينة قطبية وعلى عدد من النواحي في ولايات اميركية فضلا عن اسماء لفنادق وشوارع واشخاص وغير ذلك..وتبقى النمرود (كالخو) بالقرب من الموصل الأسم الأكثر عراقة وصلة بالنمرود التاريخي وموضوع مقالنا هذا.

نلاحظ من حيث المبدأ أن لمعظم الشخصيات التاريخية تطويرا اسطوريا في الذاكرة والثقافة الشعبية..وقد تتحول شخصية تاريخية قلبا وقالبا الى شخصية اسطورية بحكم تقادم الزمن وغياب الوثائق التاريخية بل غياب التدوين التاريخي نفسه ولا ادل على ذلك من اكتشاف نينوى ومدينة سرجون وكالخو في منتصف القرن التاسع عشر وما جاءت به مكتبة آشوربانيبال من مأثورات عن ملحمة كلكامش وابلة عن مآثر سرجون الأول ونرام سين..فلعل آدابا كان ملكا عراقيا غابرا اقدم من اورنمو وشولكي بآلاف السنين وماتبقى منه ذاكرة توارثتها الحضارات اللاكتابية حتى ظهور سومر وتخليفها لكيش وأكادا واوركيش (مدينة تارام اكادا ابنة نرام سين - تل موزان في سورية) ولاكاش وشروباخ تراثها..ويتضح مما أثر عن النمرود انه شخصية تاريخية لملك من ملوك العراق صحف اسمها الحقيقي عن نص توراتي فتحول ماراد-آراد الى مرود ومرود الى نمرود ..فالأسماء تتغير في سياق التاريخ والأسطورة ولا ادل على ذلك من تحول مدينة سرجون الثاني الى خوراباد فخسرواباد فخرسباد..ففي الحالة الأولى يحل اسم توراتي محل أسم آشوري، وفي الثانية يحل اسم فارسي محل اسم عراقي..وفي النص التاريخي عموما تمثل القراءة الأفقية مستوى واحدا فقط هو مستوى الرواية التي تخبرنا ماذا حدث سواءا في النص المرئي على المسلات او جداريات القصور الآشورية، اما القراءة الثانية فتميط اللثام عن المضمون الايديولوجي والأسطوري – اي عن (لماذا) و(كيف) حدث ماحدث ومن حنا يتبطن النص التاريخ المروي، معنى تحت النص لايمكن التوصل اليه الا من خلال القراءة العمودية..وفي النمرود نلاحظ ان معظم الروايات تربطه في مجال جغرافي هو العراق، آيديولوجي هو السلطة وكيفي هو الطغيان..وتاريخي هو بابل ونينوى وكالخو وأكد وأور وشروباخ،  وديني هو ابراهيم والتوراة والقرآن..واذا حاولنا أعادة تصوره من خلال منجزاته يقترب كثيرا من الملوك الآشوريين والكلديين وتحديدا آشورناصربال الثاني، وشلمنصر الثالث، وتكلاثبليزر الثالث، وسرجون الثاني، وسنحاريب، واسرحدونن وأشوربانيبال واخيرا نبوخذنصر الثاني هذا إذا استثنينا مرشحين اولهما سرجون الأول وقورش..فهل هو مجموع هؤلاء الملوك ام انه ملك محدد الحقت به منجزات ملوك جاءوا بعده..كبناء برج بابل الذي يعزى الى نبوخذنصرالثاني وصيد الأسود الذي عرف فيه أشوربانيبال اكثر من اي ملك آشوري آخر..الأرجح في رأيي ان النمرود هو نفسه آشورناصربال الثاني فهو الذي اختار كالخو (النمرود) عاصمة لأمبراطوريته وهو الذي وسع حدود الأمبراطورية لتشمل أعالي دجلة والفرات الأعلى وهو من اسس لضرب من الحكم المطلق والقسوة المفرطة بالتعامل مع الأعداء. وهو من اسس توشان (زيارة تبة) وحصنها وجعلها عاصمة اقليمية بالقرب من عاميدا (دياربكر)..ومدن أخرى، وهو من دعى ملوك العالم القديم الى مأدبة شهيرة في كالخو ذاع صيته بعدها.. ومن تتبعنا لسيرته وشخصيته وحروبه يتأكد افتراضنا انه والنمرود شخص واحد...وفيما يلي نسرد سيرة ملك العالم القديم، ملك الأمبراطورية الآشورية- آشورناصربال الثاني:

يعد الملك آشور ناصر بال الثاني 884 – 859 ق . م . واحدا من اقوى الملوك الآشوريين الذين حكموا في بلاد ما بين النهرين قبل الأسرة السرجونية . فقد نقل العاصمة من نينوى إلى كالخو (النمرود) ووطد اركان السلطة الآشورية التي ضمت على عصره أعالي الفرات وجانبا كبيرا من بلاد الشام والمناطق المجاورة لأرمينيا (أورارتا- اورارتو) وغربي إيران وفيما يلي نبذة موجزة عن حياته ومآثره قبل الحديث عن تمثيله الأسطوري بشخصية النمرود:

ورث آشور ناصر بال الثاني من أبيه تيكولتا – نينورتا الثاني مسؤلية توطيد الحكم الآشوري في الشرق الادنى وتوسيع رقعة المملكة الآشورية شرقا وشمالا وغربا . فقد كانت الممالك المعادية قبلية الطابع في الأغلب تحيط قلب الأمبراطورية الآشورية في شمالي العراق من كل الجهات . وكانت هذه الممالك قد اعتادت التمرد والثورة والعصيان وتشكيل التحالفات العدوانية على الملوك والحكام الآشوريين بتحريض أو بدونه . وتقع خلف هذه الكيانات القبلية دولا قوية تتمتع بجيوش دائمية وتحصينات دفاعية ونظم إدارية واقتصادية فضلاً عن ملامح حضارية مميزة كدولة اورارتا (ارمينيا) ودمشق وحاتي (الحيثية المتأخرة) في تركيا وبابل (التأرجحة بين الأستقلال والتبعية لآشور) في جنوبي العراق . ولعل دراسة دقيقة لجغرافيا الحملات الآشورية كما وردت  في حوليات الملك آشور ناصر بال الثاني ستميط اللثام عن عظمة هذا الملك وجسامة منجزاته كما توضح الطاقة والمرونة والروح العسكرية التي تميز القيادة والجيش الآشوري ناهيك عن المقدرة الهائلة والمطاولة في مقارعة ظروف بيئية قاسية ميزت الاقاليم المحيطة بالدولة الآشورية.

كانت حملات آشورناصربال الثاني في الشرق مزدوجة في اهدافها إذ يتمثل الهدف الأول بالمحافظة على السلطة المركزية وعلى هيبة الدولة في المقاطعات التي ضمها أسلافه منذ عهد نرام سين . فيما يتمثل الهدف الثاني بفرض الاعتراف بالسيادة الآشورية على القبائل والدويلات الواقعة في أقاصي الشرق – على ذلك ، ما برح آشور ناصر بال الثاني يجلس على عرش بلاد آشور حتى بدء بالزحف على المناطق المجاورة وكانت وعورة الارض تشهد على القدرة والمرونة العسكرية الفائقة للجيش الآشوري الذي غالبا ما يكيف الهجوم والاسلحة المستخدمة فيه مع طبيعة التضاريس واشكال المقاومة المتوقعة من العدو .

انطلقت القوة الآشورية الى الشرق مدمرة اراضي كيرخي وتومي والقلاع التابعة
لها – وعندما ابدى حاكم نيشتون مقاومة عنيفة تصدى له اشورناصربال الثاني بنفسه ودحره وجلبه اسيراً الى مدينة ارباأيلو حيث سلخه حيا هناك – وهي عقوبة غالبا ما كان اشور ناصر بال الثاني يوقعها بالخصوم الذين يتسببون له بأدنى ازعاج . وكان لهذا العنف نتائج ايجابية للحكومة الاشورية – فخلال حكمه الطويل (25) سنة لم تحدث سوى ثورة خطيرة واحدة وذلك عام 881 ق.م. عندما حرّضَ نور أدد امير داغارا اهالي زاموا (السليمانية) على العصيان ورفض السيطرة الاشورية . وكان الوضع ينذر بالخطر حيث حصّنَ المتمردون مضيّق بابايت (بازيان حالياً) وبدأوا بوضع الخطط لغزو اشور ، فعمد اشور ناصربال الثاني الى قيادة اربع حملات متتالية في الجبال اخضع بعدها اقليم زاموا ودحر المتمردين الذين هربوا الى الاصقاع البعيدة وفي مغاور الجبال وبذلك اسرعت قبائل الشرق بدفع الاتاوة الى الملك الاشوري قبل ان يداهمها ويخرب مدنها وترينا الغنائم المنتزعة من هذه الأصقاع مدى الازهار الصناعي والحرفي لهذه البلاد حيث استقدم اشور ناصربال الثاني عمالا وحرفيين مهرة الى كالخو للمساهمة في بناء المدينة الرائعة وتشييد قصره .

وفي الأناضول كانت الممالك التي كان شلمنصر الاول وتيكولتي نينورتا الاول وتكلاثبيليزر الاول قد ضموها الى آشور قد سقطت من ايدي السيطرة الاشورية منذ زمن بعيد. فزحفَ اشور ناصربال الثاني الى الأناضول عام 881 ق.م. لاسترداد هذه الممالك ودحر خصومه الآراميين والحيثيين الجدد من قلاع ومدن الشمال مثل ايلوخات ودمدموزا وكينابو التي تمركز فيها المتمردون فهاجم المدينة الاخيرة التي تمثل رأس الحربة المعادية وبعد معركة عنيفة وسريعة تمكن من دحر خصومه ودمر اسوار المدينة ثم احرق 3000 اسير وواصل تقدمه نحو الشمال وراء منابع دجلة في بلاد ناعيري (الممتدة جنوبي اورارتا – ارمينيا) مدمراً المدن والقلاع وباسطا النفوذ الاشوري على هذه المناطق النائية حيث اعاد اعمار عدد من القلاع وجعل توشان – زيارة تبة – عاصمة اقليمية في منطقة عاميدا (ديار بكر) التي حصنها واعاد اعمارها وجعلها عاصمة اقليمية للأمبراطورية الاشورية في الأناضول - فتلقى اتاوات الملوك رؤساء القبائل في تلك المدينة وتضمنت هدايا بلاد ناعيري باكمالها وكذلك مشايخ الآراميين وبضمنهم خصم والده (آم باآلي) الذي اصبح الان تابعا مواليا للملك الاشوري . وفي طريق عودته الى كالخو استلم اتاوة ملك حاتي التي يعرفها الاشوريون ب(هانيجلبوت) في نصيبين واتاوات اقليم أيزالا من اقاصي الشمال الغربي للأناضول وهي منطقة تابعة للدولة الحيثية القديمة .

لقد كان سكان الشمال في ثورة دائمة ضد السلطة الآشورية – لهذا شعر آشور ناصر بال الثاني بضرورة توجيه ضربة ماحقة تفطمهم عن التمرد إلى الابد وكانت تلك الضربة عام 879 ق . م إذ لم تكن القبائل القاطنة في جبل كاشياري وسفوحه (شمالي ماردين) قد اقروا بالحاكم الآشوري الذي عينه آشور ناصر بال الثاني عليهم في توشان . وكانت القبائل المجاورة لتلك المدينة قد أعلنت عصيانها بتحريض من أورارتا – مما ادى إلى قتل الحاكم الآشوري (آم باآلي) في مدينة توشان... إلا أن انتقام الملك الآشوري جاء سريعا وعنيفا وصاعقا إذ هاجم البلاد في الشمال ودمر الحرث والنسل وجلب على المنطقة كلها الدمار والخراب بحيث استتب فيها الامن بعد هذه الغزوة على مدى تسع سنوات لحين آن اوان توجيه ضربة ثالثة اكثر تدميرا من الضربتين الأولى والثانية وذلك في عام 876 ق . م .

إلا أن اكبر توسع تحقق للإمبراطورية الآشورية في عهد آشور ناصر بال الثاني كان في الغرب . فقد كان ضم الدويلات الغربية يشكل ضرورة حيوية للاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي للدولة الآشورية وهكذا فعندما زحف آشور ناصر بال الثاني غربا لم تبد الدويلات الآرامية المبعثرة أية مبادرة للتوحيد وتشكيل قوة مشتركة تتصدى للآشوريين في الوقت الذي شعرت فيه الممالك الحاتية في الشمال بالارتياح ازاء التوغل الآشوري في الغرب لانه يخفف مخاطر الهجوم أو الاغارة في حدودها الجنوبية . لهذا فعندما داهم آشور ناصر بال الدويلات الغربية منطلقا من كوموخ (سمساط غربي ميليد - ملاطيا) عام 884 – 883 ق . م . سارعت اقوام الموشكي النائية بارسال الهدايا إلى الملك الآشوري تأكيدا لموقفها الودي . وكان السبب المباشر للحملة الآشورية مقتل "خاماتي" حاكم صور (سورو) وهو احد اتباع الملك الآشوري من قبل الأقوام المعادية للآشوريين مما شجع سكان المناطق الممتدة بمحاذاة نهر الخابور من بيت خالوبي على العصيان والثورة . وكان المحرض الرئيسي على التمرد في منطقة الخابور حاكم بيت آديني الآرامي الذي ارسل دعيا من هناك ليتزعم التمرد . فانطلق آشور ناصر بال الثاني إلى سوريا وهاجم سورو واخضع المدن المجاورة مما دفع األآراميون الواطنون في الاقي وهندانو على الضفة الغربية لنهر الفرات إلى التخاذل ودفع الاتاوي وانواع الهدايا للملك الآشوري.

وتجدر الاشارة إلى أن اسلوب الملك الآشوري آشور ناصر بال الثاني في استحصال الضرائب والاتاوات يختلف عن اسلوب أسلافه – إذ بدلا من ارسال موظف آشوري يقوم بجباية الضرائب من الملوك والامراء في الاقاليم المجاورة يأتي الملوك والامراء بانفسهم إلى كالخو العاصمة الآشورية جالبين معهم أتاواتهم من الذهب والفضة والنساء والمواشي والثياب وهو الاسلوب عينه الذي انتهجه ابنه شلمنصر الثالث والملوك الذين جاءوا من بعده (وترينا المسلة السوداء لشلمنصر الثالث وبوابة بلوات في المتحف البريطاني تواكب الملوك الوافدة إلى كالخو وهي تقدم الهدايا وتقبل الارض بين يدي الملك الآشوري). غير أن القبائل المقيمة في المناطق التي تشكل الحدود الشمالية – الغربية لبابل والمعروفة بالسوخي أو السوحي وجدت في اسلوب تقديمها للضرائب للملك الآشوري إذلالا طوعيا ومتكررا لكبريائها ولم يكن لها قبل بالادارة الصارمة المتضرية شديدة القسوة لآشور ناصر بال الثاني – مما دفعها إلى التحالف مع ملك بابل (نابو آبال أيدنا) الذي كانوا يعدونه سيدا مطلقا عليهم كما جرت العادة مع آبائهم والملوك البابليين – إلا أن الملك البابلي لم يكن قادرا على شن هجوم معلن على الدولة الآشورية كما لم يكن قادرا على خرق المعاهدة التي فرضها عليه سلفه الملك الآشوري ادد – نيراري الثاني مما دفعه إلى ارسال قوة من الكاشيين تتألف من 3000 مقاتل وأو كل قيادتها إلى أخيه زابدانو لدعم السوحو الذين أعلنوا عصيانهم على الآشوريين عام 878 ق.م. ولم تكد أنباء العصيان تطال اسماع الملك الآشوري حتى انطلق باتجاه سورو التي لجا اليها الثوار . وكان بدء انطلاق الجيش من منطقة كا موخ (الخابور) في المنطقة التركية على الحدود مع سورية والعراق . انطلق الجيش الآشوري باتجاه الجنوب الشرقي وسار بمحاذاة الخابور الذي انسحب  باتجاه ترقا على الفرات وواصل انسحابه عبر زلابية في الأراضي العراقية ليتحصن في أنات (عانة) فلحق به آشورناصربال الثاني واشتبك معه بالقرب من عانة في معركة طاحنة استغرقت يومين وتمخضت عن اندحار القوات الآرامية اندحارا تاما ووقع من بقي منهم على قيد الحياة في الأسر . وكان من بين الاسرى شقيق الملك البابلي والكاهن الذي كان يتقدم القوات المتمردة . وكان هذا التمرد الآرامي فرصة للملك الآشوري وظفها لفرض المزيد من الشروط المذلة على الآراميين – على الرغم من تأكيده على العكس في أحد نصوصه : "أنا الملك دائم مجدي وجبروتي ... استدرت نحو الصحراء وقلبي يروم توسيع حمايتي" . ويقينا أن تلكم الحماية لم تكن سوى شروط مذلة تتعارض تعارضا حادا مع إرادة القبائل غربي الفرات مما دعا الآراميون في هندانو ولاقي إلى ضم صفوفهم في محاولة أخيرة لنيل استقلالهم . وقبل أن يعلنوا عصيانهم ابلغ جواسيس الملك الآشوري قادة آشوريين بأنباء العصيان مما آثار غضب الملك وجعله يقود حملة قوية ومباغتة تمخضت عن سحق التمرد بوحشية منقطعة النظير مما ادخل الذعر في قلوب الآراميين ومنعهم من الدخول في تحالف مع بيت آديني أو في ما بينهم لمناهضة الآشوريين في الوقت الذي أسرع آخوني حاكم بيت آديني إلى دفع الاتاوة والاعتراف بسيادة آشور ناصر بال الثاني .

وهكذا بسط الآشوريين نفوذهم على الخابور واعالي دجلة واواسط الفرات إذ لم تكن هناك قوة بمقدورها التصدي للآشوريين في سوريا ولبنان مما حفز الملك الآشوري للقيام بحملة استعراضية عام 876 ق . م . طاف خلالها مدن البحر المتوسط على نحو مماثل لحمله تكلاثبليزر الأول – وتماثل العلاقات الآشورية مع ألدويلات الآرامية في سوريا علاقات فيليب المقدوني (والد الأ سكندر) مع اليونان إذ عمد الملوك الآشوريين إلى تعيين حكام محليين يمثلونهم في المناطق التي يغزونها – وهو إجراء قلدهم فيه الفرس والرومان من بعدهم .

وفي شهر أيلول من السنة نفسها زحف الملك الآشوري إلى كاركميسش (جرابلس) مجندا على نحو يذكرنا بهانيبال جنودا من الإمارات التي مر بها مثل بيت باخياني وايزالا – وفي الطريق أسرع آخوني وخابيني بدفع الاتاوة ومعها رعيل من المقاتلين من بيت آديني مما
دعا سنجارا ملك كاركميش إلى الاسراع بدفع الاتاوة واعلان خضوعه للسيادة الآشورية . وكان الطريق إلى لبنان يمر بأراضي خاتيانا (باتينا) أنطاكية الواقعة في سهل عاموق شمالي  تل بارسيب – مما جعل لوبارنا ملك خاتيانا يسرع بتقديم الهدايا معلنا عن طاعته للملك الآشوري درءا للمذابح والخراب – وبعد ذلك، انطلق آشور ناصر بال الثاني عبر العاصي إلى اقاصي الجنوب الغربي فخرب المدن السورية واحرقها وسوى عددا منها مع الارض حتى وصل ساحل البحر المتوسط فاسرع ملوك صيدا وبيبلوس (جبلة)  وطرابلس بتقديم الهدايا – وعندما وصل جبل عمان أمر النحاتين بحفر نصب تذكاري يخلده في الجبال وقطع الاشجار التي حملها إلى كالخو لتسقيف قصوره ومعابده هناك .

وبعد عشر سنين زحف الملك الآشوري باتجاه الشمال مرورا ببيت عاديني وكاموخ وتوغل في الجبال التركية حيث بنى قلعة مازالت تعرف بقلعة النمرود . ثم اتجه جنوبا فهاجم دمدموزا (قزل تبة) وذبح 600 مقاتل عند اقتحامه المدينة وساق 3000 اسيرا إلى عامودا (ديار بكر) حيث صلبهم هناك – وقطع حجارة الممرات الجبلية في جبل كاشياري (طورعابدين) لتسهيل حركة العجلات حتى وصل قلعة لابتوري حيث هاجم القلعة ودمرها واحرق المدن المجاورة لها ... وهكذا فقد ضمنت له هذه الحملة السيطرة على أعالي الفرات وهو أوسع مدى بلغته الإمبراطورية الآشورية في عصره ..
آشورناصربال الثاني (النمرود) -  منجزاته وشخصيته :

كان آشور ناصر بال الثاني (النمرود) قد قرر منذ بدء حكمه نقل عاصمته من نينوى إلى كالخو (النمرود) لذا اعاد بناء هذه المدينة المندثرة التي كان شلمنصر الأول قد اتخذها عاصمة له – ويبدو أن آشور ناصر بال الثاني قد بدأ اقامته في كالخو في 880 – 879 ق.م . .

ولهذا يعود الجانب الأكبر من مبانيه في هذه المدينة إلى السنوات الخمس الأولى من حكمه . ومن المنجزات الرئيسة التي انجزها في النمرود قناة تمر تحت الارض في بعض الاماكن تعرف بقناة الوفرةBabelat-hegalli  تنقل مياه الزاب إلى كالخو – وكذلك سور المدينة فضلاً عن قصره الذي تزين مداخله الالواح المحفورة وتحرس بواباته الثيران المجنحة وهو مبني من اللبن المحضن بالحجارة والرخام كما شيد معابد وزقورة في مدخل المدينة . وقد تم العثور على عدد كبير من المنحوتات واللوحات التي تمثل طقوساً دينية ومشاهد صيد ومعارك ومواضيع اسطورية وكان عددا من هذه المنحوتات المحفورة على الرخام والحجارة والزخارف التي تزين القصر الشمالي الغربي ملونه وهي تعكس قوة هذا الملك واتساع رقعة مملكته وثروته الهائلة كما عثر اخيرا على اسود وثيران مجنحة lamasse في مواضع جديدة بالإضافة إلى المنحوتات العاجية الوفيرة التي عثر عليها في القصر الملكي وفي حصن شلمنصر (تلول عازر) الكائن في الزاوية الجنوبية الشرقية من المدينة. وقد تم في الآونة الاخيرة اكتشاف المقبرة الملكية في القاعات الداخلية في القصر الشمالي الغربي واخراج كنوزها من المجوهرات والمصوغات الذهبية والعاجيات التي تعكس مهارة فنية رفيعة الطراز اشتركت بها مهارات فينيقية ومصرية وحاتية تمثل تطور الفن في الشرق الأدنى بأسره .

ويظهر الملك والمرافقين بل وحتى الملائكة الحارسة بثياب ثقيلة تغطي كامل الجسم وتنتهي بحافات مزركشة . وتظهر المناطق البادية من الجسم الانساني أو الحيواني القوة الجسمية الهائلة من خلال تصوير عضلات الذراع والساق وكذلك في الأسود والثيران التي تدخل الذعر في قلوب الاعداء مما يوحي بانها كانت جزءا من الدعاية السياسة التي عمد الآشوريون إلى توظيفها لإدخال الرعب في قلوب خصومهم . وتظهر زهرة البابونج – الكاميليا – الشهيرة في ام الربيعين – الموصل – في كل زوايا المحفورات الجدارية وعلى أساور الملوك وتيجانهم وكذلك في يتجان الثيران المجنحة وحول قواعد العرش وزخارف النصب التذكارية مما يثير التعارض الجمالي لدى الآشوريين بين الورد والعنف الانتقامي الذي يشهد على حب الدماء لدى الملوك الآشوريين وتبرز القدرة الفنية على التصوير لدى الفنان الآشوري في نحته للتكوينات المركبة التي تمثل عالم الحلم والاسطورة والخيال كما تطالعنا في الثيران المجنحة وفي صراع الإله مع تيامات المصورة  برأس نسر وأرجل اسد وجسم انسان – انه فن ياخذنا إلى عالم القوة والرهبة والجبروت سواء أعبرت عنه اشداق الاسود ام الابتسامة الهادئة لاشور ناصر بال الثاني .

وهنا لابد أن نوضح جانبا من الملامح الشخصية لهذا الملك من خلال حولياته ومنجزاته . واول ما يطالعنا قدرته الهائلة في توطيد الحكم الآشوري في المناطق التي يستولي عليها بما يدل - إلى جانب القوة الفريدة من نوعها – على متانة الإدارة الآشورية وقوة الجيش الآشوري فضلاً عن المرونة العالية التي يتميز بها في التكيف مع الظروف القتالية والبيئية . كما نلاحظ أن السلطة المطلقة لاشور ناصر بال الثاني وأقرانه من الملوك الآشوريين تنبثق من اعتقاد الملك بأنه يقود حربا بالوكالة عن الآلهة العظيمة وأن غنائم الحرب ستصب في معابد يقدسون فيها .. ولعل ابرز دليل على الإدارة الحازمة لهذا الملك انه لم يقد خلال العقد الأخير من حكمه بنفسه سوى حملة واحدة في حين تميزت هذه الفترة بالاستقرار السياسي وباستتباب الأمن والسلم اللذان يقتضيان المحافظة على جيش دائم يضطلع بالمهمة المزدوجة المتمثلة بالحفاظ على الآمن الداخلي والاستعداد لقمع العصيان والتوسع في الخارج يؤكد ذلك أن شلمنصر الثالث ورث جيشا قويا ودولة راسخة من ابيه على الرغم من مرور فترة طويلة من السلم المصحوب بالاستعداد السوقي للقتال في أية لحظة .

ولم يكن العنف الآشوري منطلقا من دافع التهور ... بل الحزم يدل على ذلك تحاشي آشور ناصر بال الثاني الاصطدام مع مملكة دمشق القوية في اثناء حملته على مدن الساحل الفينيقي الأمر الذي يؤكد البعد العقلاني في سياسته ...

ولا يختلف آشور ناصر بال الثاني عن غالبية ملوك الشرق الأدنى قديما من حيث حبه للنساء والذهب والدماء وبالنظرة الأسطورية إلى العالم وكذلك بقوة الدافع الديني وحب تخليد الذات . كما يماثل اسلافه واحفاده الآشوريين بميزتين أفردتهم عن سواهم من الملوك اولهما سياسة التهجير والاحتفاظ بالرهائن وثانيهما قتل الاسرى وانتهاج سياسة الارض المحروقة في الحروب .

وبالإضافة إلى هذا و ذاك يتميز آشور ناصر بال الثاني بذائقته المتميزة للفن والأدب إذ يجمع بين الاهتمام بالأعمال الفنية صغيرة الحجم دقيقة التفاصيل كالعاجيات الفينيقية وبالأعمال الصروحية التي تنتشر وكأنها زخرفة اسلامية لا تعرف أطراً أو حدودا للكتابات المسمارية التي تخلد مأثره وغزواته ومنجزاته – وتعكس الأسود في كالخو قوة الدولة وضراوة الملك في تعامله مع خصومه في آن واحد .

كما تطالعنا في حولياته صورا ومنجزات شعرية تعكس الذائقة الأدبية لعصره وتنطوي على التنافر الجمالي المميزة للذائقة السامية عبر العصور فهو أسد وطوفان وطائر صاعقة وهو في الوقت نفسه فأر يقطف الثمار من بساتين البهجة في كالخو . ويخبرنا في اماكن مختلفة في حولياته عن جيشه وهو ينطلق مثل طير الصاعقة نحو قلعة شاهقة مثل غيمة ترفرف في السماء أو عن جبل منحدر كحافة الخنجر.
يتضح مما اسلفنا ان آشورناصربال الثاني وليس ابنه شلمنصر الثالث أو حفيده تكلاثبليزر الثالث هو من يمثل النمرود ... إذ تتماثل الشخصيتان في وجوه عديدة أبرزها القسوة منقطعة النظير والطغيان المطلق والجبروت . فالنمرود ليس هو سوى الأمتداد الأسطوري لشخصية الملك آشورناصربال الثاني..

صلاح سليم علي/كرستنساند 28-12-2010