أرجوكم... لا ترقصوا على توابيت الشهداء
سمير خوراني بعد مجزرة كنيسة سيدة النجاة في بغداد التي راح ضحيتها العشرات من الشهداء والجرحى، وبعد الجرح الكبير الذي احدثته في نفوسنا، وبعد سلسلة متوالية من عمليات الخطف والقتل والتهديد والتهجير بحق مسيحيي بغداد والبصرة والموصل الذين فروا بجلودهم الى ديار الامان في كوردستان، وبعد شعورنا نحن المسيحيين إننا امام هجمة تكفيرية عنصرية حاقدة شرسة تريد بنا الأذى أوالرحيل عن الوطن طغى علينا شعور حزين مفعم بالمرارة والأسى. فنحن أمام امتحان عسير، وسؤال مصيري كبير: نكون أو لانكون.
وقد تزامنت هذه الاحداث المأساوية مع أعياد الميلاد ورأس السنة الميلادية الجديدة، لذا اعلن رؤساؤنا الدينيين والروحيين عدم الاحتفال بهذه الأعياد تضامناً مع الشهداء الذين سقطو في حرم الكنيسة، وتضامنت مع هذا القرار فعاليات كثيرة من فعاليات شعبنا المسيحي في العراق والمهجر، لا بل حتى من غير المسيحيين كالإخوة الصابئة مثلاً ضاربين بذلك مثلا انسانياً وموقفا مشرِّفاً في التعاطف والتضامن.
وإذا كنا كمسيحيين في العراق لا نملك جيشاً او ميليشيا ندافع بها عن انفسنا، فأضعف الإيمان ان نسجل مواقفنا تجاه ما يحدث لنا.
إن عدم الاحتفال بالأعياد لهو موقف نسجله على كل الظلاميين التكفيريين وعلى كل المتورطين يإخلاء العراق من مسيحييه، والذين يجعلون من المسيحيين ورقة سياسية يلعبون بها لتنفيذ مآربهم.
إن عدم الاحتفال لهو رسالة بليغة الى كل المسؤولين الأمنيين من رأس الدولة الى أصغر مسؤول امني فيها الذين يرفعون عقيرتهم في الليل والنهار ويجاهرون بانهم حماة للمسيحيين وكنائسهم ويخدعوننا بالكلام المعسول الذي لا يغني ولا يسمن من جوع؛ لأنه كلام للإستهلاك المحلي ليس إلاّ، فلا حماية ولا هم يحزنون.
ولكن وللأسف يبدو اننا لسنا بتلك الدرجة من الوعي، أو ان الشهداء الذين سقطوا لا يعنوننا، وإلاّ فماذا تعني كل هذه الاحتفالات في أربيل- عنكاوا وربما في دهوك والسليمانية بالكريسماس؟ لماذا كل هذه الزينة والاضواء والاعلانات الكثيرة عن حفلات صاخبة؟ ولماذا هذا الشغف والتهافت من شبيبتنا بحضور تلك الاحتفالات، وكأننا في حياتنا ما رقصنا وما سمعنا موسيقى!!
صحيح ان هذه المدن أكثر أمناً نسبياً من بقية مدن العراق، ومع ذلك هناك من يترصدنا ويريد بنا شراً، والعبوتان اللتان انفجرتا في عنكاوا ً، والخلية الارهابية التي تم القبض عليها مؤخراً في السليمانية وكانت تريد ارهاب المسيحيين خير دليل على ذلك.
لستً ادعو الى إلغاء الاحتفالات بداعي الخوف من العمليات الارهابية، وإن كان الخوف على الأرواح مشروعا عند الانسان المتحضر، فعدم الخوف ليس شجاعة بل الشجاعة في الحرص على حفظ أرواح الناس( ونحن لا نتحمل مجزرة أخرى). ليس هذا هو الدافع، ولكن أين التعاطف مع الشهداء والضحايا؟ اين الموقف؟ أليس هؤلاء من لحمنا ودمنا؟ أليس الذي أصابهم قد أصابنا؟ ألايمكن ان يحدث لنا مثل ما حدث لهم؟ وبالتالي ألا يستحقون منا تعاطفاً وموقفاً وتذكراً؟
ماذا يحدث لو لم نحتفل؟ ما الذي سينقص منا؟ وكيف لنا ان نحتفل في هذه الايام السود؟ أليس احتفالنا رقصاً على توابيت هؤلاء الشهداء؟ ألا ننتقص من قيمة شهادتهم؟ ألا نعكس للعالم الذي يراقبنا باهتمام بعد تلك المجزرة صورة سيئة؟ كيف نقنعهم باننا نُضطَهَد ومع ذلك نرقص ونفرح ونقيم الاحتفالات؟ كيف سيصدقوننا؟ كيف سيتعاطفون معنا؟
اليوم هو يوم العمل من اجل مصيرنا وليس يوم الرقص والطرب. إنها ساعة الجد وليست ساعة الهزل. إنها ساعة التأمل والتفكير بحكمة، وليست ساعة اللهو والعبث. مصيرنا وقدرنا بأيدينا إذا أردنا، فلا تجعلوا هذا المصير لعبة بأيدي الاخرين.
ثم لماذا نحن مصرون على ان نظهر بهذه الصورة المائعة، صورة محبي الحفلات ومرتادي نوادي الشرب واللهو، والمولعين بالمظاهر والملبس، وبائعي الخمور والمشروبات الروحية، ونجعل من هذه المظاهر حقوقاً أبدية لا نتازل عنها؟
في النهاية: أرجوكم اوقفوا الاحتفالات، ولنعي خطورة الوضع الذي نعيش فيه. ولنكن اكثر حكمة وتعقلاً وفهما لما يُحاك ضدنا، لا تجعلوا الاخرين يضحكون منا. علينا ان ننظر دائما الى الجانب الاخر من المسألة، دعونا لا نثير حفيظة من نعيش بينهم.
وأرجو من قادتنا الروحيين- باعتبار ان كلمتهم مسموعة- ان يكونوا بمستوى الحدث، فيحثوا الناس بقوة على إلغاء الاحتفالات، صحيح إنهم لا يستطيعون ان يمنعوا بالقوة، ولكن التوعية المستمرة تؤتي نتائج أفضل.
وأرجو من الاباء والامهات ان يوعوا ابناءهم الى خطورة ما يحدث، لا ان ينساقوا وراء رغبات ابنائهم في هذه الايام السود.
وأرجو من شبابنا ان يفكروا قليلا، وأن يتاملوا للحظات، ويكبحوا جماح رغباتهم، ويشعلوا بدلا من ذلك الشموع ليتذكروا أرواح الشهداء الذين قضوا لا لشيء، سوى لأنهم كانوا مسيحيين.