دور المشاعر في تحديد المواقف السياسية للإنسان
د.جميل حنا
يعيش الإنسان بين نقيضين مختلفين في التفكير
والممارسة المبنية على أساس المشاعر التي
يملكها بالفطرة أو تتولد لدية في المراحل
اللاحقة من الحياة
وبين النقيض الأخر المبني على المنطق, الذي
يتكون لدى الإنسان, باكتساب الخبرة الحياتية
العملية والمعارف العلمية والتحليل الواقعي
لكافة أمور الحياة بميدانه الواسع . وكلا
الحالتين يتأثران بجملة من العوامل والمؤثرات
الرئيسية والثانوية , ومعقدة في ذات الوقت
لصعوبة الفصل بينهما أثناء التحولات التاريخية
الهامة سواء في حياة الأفراد أو الشعوب.وفي كل
الأحوال هذان المنطقان يحددان مسار سلوكية
الإنسان النظرية والعملية في مختلف القضايا
الحياتية .
ولأجراء أي مقارنة فكرية وعملية على واقع بلدان
الشرق الأوسط وشعوبها , يتبين لنا وبكل وضوح
سيطرة الحالة العاطفية النابعة من صميم المشاعر
الدينية والمذهبية والقومية , والتي على أساسها
يحسم الناس مواقفهم . ولذا نجد في مرحلة التغيير
الجذري الذي يمر به العراق, الانقسام الحاد
المرتكز على المشاعر الفئوية , مما يؤدي إلى
تناحر دموي يومي على الساحة , وإضعاف لكيان
الدولة مما يتيح المجال أمام التدخل الخارجي .
في هذه المرحلة الصعبة والحرجة وفي ظروف التحول
السياسي الكلي , تتخذ السياسات و الاستراتجيات
المختلفة وفقا لموازين القوى المتصارعة لتفرض
نظرتها حول بناء دولة المستقبل وفق مفاهيمها
الفئوية الضيقة .
والصراع الدائر بين مختلف القوى, لأخذ الأدوار
الرئيسية, والسيطرة على البلد وقيادته حسب
أهوائها الفئوية , منقادة بتأثير عواطفها
الذاتية , متنكرة ومعادية لطموحات الآخرين .
والقوى الأكثر تشبث بمواقفها , تلك المنصاعة
لإرادة منطق المشاعر الفئوية التي تملك
ميليشيات مسلحة , وتسيطر على السلطة التشريعية
والتنفيذية وخيرات الوطن . وكل المواقف
السياسية المتخذة على مسرح الحياة السياسية ,
تكاد تكون المشاعر الذاتية الدينية والقومية
والمذهبية العوامل الرئيسية الوحيدة المؤثرة
في وعي الإنسان وسلوكياته . وانطلاقا من هذه
الحالة اللامنطقية أو الهستيريا , نشاهد قوة
الدفع السلبي لهذه القوى بجلبها الكثير من
الويلات على البلد ,ومحاولاتهم البائسة لإلغاء
الهوية القومية للآشوريين والاستيلاء على مزيد
من أراضيه وتوسيع رقعة نفوذهم على حساب الآخرين
. ضاربين عرض الحائط مبادئ العيش المشترك , وكل
القوانين والأعراف الدولية .
وفي هذه الأثناء نلاحظ تراجع قوي لدور
الموضوعية والممارسة الفعلية المرتكزة على
الوعي والتفاهم المنطقي , وعلى أساس المصلحة
الوطنية , ومبادئ الأخوة والمساواة إلى ادوار
ثانوية إمام الهجمة الشرسة للمشاعر المليئة
بالأحقاد تجاه الآخرين . ولا تلعب السياسة في
هذه الحالة سوى الدور المنظم لفرض الرغبات
العاطفية التي يحملها هؤلاء المتصارعين ,
لمنحها شئ من المشروعية بفرض قوانين ودستور
وانتخابات لا شرعية لا تخدم سوى مصالح صانعيها .
التغيير الجذري الذي حصل في العراق منذ سقوط
النظام الدكتاتوري , والأوضاع المأساوية التي
يعاني منة الغالبية الساحقة من أبناء الوطن ,
وما تم خلال هذه الفترة من إقرار قانون إدارة
الدولة العراقية المؤقت والدستور الدائم
والانتخابات ا لبرلمانية وتشكيل الحكومة
المركزية وفي الشمال وكذلك ما تشهده الساحة
اللبنانية منذ أكثر من عام من صراعات من أجل
تحقيق السيادة والاستقلال والحرية بين مختلف
الفئات , كل هذا يقدم لنا صورة أكثر وضوحا حول
تأثير المشاعر التعصبية على تهديد الأمن الوطني
والوحدة الاجتماعية . ويؤكد تفريط النخبة
الفئوية بالمصالح العليا للوطن , وفرض إرادتها
على أتباعها باستخدام الورقة العاطفية . هذه
اللعبة القديمة الجديدة يوضح حالة التردي
الفكري الواقعي للنخب الفئوية وانجرارها وراء
العاطفة الذاتية . وهذا يظهر حالة التناقض
الكبير في المجتمع بين سلوكيتين مختلفتين كليا
,وهما السلوكية القائمة على المشاعر النابعة من
التربة الدينية والطائفية والمذهبية والتعصب
القومي , وبين من يحددون مواقفهم بموضوعية على
أسس المنطق العلمي والتحليل الواقعي لأوضاع
المجتمع وتاريخه وتنوعه الثقافي والقومي
والديني والمذهبي , لكي يضمن وفق هذا المنطق
تأمين الحقوق والمساواة لكافة مكونات المجتمع ,
ولبناء وحدة وطنية سليمة , وإلغاء سيطرة الأكثر
عددا على أبناء الوطن الأقل عددا, وحل الميلشيات
التي تزرع الرعب في المجتمع , وتأمين مشاركة
الجميع في المؤسسات التشريعية والتنفيذية بدون
تمييز عنصري .
لا نستطيع التنبؤ إلى متى يمكن أن تستمر هذه
الحالة العاطفية التي على أساسها تصرف غالبية
الناس . ولكن باستطاعتنا القول بأن هذه الحالة
اللاسليمة لا بد إن يصطدم بالواقع الاجتماعي
والسياسي في المرحلة القادمة , عندما يصحوا
الناس من غفوة المشاعر العميقة. ولتبدأ عمليات
اصطفاف جديد على أسس أكثر عقلانية وموضوعية
لتحديد مواقفها من القضايا المصيرية الوطنية
والحياة السياسية, واستلام المناصب القيادية
العليا والدنيا في الدولة على أساس الكفاءات ،
وليس حسب الانتماء الديني أو المذهبي أو القومي
, والولاء الشخصي .
وهذا الواقع المرير لا يستثنى منة الشعب
الآشوري بكافة تسمياته الطائفية من أبناء
الكنيسة الكلدانية,و الكنيسة السريانية
الأرثوذكسية, والكنيسة المشرقية . وفي ظل هذه
الظروف الصعبة والمصيرية ، تستدعي الحاجة
الضرورية إلى إجراء حوار جدي بين أبناء الأمة
بغض النظر عن التسمية التي يتبناها آي طرف , لأن
الوجود القومي مهدد بالقضاء علية . وأن البحث في
القضايا المصيرية الإستراتيجية وتوحيد الرؤى
في هذا الشأن هام للجميع , لأن الاستمرار في
الجدال اللامنطقي وربما المحق في كثير من
الأحيان لا يأتي بنفع بالشكل الذي هو قائم علية
الآن , وعلى الجميع البحث في آليات حوار منطقي
يصون بقاء هذا الشعب على أرضة التاريخية , ولأن
مسألة توحيد المواقف من القضايا المصيرية مثل
الهوية القومية , الحكم الذاتي , الحقوق القومية
...الخ هي مسألة بقاء أو فناء . أن مصير هذا الشعب
مصير واحد منذ القدم حتى ألان وتأكده كل إحداث
التأريخ المأساوية بارتكاب مجازر الإبادة
الجماعية والاضطهاد الديني والقومي ولم يميز
مرتكبي هذه الجرائم بين إتباع الكنيسة
الكلدانية أو الكنيسة السريانية أو الكنيسة
المشرقية الكل كان مستهدفا . وأن ما يجمع أبناء
هذه الأمة اللغة المشتركة الأرض ,التأريخ
,الثقافة , العادات والتقاليد الشعبية والدينية
المشتركة . متى يستيقظ البعض منا من غفوة
العاطفة ويتحكم إلى المنطق العلمي والموضوعية ,
ويضع مصالح الأمة فوق المصالح الذاتية .
[/b]