المؤامرة العظمى ..علينا أم فينا ؟؟
دخلت مرةً إلى غرفة من غرف الحوار المنتشرة كالفطرعلى شبكة الانترنيت ، للإطلاع بشكل مباشر على نوعية الحوارات و طبيعة الجو العام لهذه الغرف ، فكثرة ما تردد عن رواجها و قوة تأثيرها قد أثارت فضولي للتعرف عليها عن قرب . و بالرغم من إهمالي المقصود للغرف المؤدلجة و ذات الطابع الديني و حصر إختياري للغرفة ذات العدد الأكبر من المشاركين ، إلا أن ذلك لم يجنبني المفاجأة التي داهمتني منذ نقطة الانطلاق .. فقد صادف دخولي في بداية دردشة غريبة بين عدد من الشباب و الشابات من بلدان مختلفة عن نظرية طرحتها فتاة بدا من صوتها و من مفرداتها بأنها على درجة جيدة من التعليم و لم تتجاوز الثلاثين من العمر بعد . و كان موضوع الطرح يدور حول ( جرس باب المنزل ) ، و إن استخدامنا له ما هو إلا نتيجه لخدعة كبيرة خطط لها و نفذها الغرب الكافر بدقة و صبر، و انطلت على شرقنا العفوي الذي استخدم عن حسن نية جهازاً من ابتكار النصارى صوته يشبه صوت أجراس كنائسهم و لا يشبه صوت الآذان في شيء..؟؟!!
بدا واضحاً من طول المدة التي شغلها الموضوع ومن تزاحم زوار الغرفة للمشاركة و إبداء الرأي إن الطرح قد لقي هوى في نفوسهم ، ولكن الغريب في الأمر كان هو سرعة تحولهم جميعاً في تلك الدردشة السوريالية من حالة المتلقي لهذا الطرح الى حالة المتقبل دون أي تحفظ أو مقاومة و من ثم الى حالة المروج له ..!! و كنتيجة منطقية لهكذا حوار و مع اتفاق جميع المتحاورين بالرأي، زاد الطرح تطرفا و توسعت دائرة التشكيك بالتدريج لتشمل المزيد من الأجهزة الكهربائية والالكترونية التي نستخدمها " مضطرين" في حياتنا اليومية.. !!
إن لنظرية المؤامرة العظمى مكانها الواسع و العميق في مجتمعاتنا، فإعلامنا المرئي والمقروء يطالعنا يومياً بكميات حاتمية من البرامج والمقالات والدراسات التحليلية ذات النفس المتشكك ، والتي تعمل دون كلل لأستنباط الغايات البعيدة لهذا أو الدافع الحقيقي لذاك أو المتحكم الفعلي بكليهما.. فأينما و كيفما اتجه المرء عندنا تأتيه أسئلة من نوع : هل هي مساعدة مجانية أم لغاية في نفس يعقوب ؟؟.. لماذا في هذا التوقيت بالذات ؟؟ .. هل هذا هو حقا الفاعل الحقيقي أم هم من فعلوها لهدف ما ؟؟ و المقلق في الامر هو عدم اقتصار هذا الطرح على وسائل الاعلام فقط، بل تداوله كشيء مسلم به في كامل جسم المجتمع ، فنجد التطرف في استبعاد حسن النية في أغلب المحاضرات السياسية و الندوات الأدبية و في مناهج الدراسة وخطب الجمعة و جلسات الحوار العامة و الخاصة و في نقاش الجار مع جاره و إرشاد الأب لأبنه. .!!!
التآمر هو سلوك قديم بقدم الإنسان و لا أحد يستطيع نكران وجوده ، و بالأخص الآن في ظل هذا التطور الهائل لوسائل الإعلام وللمؤسسات الأمنية و الاقتصادية . و لكن عندما نبالغ في التنقيب في كل شيء لكشف الدسائس الموجودة فيه و عندما تتحول حيطتنا الغيورة إلى هلوسة يومية و فطنتنا البوليسية إلى هاجس مرضي ، فنحن أمام مشكلة جادة و خطيرة و تستدعي منا بالحاح كل إهتمام و بحث.
إن أهم سؤال يبرز لدى تناولنا لهذه ا لمشكلة هو: هل الإيمان بوجود تآمر ما، هو نتيجة لعوامل ذاتية أم خارجية ؟؟ أي بمعنى هل هو جزء أساسي من شخصيتنا الفردية ؟؟ أم هو مجرد ظاهرة ظرفية تبريرية كرستها الآلة الاعلامية لأنظمتنا كي تخلق بها مبرر ضخم لنسقط عليه أسباب الفشل و نوجه رد الفعل على جميع إنتكاساتنا و إحباطاتنا نحوه.. ؟؟
من الواضح أن إعلامنا يتقصد الترويج لنظرية المؤامرة العظمى ، و لأسباب لم تعد خافية على أحد ، فلا يختلف اثنان على حجم المكاسب التي يضيفها أي نظام لحساب تسويق أجندته في حالة وجود عدو لئيم و مخادع و لا يعرف المهادنة بل يتربص دون كلل للنيل من ثوابت الأمة.
إن بدائية الطرح و سذاجة الأسلوب لا يعنيان أن إعلامنا حديث العهد بهذا التكتيك ، فهو يمارسه بشكل منهجي و مدروس منذ عدة عقود مضت ، ففي ذروة الحرب الباردة بدأ الخطاب السياسي لأغلب الأنظمة الحاكمة في مناطق النزاع و التوتر في الترويج لنظرية المؤامرة ، و أصبح هذا الطرح هو الشغل الشاغل لوسائلها الإعلامية وقتها مع الإختلاف في الآخر حسب المعسكر أو حسب الموقع الجيوسياسي للفرق المتنازعة. وللأسف فقد لاقى هذا الطرح رواج كبير في الشارع راق لأصدقاؤنا في وزارات الإعلام فلم يوفروا جهداً لإستغلال هذه الفرصة الذهبية واعتمدوه كاستراتيجية إعلامية ثابتة حتى الآن...!!
و لكن هناك عدة نقاط تدعونا بإلحاح للتوقف عندها و التفكير ملياً بها و هي:
أولاً النجاح الكبير لهذا التكتيك بالرغم من بساطة إعلامنا، و سرعة انتشار و تداول هذه النظرية في كل شرائح المجتمع.
ثانياً ثبات هذا الطرح في وجدان شعوبنا حتى الآن بالرغم من حدوث الكثير من التطورات السياسية على أرض الواقع و
التي تخالف بفجاجة المعطيات الأولى التي بنى عليها إعلامنا طروحاته المبكرة عن نظرية المؤامرة العظمى مثل :
هزيمة الجيش الأميركي في فيتنام .. سقوط الاتحاد السوفيتي و انتهاء الحرب الباردة .. سقوط حلم دولة اسرائيل الكبرى
بإعتراف اسرائيل نفسها .. الصعوبات التي تواجه أميركا في الشرق الأوسط عموماً و في العراق خصوصاً .
ثالثاً تفاعل و تطور الإيمان بنظرية المؤامرة بشكل سلبي و سريع في مجتمعاتنا، و يتجلى ذلك بأمرين: الأول.. بزيادته حدةً في الجوهرحيث تحول الطرف الآخر من عدو سياسي ايديولوجي يتآمر جغرافياً و اقتصادياً علينا إلى عدو ديني شيطاني يتآمر على رسالة الله في كل بقاع الأرض. والثاني.. بتغُير مفردات و مجال و أدوات مواجهة المؤامرة ، من كفاح إلى جهاد، و من ثواب سياسي إلى ثواب سماوي، و من جبهات مواجهة محددة جغرافياً إلى اعتبار العالم كله جبهة مفتوحة ، و من جيوش و ثورات عقائدية إلى إرهاب عالمي .
إن مجمل هذه الحقائق أعلاه تبرئ الإعلام من التفرد بالمسؤولية ، و تدل على عدم ارتباط هذه الحالة بالظرف و بالتأثير الإعلامي فقط ، بل و باستعداد ذاتي أيضاً لتقبل هذا الطرح بشكل أعمق من مجرد محاولات لقولبة الفكرمن إعلام هاوٍ يناقضها الكثير من الحقائق و المواقف السياسية على أرض الواقع .
إن التطرف من وجهة نظر العلم هو حالة غير سوية ، لأنها إبتعاد عن الاعتدال مما يعني الإبتعاد عن حالة الاستقرار الصحية سيكولوجيا للمرء . أي بمعنى أن التطرف في فكرة ما، ما هو إلا عرض لخلل سيكولوجي تجلى بقناعة منطقية و بديهية للمريض، و كلما زادت حدة المرض زاد التطرف غلواً. و هذا الشيء لا ينطبق فقط على القناعات الايديولوجية بل يشمل تقريباً جميع المشاعر و مجمل القناعات و السلوك الإنساني .
تتحدد درجة الخطورة لأي مرض بمدى قدرته على التطور(بالمعنى الطبي) العامودي و الأفقي .أما التطور العامودي فيعني زيادة القدرة المرضية للمرض إما بزيادة تركيز زيفانه أو بانتاج سلالات مرضية جديدة ذات فاعلية أكبر من سابقاتها، و التطور الأفقي هو القدرة على التمدد و الوصول إلى الأعضاء الأخرى و تخريبها . و في حالة (جرس باب المنزل) سالفة الذكر ، يتجلى التطور العامودي لنا بالتهافت الجماعي المركز على اثبات طرح التآمر و ابتداع أدوات أخرى لمؤامرة الغرب مثل التلفزيون و التليفون و الكمبيوتر ، و يتجلى التطور الأفقي بالفعالية الشديدة لهذا الطرح على تعطيل قدرات عقلية أخرى مثل عملية الاستدلال المعرفي و التساؤل المنطقي ، فطوال ساعتين من الأخذ و الرد حول جرس باب المنزل لم يطرح أي من المشاركين و لو مرة واحدة سؤال منطقي جداً و بسيط مثل .. لماذا أوجد الكفار يا ترى عشرات النغمات المختلفة لصوت الجرس تناسب جميع الأذواق و لم يجبرونا على نغمة واحدة فقط ؟ أو سؤال مثل .. لماذا صوت جرس التليفون لا يشبه هو أيضاً صوت جرس الكنيسة ؟ أو.. من منكم يوجد في منزله هكذا جرس ؟ لأن صوت جرس منزلي مختلف تماماً عن صوت جرس الكنيسة.. !!
أما في ما يخص الإيمان بوجود تآمر عظيم علينا بشكله المجرد كقيمة أخلاقية و ليس باعتباره حالة مغالاة مرضية ، فأولى الخسائر التي نجدها بتفكيكه هي: حالة العداء الشديدة للآخر،الذي لن يتوانى ليبادلنا بالمثل فندخل جميعاً في حلقة مفرغة من العداء و العداء المضاد تحطيمها و التحرر منها يتوقف علينا نحن. و الأمر الثاني هو افتراض سوء النية سلفاً دون وجود أي دليل على ذلك الشيء الذي سيفقد ثقة الأخرين بنا، فلا نستطيع أن نزرع الشك لنحصد الثقة. و الأمر الثالث هو حشر أنفسنا في حالة حرب مفترضة تهدر طاقاتنا النفسية و تبدد جهودنا سدى بدل من التركيز على البناء الذي هو الوسيلة الوحيدة للانتصار في الحرب إن وجدت . و أخيراً حالة الحصر النفسي الخطيرة التي نقع فيها لإعتقادنا بوجود قوة كبيرة معادية تملك إمكانات مذهلة و دهاء كبير تحيك لنا في الخفاء ، لكنها مجهولة الوجه و هلامية الحدود فلا نستطيع لمسها أو مقاربتها و لن نستطيع الانتصار عليها لعدم امكانية تحديد العدو بدقة .
إن تعرية الذات و مواجهتها بشجاعة و صراحة لهو أروع تعبير عن قوة الشخصية و نضجها السيكولوجي ، أما عملية التبرير و رمي الأخطاء و أسباب الفشل يمنة و يسرة فما هو إلا دلالة على إعاقة في نمو الشخصية و احتجازها في مرحلة الطفولة لتفرز بالتالي ردود أفعال طفل مشاكس في المدرسة يلوم الجميع على تقصيره و سلبيته ، فالأستاذ يكرهه و الزملاء يتآمرون عليه و المدرسة كلها مذنبة باستثنائه هو، و النتيجة الارتماء في حضن أول من يجاريه في أوهامه و يقول له : إنك محق تماماً فهيا بنا لنقتص ليس من المدرسة فحسب بل من الحي بأكمله.. ؟!! يرتهن الحكم على أي ظاهرة بالايجاب أو السلب بإسقاطاتنا عليها و بمعالجتنا الداخلية لها . فالمسؤولية تقع علينا نحن لنحدد فيما لو كان الإختلاف مع الآخرين عامل إغناء و تنوع و محفز فعال للمشاركة و التطور ، أم صراع حياة و موت لا يمكن له أن يُحسم أو ينتهي .. و لنتذكر إن جميع المخلوقات في الطبيعة تتفاعل مع بعضها البعض ، و بحكمة الخالق شكلت هذه العلاقة الدينامو المحرك لعملية تطورها و ارتقاءها. و لا يستثنى من هذه القاعدة إلا الإنسان لأنه الكائن الوحيد الذي يمكن أن يكون هو عدو نفسه .
د. لؤي حداد
louayhaddad@hotmail.com [/b]