عندما تسقط الاقنعة...
نقاش هادئ للحركة الانشقاقية لنيافة الاسقف مار باوي
الجزء الخامس
كنيسة المشرق القديمة ومار باوي
القسم الثاني
[/b]لقراءة القسم السابق، انقر على هذا الرابط:
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,45175.0.htmlلماذا تفتح كنيسة المشرق القديمة ابوابها وتحتفي بنيافة مار باوي في رعياتها؟
قبل كل شيئ، شاء ابناء كنيسة المشرق القديمة والمتعاطفين معها (مثل كاتب المقال) ام ابوا، قبلوا ذلك ام رفضوه، عملوا لذلك ام لم يعملوا، فان الانطباع المترسخ لدى عموم ابناء الكنيستين المشرقيتين، الاشورية والقديمة، هو ان كنيسة المشرق القديمة وبارادة واعية منها هي في حالة تخندق ودعم ومناصرة لمار باوي وتمرده على مجمع الكنيسة المقدس وانشقاقه عنها..
ربما يكون هذا الانطباع خاطئا، وربما يكون انطباع لم تتقصد كنيسة المشرق القديمة خلقه.. ولكنه انطباع قائم اليوم وترسخ تراكميا مع استمرار كنيسة المشرق القديمة باحتفاءها وفتحها ابوابها لمار باوي وتقديمها الدعم والاسناد الكنسي والشعبي لتمرده وخروجه عن اجماع كنيسته ومجمعها المقدس والتزامه لحركة انشقاقية لم تعد مخفية المظاهر والاهداف.فكنيسة المشرق القديمة، والتي هي كنيسة رسولية شقيقة لها ما يجمعها وتشترك فيه مع كنيسة المشرق الاشورية من معتقد لاهوتي وموروث كنسي وهوية ثقافية وطقسية وقوانين تنظيمية اكثر مما يفرقهما، نجدها، وبخلاف كل التوقعات المنسجمة مع ما سبق، تبنت مار باوي ليس كاسقف قرر الانتماء اليها (فذلك كان سيكون مختلفا تماما) بل احتضنته كاسقف متمرد بكل ما يعنيه ذلك من ان كنيسة المشرق القديمة قررت عدم شرعية المجمع السنهاديقي لكنيستها الشقيقة الذي بموجبه تم ايقاف مار باوي. كما وقررت دعمه من خلال تقديمها له ما يتاح لها من عناصر الدعم والتسويق لحركته الانشقاقية بكل ما يعنيه ذلك من مشاركة مباشرة وواعية وارادية في حركة الانشقاق.
رغم ان الحياد مع التمرد عن الاجماع السنهاديقي واعلان الانشقاق في الكنيسة لا يمكن ان يكون كافيا او مقبولا في تعامل الكنائس الرسولية الشقيقة مع بعضها، الا انه، ومن المؤسف، ان موقف كنيسة المشرق القديمة لم يكن حتى حياديا بل كان داعما لمار باوي وتمرده وانشقاقه.وكذا الامر، الى حد ما، في موقف الكنيسة الكلدانية وهذا ما سنستعرضه في القسم القادم من المقال.
لا يمكن لمراقب ان ينظر الى فتح كنيسة المشرق القديمة ابوابها لمار باوي في محطات ترحاله للتبشير بتمرده وانشقاقه على انه امر اعتيادي ولا يحمل اية رسالة دعم وانه مماثل لاقامة نيافته القداس في اية قاعة كنسية امريكية او استرالية او في اية قاعة مدرسية او قاعة يستاجرها لهذا الغرض.
ان الموضوعية والصراحة مع الذات والمقابل تقول ان الامر يفوق ذلك كثيرا..
مظاهر الاحتفاء الرسمية والشعبية بنيافته وهو يدخل رعيات وكنائس كنيسة المشرق القديمة.
تطوع كهنة وشمامسة كنيسة المشرق القديمة للمشاركة ليس بمجرد الحضور للاستماع الى هذه الخدمات بل وللمشاركة فيها سواء في المشاركة الجوهرية في الطقوس الكنسية او في تقديم كلمات الثناء والتشجيع لمار باوي او في ترؤس جموع مستقبليه في المطار في يوم الجمعة العظيمة او مادب العشاء التكريمية وغيرها..
بل وعندما يصل الامر برعية رئيسية من رعيات كنيسة المشرق القديمة للتنازل عن واجبها في اقامة كهنتها للخدمة والقداس الالهي في صباح عيد القيامة المجيد (بكل ما يمثله هذا العيد من قيمة في معتقد وطقوس كنيسة المشرق) الى اسقف زائر موقوف من كنيسة اخرى فانه يجب ان تكون للبيب والحكيم وقفته وقوله. (الاعلان عن ذلك تم حتى قبل مغادرة مار باوي الى استراليا مما يعكس تنسيقا في جدول الزيارة وفقراتها).
وحيث ان الشيئ بالشيئ يذكر، فان مار باوي كان قد اقام خدمة وطقس عيد القيامة قبل اسبوع من ذلك بحسب التقويم الغربي وعاد ليحتفي به ثانية بحسب الطقس الشرقي بكل ما يعنيه هذا من استخفاف بالطقس وما يعكسه من معتقدات ايمانية. فجميع الكنائس وجميع الاكليروس يحتفي بالقيامة مرة واحدة سنويا وبحسب تقويمه (شرقيا كان ام غربيا) وليس من كنيسة او اكليروس يحتفي بالقيامة مرتين، الا مار باوي!! الا يعبر هذا عن شيئ؟
الامر يختلف لو يتطلب من كاهن ان يقيم خدمة العيد لرعية من كنيسة اخرى لا تمتلك كاهنا لها..
لقد كنت دوما صديقا واخا وفيا لكنيسة المشرق القديمة حاميت عنها ومن اجلها، ولكني اجد نفسي اليوم ابكما لا يمتلك ما يتفوه به لتبرير او تفهم موقف كنيسة المشرق القديمة من مار باوي.تتفاوت اسباب دعم كنيسة المشرق الاشورية لمار باوي الى اسباب معلنة واخرى مخفية.. في اجزاء سابقة من المقال تعرضت للاسباب المعلنة وكونها لا تبرر هذا الدعم. ولذلك ساعرضها هنا مختصرة وكما يلي:
1- ان كنيسة المشرق القديمة بفتحها ابوابها لنيافة مار باوي انما تتعامل بمثل ما تقوم به كنيسة المشرق الاشورية من فتح ابوابها لنيافة مار عمانوئيل ايليا، اسقف كنيسة المشرق القديمة في اميركا.الجواب، وباختصار، ان الحالتان لا تتماثلان لان الوضع الكنسي والقانوني لنيافة الاسقفين مار عمانوئيل ومار باوي ليس متماثلا.. فنيافة مار عمانوئيل ليس موقوفا عن الخدمة والسلطة الاسقفية، بعكس مار باوي.. ونيافة مار عمانوئيل لم يسع الى اقامة تمرد وانشقاق كنسي، بعكس مار باوي.. ونيافة مار عمانوئيل اقام خدمة القداس في كنيسة المشرق القديمة ايضا بعد الازمة القائمة بينه وبين مرجعيته البطريركية، بعكس مار باوي.. ونيافة مار عمانوئيل لم يضع يده على ممتلكات الابرشية التي كانت تحت ادارته، بعكس مار باوي..
واخيرا فان كنيسة المشرق القديمة كانت تعلم ولم ترفض يوما اقامة الاسقف مار عمانوئيل للخدمات الطقسية في رعيات كنيسة المشرق الاشورية.. ويكفي ان نضع هنا مقاربة نترك استنتاجاتها للقارئ اللبيب:
على مدى السنين السابقة ورغم قيام نيافة مار عمانوئيل بخدمة القداديس في رعيات كنيسة المشرق الاشورية في شيكاغو فان الخوري اويقم بثيو، راعي كنيسة المشرق القديمة في شيكاغو، بقي ضيفا عزيزا في كل المناسبات الاحتفالية لكنيسة المشرق الاشورية، مثل تهاني الاعياد والاحتفالية السنوية بذكرى الرسامة البطريركية لقداسة مار دنخا وغيرها الى جانب الاكليروس وشخصيات المجتمع الاشوري في شيكاغو، وفي العديد من الاحيان الى جانب نيافة مار عمانوئيل.. في حين ان الخوري اويقم بثيو قطع مشاركاته هذه مباشرة بعد المجمع السنهاديقي الاخير لكنيسة المشرق الاشورية وتحديدا بعد فتح الخوري اويقم لباب كنيسة مار عوديشو لمار باوي..
فهل من الصعب الاستنتاج؟
2- ان كنيسة المشرق الاشورية قد قامت بضم اساقفة ورعيات كنيسة المشرق القديمة في الهند اليها.. فلماذا "الزعل" من فتح ابواب كنيسة المشرق القديمة لمار باوي!!قبل كل شيئ، فحتى لو جازت المقارنة (وهي لا تجوز كما سنرى) فان هذا التبرير يعكس ذهنية انتقامية غير مسيحانية لا نتمنى ان تعيش او تسود بين اي من كنائسنا الرسولية المقدسة التي حملت بشارة المسيح ومحبته وسلامه والخلاص به الى اقاصي الشرق.
ولكن المقارنة لا تجوز اطلاقا.. فضم، او انضمام، مطارنة ورعيات كنيسة المشرق القديمة في الهند الى كنيسة المشرق الاشورية يعود الى مرحلة سابقة من مراحل العلاقات بين الكنيستين، وهي المرحلة التي سادت وتحكمت فيها ذهنية الغاء المقابل وعدم الاعتراف به. وهي مرحلة قامت كلتا الكنيستين، وليس فقط كنيسة المشرق الاشورية، بمحاولة "اصطياد" وضم اكليروس ورعيات من الكنيسة الاخرى. و"الصياد" الاكبر اصطاد اكثر!!
فضم، او انضمام، نيافة الاسقف مار دانيال، اسقف كنيسة المشرق الاشورية، الى كنيسة المشرق القديمة سبق ضم، او انضمام، مطارنة الهند االى كنيسة المشرق الاشورية. ولسنا بحاجة لاستعراض الحالات المتعددة لانتقال الكهنة من هذه الكنيسة الى الاخرى.
الا انه ومع المجمع السنهاديقي لكنيسة المشرق الاشورية عام 1999 ومقررراته المهمة بشان كنيسة المشرق القديمة فقد انتقل الجميع الى مرحلة متقدمة ومختلفة وهي مرحلة العمل الجدي لتوحيد الكنيستين الشقيقتين على مبدا المساواة والاحترام المتبادل. ولا يجوز مطلقا اخضاع خطوات هذه المرحلة الى وقائع واحداث تنتمي الى المراحل التي تم تجاوزها قولا وفعلا.
3- القول بان فتح الابواب هو امر اعتيادي فابواب الكنائس مفتوحة للجميع.القول والذريعة مردودة تماما.. فاولا، سبق لنا في بداية المقال تبيان ان التسهيلات لم تنحصر فقط بفتح ابواب بناية الكنيسة.. وثانيا، نعيد توجيه سؤالنا من القسم السابق من المقال: هل كانت كنيسة المشرق القديمة ستفتح ابوابها لاسقف كلداني موقوف، او لاسقف سرياني ارثوذكسي موقوف، او لاسقف ارمني موقوف؟ لعمري كلا والف كلا.. وثالثا، ان طبيعة العلاقات بين الكنيستين تفرض على كنيسة المشرق القديمة ان تراعي خطوات التعامل مع مار باوي لانها ستؤثر حتما على مسار العمل الوحدوي بين الكنيستين.. إلا اذا كانت كنيسة المشرق القديمة تسعى لتوظيف قضية مار باوي للابتعاد عن نقاش وجدولة وتحقيق الوحدة..
4- يضاف الى هذه الاسباب المعلنة في المنابر الاعلامية المختلفة سببين اخرين يعلنان هنا او هناك دون ان يصلا حد تبنيهما من جهات رسمية او اعلامية لكنيسة المشرق القديمة.
احد السببين يقول بان كنيسة المشرق القديمة لا تعترف او تقبل بقرار ايقاف مار باوي.. ولا حاجة بنا للتعليق على هذا القول كونه لا يفتقر الى الصواب فحسب (من حيث ان مار باوي ليس اسقفا لكنيسة المشرق القديمة لتقرر هي قبول او رفض ايقافه)، بل ولان اعتماد هذا التبرير سيشكل سابقة كارثية خطيرة على تعاملات الكنائس الرسولية الشقيقة وسيحيل تعاملاتها من الاحترام والاعتراف والقبول المتبادل الى حالة الفوضى والانكار والالغاء بينها.
السبب الاخر يقول ان كنيسة المشرق القديمة تفتح ابوابها لمار باوي لضمان عدم خسارته ولجوءه الى كنائس اخرى!!!
السبب كان سيكون مقبولا لو ان مار باوي قرر الانضمام الى كنيسة المشرق القديمة، ولكن واقع الحال، الى اليوم، هو ان مار باوي يوظف كنيسة المشرق القديمة سلاحا وساحة لحركة عصيان وانشقاق في الكنيسة، وان كنيسة المشرق، بعلمها او لا، بارادتها او لا، تساهم في اطالة عمر العصيان وتوسعه وهي خسارة تفوق بكثير لجوء مار باوي الى كنائس اخرى لا يقولون لنا مسوقي هذا التبرير من هي؟ وما هي مؤشرات التحاق مار باوي بها؟ وما هي خسارتنا ككنيسة وشعب من هذا الالتجاء فيما لو حصل؟
اما اذا كان المقصود بالكنائس الاخرى هو الكنيسة الكلدانية. فان اي حكيم متابع للامور يدرك جيدا ان مار باوي لن ينشد الالتحاق بكنيسة المشرق القديمة الا بعد ان يفشل في الالتحاق بالكنيسة الكلدانية التي تبقى الخيار المفضل، ولكن ليس الاسهل، لنيافة مار باوي.. وهذا سنناقشه في القسم القادم عندما نستعرض موضوع الكنيسة الكلدانية وحركة مار باوي الانشقاقية.
اما الاسباب غير المعلنة وراء فتح كنيسة المشرق القديمة ابوابها لمار باوي ودعمها له، فنعتقد انها تنحصر بالدرجة الاساسية في ما يلي:
1- الاسباب والدوافع السياسة.. ان "اللون" السياسي ليس امرا يصعب ملاحظته في المشهد الكامل للاحداث والشخوص.. فدرجة وضوح اللون تفوق ما يراه عموم ابناء شعبنا من خلال مواقف كهنة واعضاء لجان معظم رعيات كنيسة المشرق القديمة، كما انها تفوق تاثيرات "
الازدواجية" او "
ثنائية" المسؤوليات الاعلامية للمتحدث الاعلامي باسم كنيسة المشرق القديمة ورئيس تحرير مجلتها الرسمية (الافق). فالوضوح في اللون والموقف السياسي يصل الى ابعد من ذلك بكثير عندما يصل حدود مشاركة الشخص الاول في كنيسة المشرق القديمة في اميركا، الخوري اويقم بثيو، في المظاهرات الحزبية البنفسجية في واشنطن حيث ترفع راية كنيسة المشرق القديمة في هذه المظاهرة التي تمثل مشاركة الكنيسة فيها جزءا من حالة التناقضات في المواقف التي تعيشها العديد من مؤسساتنا وبينها كنيسة المشرق القديمة.. ففي الوقت الذي ترحب المرجعية البطريركية لكنيسة المشرق القديمة في الوطن بتشكيل الحكومة وتباركها تقوم ذات الكنيسة في اميركا من خلال شخصها الاول ومن خلال راية الكنيسة بالاحتجاج على تشكيلة الحكومة.. وفي الوقت الذي ترحب وتثمن فيه كنيسة المشرق القديمة في الوطن الدعم المادي غير المحدود لتنفيذ برامج اعادة اعمار الكنائس والقرى وغيرها من البرامج في رعياتها من حكومة اقليم كردستان العراق فان شخصها الاول في اميركا يشارك في مظاهرة ترفع شعارات الاساءة الى السيد رئيس اقليم كردستان العراق متهمة اياه بالدكتاتورية.. (لاحظ الصور ادناه)
شخصيا اني على يقين بان موقف الخوري اويقم بثيو ليس تعبيرا عن موقف الكنيسة ومرجعيتها البطريركية بقدر ما هو موقف حزبي سياسي منه تدركه رعية الكنيسة والمجتمع الاشوري في شيكاغو مثلما تدركه كنيسة المشرق القديمة ككل.. على اية حال فاننا نتمنى على المرجعية الكنسية لكنيسة المشرق القديمة التناغم والتوافق في امور مهمة وحساسة كهذه.
لا احد من متابعي الامور يشك في ان تطابق المواقف السياسية والولاءات الحزبية لنيافة مار باوي مع الفاعلين في كنيسة المشرق القديمة وكهنتها وهيئاتها الادارية كانت وما زالت سببا رئيسيا في التزام كنيسة المشرق القديمة لمار باوي. والجميع على قناعة بان المجمع السنهاديقي لكنيسة المشرق الاشورية لو كان قد اوقف، لا سمح الله، اسقفا اخر ليس له المواقف السياسية والحزبية لمار باوي، لما كانت كنيسة المشرق القديمة بادرت لفتح ابوابها وتقديم دعمها له. (في قسم لاحق من سلسلة المقالات هذه سنستعرض الشان السياسي والحزبي في انشقاق مار باوي).
2- تاجيل استحقاقات الحوار الوحدوي او التهرب منه..
تبني ودعم كنيسة القديمة لمارباوي يعني حتما انها تؤجل او تقضي على اية فرصة للحوار التوحيدي مع كنيسة المشرق الاشورية. فهذا امر لا يحتاج الى اجتهاد.جميع المتابعين يدركون ان كنيسة المشرق الاشورية وكنتيجة مترتبة على قرار مجمعها السنهاديقي في عام 1999 وجهت رسالة رسمية وتحريرية الى كنيسة المشرق القديمة تدعوها فيه الى عقد مجمع سنهاديقي مشترك بين الكنيستين يتم فيه مناقشة واقرار خطوات توحيد الكنيستين الشقيقتين على قدم المساواة بعد ان ازال مجمع 1999 العقبة الوكداء في طريق الوحدة عندما اقر الاعتراف الكامل لكنيسة المشرق الاشورية بالسلطة البطريركية لكنيسة المشرق القديمة بكل ما يعنيه ذلك من نتائج.
وجميع المتابعين يدركون ان ازمة واختلافات في الراي (وهو امر طبيعي في جميع الكنائس) داخل كنيسة المشرق القديمة حدا بها الى تاجيل العمل على تحقيق هذا المجمع السنهاديقي المشترك.
وجميع المتابعين يدركون ايضا ان كنيسة المشرق الاشورية في مجمعها السنهاديقي الاخير (2003) جددت دعوتها الى كنيسة المشرق القديمة لعقد المجمع السنهاديقي التوحيدي المشترك.
وكثير من المتابعين وبينهم كاتب السطور يدركون ان المرجعية البطريركية لكنيسة المشرق القديمة قد اجابت بتاجيل مناقشة رسالة كنيسة المشرق الاشورية الى اجل غير مسمى ربطته بتحسن الاوضاع الامنية في بغداد ليتسنى عقد مجمع سنهاديقي لكنيسة المشرق القديمة لمناقشة الرسالة..
ربط عقد مجمع سنهاديقي لكنيسة المشرق القديمة بتحسن الاوضاع الامنية يجده الكثيرون ذريعة اكثر من كونه ربطا صائبا من حيث ان الوضع الامني في بغداد نهايته مفتوحة الى امد طويل لا يجوز ان تربط الامور به خاصة بوجود البدائل لعقد المجمع السنهاديقي في كركوك او اربيل او دهوك او سهل نينوى (وتحديدا قصبة شرفيا) وخاصة لان عدد اعضاء الممع السنهاديقي هو قليل نسبيا وان قداسة البطريرك مار ادي الثاني هو الوحيد المقيم منهم في بغداد.
الكثيرون يرون في هذا الربط رفضا غير معلن لعقد المجمع السنهاديقي المشترك.
اخرون يقولون ان دوافع الرفض المغطى بذريعة الوضع الامني هي ان كنيسة المشرق القديمة لا ترى جدية او ثقة او مصداقية في نوايا كنيسة المشرق الاشورية بدعوتها الوحدوية.
لا احد يدعو ايا من الكنيستين الى الوثوق المطلق بالامور والعروض من الكنيسة المقابلة (وان كنت مسيحانيا اتمنى ذلك ولكن وقائع الامور تفتح ابواب الريبة البشرية المفهومة)، ولكن المنطق يقول ان الحوار والمجمع المشترك وتقديم الرؤى لتوحيد الكنيستين وبما يمنح لكل منها الضمانات تجاه الشكوك بالكنيسة الاخرى هو وحده الكفيل بوضع النقاط على الحروف ويختبر الارادات.من "المشروع" او "المفهوم" ان هناك ازمة ثقة.. ولكن ذلك لا يعني الغاء الحوار بل على العكس يكون الحوار ضروريا اكثر.. فلتضع كنيسة المشرق القديمة رؤيتها وتصورها وضوابطها لتوحيد الكنيسة وتضعها على طاولة المجمع المشترك لمناقشتها اذا كانت فعلا تمتلك ارادة العمل لتوحيد الكنيسة.. وهي ارادة يتشكك الكثيرين في توافرها حاليا بسبب الوضع الداخلي لكنيسة المشرق القديمة ذاتها وبسبب التاثيرات السياسية الموجودة فيها من اطراف سياسية لا تريد وحدة الكنيسة لان ذلك سيمنح الكنيسة ومرجعياتها دورا ومصداقية وتاثيرا اكبر في عموم اوضاع الامة سيكون حتما على حساب ما يمتلكه هذا الطرف السياسي او ذاك.3- التهيئة لضم مار باوي الى كنيسة المشرق القديمة..كنيسة المشرق القديمة تدرك جيدا انه ليس بمقدور مار باوي الاستمرار في وضعه الحالي كاسقف وكنيسة دون مرجعية سنهاديقية او بطريركية.
وكنيسة المشرق القديمة تدرك جيدا ان الرتبة الاسقفية لمار باوي لا تسمح له برسامة اساقفة ومطارنة يرسموه بطريركا كلدواشوريا لكنيسة كلدواشورية جديدة كما اراد وكما بشر بها انصاره عدة اشهر من قبل ايقافه، وتحديدا في انتخابات المجلس القومي الاشوري في شيكاغو.
وكنيسة المشرق القديمة تدرك جيدا ان خيارات مار باوي في هذا السياق هي خيارات محدودة جدا لا تتجاوز الانضمام الى الكنيسة الكلدانية او المشرقية القديمة بعد ان قطع كل احتمالات العودة والمصالحة مع كنيسته التي يبدو انها حزمت امرها في التعامل بحزم معه مع قيامه بعمليات التصعيد ضدها ومع قيادته لمجموعة من الغوغائيين الذين لا يترددون في توجيه اسوا البذاءات والقذارات الى الكنيسة ومرجعياتها.
وفي مفترق طرق مار باوي بين الكنيسة الكلدانية والقديمة فان لكلا منها حظوظها في مقابل الاخرى..
ويبدو الامر طبيعيا ومفهوما ان تلجا الكنيسة المشرقية القديمة الى تقوية حظوظها.
وفتح الابواب وتقديم الدعم الكنسي والشعبي والمعنوي لمار باوي هو ما تمتلكه كنيسة المشرق القديمة في هذا السياق الذي فيه من الامور المريبة اكثر مما يطمئن، بدءا بالتساؤل عن لماذا هذا التوجه من مار باوي الى كنيسة المشرق القديمة، من بعد ايقافه وتمرده؟ وما هو مستقبل هذا التوجه؟الجميع، وفي مقدمتهم اباء كنيسة المشرق القديمة، يدركون جيدا ان مار باوي كان من اكثر المعارضين للتقارب والتوحد مع كنيسة المشرق القديمة لانها كنيسة محافظة اكثر ولان اباءها سيشكلون عامل اعاقة لطموحاته ومعتقداته وعلاقاته الكاثوليكية.
اننا نعتقد انه اضافة الى اللون الحزبي والموقف السياسي الفئوي المشترك بين مار باوي والكثير من اكليروس وفاعلي كنيسة المشرق القديمة، فان اسبابا اخرى دفعته للالتجاء الى كنيسة المشرق القديمة بينها:
- كسب المناصرين وتعزيز كتلته وبالتالي موقعه التفاوضي مع اي من خياراته، الكنيسة الكلدانية او المشرقية القديمة او العودة نادما الى كنيسة المشرق الاشورية.
- التشويش والتاثير على كنيسة المشرق الاشورية وتصوير نفسه بانه قادر فعلا على اثارة المشاكل لها والضغط عليها في مستويات عدة الجماهيرية منها او الاعلامية او التشويش والتاثير على علاقاتها مع الكنائس الشقيقة.
لا بد من الاقرار انه ورغم محدودية ما استطاع مار باوي ومريديه والجهة السياسية التي شاركته التخطيط والتنفيذ من الحاقه من اذى وضرر بكنيسة المشرق الاشورية على المستويين الشعبي والاعلامي فانه نجح والى حد بعيد في التاثير على علاقات الكنيسة مع الكنيستين الكلدانية والقديمة كنتيجة طبيعية لاحتضان هاتين الكنيستين له.
- خلط الاوراق في المشهد الكنسي والقومي والسياسي والذي ربما سيتيح له فرصا يقتنصها هنا او هناك، لهذا الهدف او ذاك.ان الرؤية والموقف العقائدي لمار باوي ورصيد علاقاته تقولان ان لمار باوي توددا ورغبة تجاه الكنيسة الكلدانية اكثر مما له تجاه الكنيسة المشرقية القديمة التي ستبقى الخيار الاخير والاحتياطي له فيما لو فشل في الالتحاق بالكنيسة الكلدانية الكاثوليكية.
فكنيسة المشرق القديمة ومار باوي متناقضان لا يمكن التقاءهما الا على اساس مواقف مصلحية وتكتيكية اكثر من ان تكون مواقف عقائدية ايمانية مبدئية.لم يفقد احد ذاكرته، وبينهم كنيسة االمشرق القديمة ونيافة مار باوي، لينسى المواقف العقائدية والرسمية المعلنة لكنيسة المشرق القديمة من خطوات التقارب التي كانت تقوم بها كنيسة المشرق الاشورية مع الكنيسة الرومانية الكاثوليكية وتابعتها الكنيسة الكلدانية.. فهل لاحد ان يتوقع ان تتبنى الكنيسة المشرقية القديمة طروحاته التي هي اليوم اكثر وضوحا في غاياتها النهائية مما كانت حينه.
وهل يمكن لكنيسة المشرق القديمة ان تتسامح مع العقيدة التي يعلن مار باوي ايمانه بها، لقراءتها انقر على هذا الرابط:
http://www.capiraq.org/111/MarBawaiLetter.pdfوينسبها جورا وظلما الى اباء الكنيسة، بانه يؤمن بمرجعية السلطة البابوية على الكنائس الرسولية في فهم تبسيطي واحادي الاتجاه لوصية المحبة والوحدة التي اوصانا بها الرب يسوع المسيح..
ما لا افهمه شخصيا ولا تفهمه معي كنائس العالم ومسيحييها وملافنتها وبطاركتها واباءها على مر التاريخ هو لماذا هذا التحديد بان وصية السيد المسيح الربانية لنا بان نكون واحدا هي وصية بان نكون جميعا تابعين للكنيسة الرومانية الكاثوليكية؟ اليس من تفسيرات وصية الرب هذه هي ان نكون واحدا فيه وليس في الكرسي الروماني؟
ولماذا هذا التفسير الاحادي الوجهة بان مدلول منح اباء كنيسة المشرق وملافنتها لمكانة متميزة لاسقف روما يعني الخضوع لسلطته الكنسية والادارية؟ فاذا كان ذلك قصدهم فلماذا لم يتوحدوا ويلتحقوا بالكنيسة الكاثوليكية دون الانتظار لما يزيد عن الالف عام لياتي اسقف سياسي ويكتشف ذلك ويدعو اليه ويلتزمه ويسعى لفرضه غصبا عن ارادة االكنيسة واجماع مجمعها السنهاديقي؟ان منح اباء الكنيسة المشرقية خصوصية لاسقف روما يعني مكانة تقديرية ومعنوية في اي ملتقى او اجتماع يضمه مع اخوته. وهذا سياق لم ولا تتنكر له كنيسة المشرق الاشورية التي لم ولن تفرط او تسيئ بالمكانة المعنوية والاعتبارية لرأس الكنيسة الكاثوليكية.
ان قيام كنيسة المشرق واباءها عبر التاريخ بمنح الخصوصية المعنوية والتقديرية لاسقف روما من جهة ورفض الاتحاد الكامل مع الكنيسة الرومانية في ذات الوقت من جهة اخرى يعكس فهم الكنيسة الواعي ومن وحي الروح القدس لوحدتها في تعدديتها.. وحدتها في المسيح وتعدديتها في سلطاتها الكنسية.. وهو امر كنا نتمنى ان يدركه ويبلغه سيدنا الجليل مار باوي الذي يقول بانه ملتزم ايمان اباء كنيسته وتراثها.
ولماذا هذا التطبيق الاحادي لوحدة الكنيسة في ان تطبيقه وصيغته الوحيدة هي ان تقوم كنيسة المشرق الاشورية، لوحدها دون كنائس العالم جميعها، بالتخلي عن استقلاليتها والالتحاق بكنيسة مسيحية شقيقة لا تدعو مرجعياتها ولا تطالب مجامعها من كنيستنا ما يدعو ويطالب به اسقفنا الذي بات ملكيا اكثر من الملك؟
يقول الاسقف مار باوي في خلاصة رسالته المعبرة عن معتقده الايماني بشان الوحدة الكنسية انه يريد تحقيق الوحدة الكاملة بين كنيسة المشرق الاشورية والقديمة والكلدانية ومن ثم الانتقال للحوار مع الكنيسة الكاثوليكية لتحقيق الوحدة معها.
كلام جميل ومنمق وينطلي حتما على اتباع مار باوي ومريديه.
ولكننا نعتقد يقينا ان نيافته لا يتوقع ان ينطلي هذا السيناريو على المجمع السنهاديقي لكنيسة المشرق الاشورية والقديمة فالجميع يعلم ان الكنيسة الكلدانية هي، ومنذ 500 عام تقريبا، متحدة وبشراكة عقائدية وقانونية كاملة مع الكنيسة الكاثوليكية وتابعة لها اداريا وهي جزء منها. فكيف يمكن له ان يتصور ان الكنيسة المشرقية الاشورية والقديمة يمكن ان تتحد مع هذا الجزء من الكنيسة الكاثوليكية لتقوم الكنيسة الموحدة لاحقا (وبينها الجزء الكلداني) بالحوار من اجل الشراكة الكاملة مع الكنيسة الكاثوليكية.. هل يدرك اسقفنا الجليل فوضوية هذا السيناريو وتناقضاته؟
اما اذا كان المقصود ان الكنيسة الكلدانية تفك شراكتها مرحليا مع الكنيسة الكاثوليكية وتتحاور وحدويا مع الكنائس المشرقية لتعيد وحدة كنيسة المشرق كما كانت قبل 500 عام ومن بعدها، في مرحلة قادمة، تتحاور من اجل الشراكة الكاملة مع الكنيسة الكاثوليكية، فاننا لم نجد الى اليوم وليس هناك في واقع الامور ما يؤشر على هكذا سيناريو.. واذا كان اسقفنا يدرك من الامور ما لا ندركه فلينعم علينا بفضل اعلامنا ونكون له من الشاكرين.ان كنيسة المشرق القديمة ومار باوي متناقضان في هذه المسالة الجوهرية والحيوية ولا يمكن ان يلتقيا الا اذا التقت لهما مصالح اخر في صفقة تحقق لكل طرف بعض ما يريده وبحسب ميزان القوى اثناء التفاوض على الصفقة.
فاسقف ومعه ممتلكات بقيمة عدة ملايين من الدولارات سيكون وضعه التفاوضي افضل بكثير من اسقف ليس له كنيسة او عقار تحت تصرفه.
السيناريو المرجح لصفقة التجاء مار باوي الى كنيسة المشرق القديمة سيقوم على اساس طلب ترقيته الى الدرجة المطرافوليطية ومنحه الصلاحيات المطرافوليطية المطلقة في اميركا حيث راس المال والاعلام والجمهورمقابل ارتباط وعلاقة خيطية مع المرجعية البطريركية تقوم على المناداة باسم البطريرك في الكاروزوثا واستقباله استقبالا لائقا في زيارات راعوية كل عدة سنين.
وفي مقابل ذلك سيوفر المطرافوليط مار باوي المؤسسة الكنسية والشعبية لكنيسة المشرق القديمة في اميركا في مواجهة كنيسة المشرق الاشورية التي تشهد، حاليا، ضعفا في الاداء المؤسساتي في اميركا.
ناهيك عن ما يمكن ان يوفره دعم المؤسسات ذات اللون السياسي المعروف لمؤسسة كنيسة المشرق القديمة بمرجعية مار باوي في اميركا.
وهذه جميعا ستؤمن لكنيسة المشرق القديمة وضعا تفاوضيا افضل مع كنيسة المشرق الاشورية في اي حوار وحدوي ربما نراه يوما ما، مثلما توفر في الاساس سببا في الابتعاد وتاجيل هذا الحوار من حيث المبدأ.
المريب وغير المطمئن في هذا السيناريو هو ما الذي سيقدم عليه المطرافوليط مار باوي لاحقا؟ فمن تمرد مرة يتمرد اخرى.. وماذا ستكون وجهة تمرده اللاحق؟ العودة من البوابة الخلفية الى الكنيسةالأم؟ اطلاق كنيسة جديدة؟ من يدري..
نتمنى من كل قلوبنا وعقولنا من كنيسة المشرق القديمة ان تتريث في التعامل مع هذا السيناريو الذي يبدو ان مار باوي سيطلقه في حال فشله في الالتحاق مع الكنيسة الكلدانية.
فمخاطر هذا السيناريو والالغام التي فيه ستصيب بشظاياها الجميع وتحديدا كنيسة المشرق القديمة التي لها من المعزة والمحبة والاكرام لدينا وفي قلوبنا ما جعلنا ان نقول مخاوفنا وقلقنا بصراحة قد لا تعجب البعض من صيادي المياه العكرة.
ان المطلوب اليوم اكثر من اي يوم مضى وقفة وموقف تاريخي ومسؤول من الكنيستين: المشرق الاشورية والمشرق القديمة.. وبدايته هي ايقاف اي دعم مباشر او غير مباشر لمار باوي من قبل كنيسة المشرق القديمة.. وعوض ذلك تحقيق مجمع سنهاديقي مشترك بين الكنيستين وطرح التصورات وكذلك المخاوف فيه على الطاولة وبكل صراحة وشفافية ووضعها للنقاش الاخوي بروح المسيح، روح المحبة، من اجل هدف المسيح ورسالته، السلام والوحدة..
ان ثقتنا كبيرة باباء الكنيستين بان يحملوا لنا هذه البشرى فهم يدركون اكثر منا معناها وثمارها على كنيستنا وشعبنا ومستقبلنا في الوطن والمهجر.
ومن اجل ذلك نصلي..الرب يبارك
القس عمانوئيل يوخنا
7 تموز 2006
القسم القادم:
الكنيسة الكلدانية ومار باوي[/size][/font]