المسيحية بين الديمقراطية وحقوق الانسان
إن للمسيحية سمات خاصة تسمُّ اعتناقها لمبدأ الديمقراطية وحقوق الانسان وهذا ما يُضفي عليها طابعاً إنجيلياً فريداً يجعل منها شريعة متكاملة تجمع في احكامها بين متطلبات الإقرار بكرامة الإنسان ومقتضيات الإشادة بمجد الله. ومبلغُ اليقين الإنجيلي الأقصى ان هذه الكرامة وهذا المجد إن هما إلا وجهان متعانقان لوحدة الحب والوجود.
فالمسيحية تعتقد ان نظام الديموقراطية وحقوق الانسان صالحان للشريعة المسيحية على قدر ما يتيحان للإنسان اعتناق قيم الإنجيل التي لا تخالف منطق صون الذات الإنسانية والذود عن كرامتها المنظورة والعمل على تعزيز مكانتها الاجتماعية العابرة. فلا شك ان الفكر المسيحي يدرك مدى الحرية التي يتسع لاستيعابها مثلُ هذا النظام، ولاسيما حرية الاعتناق الديني المطلقة. ولكن الكنيسة لا يجوز لها ان تتبلّغ بهذا القدر من الأمانة لمُثُل الإنجيل. وينبغي لها من ثمّ ان تستحث المؤمنين على إكمال شريعتهم المسيحية بما يتجاوز أحكام هذا النظام الديموقراطي المأسور بحدود حياديته العالمية. فمصلحة العدو، ومحبته، وقبول الصفعتين، وعمل الخير مع المبغضين وعدم الحكم وإدانة الاخرين، والمسامحة سبعين مرة سبع مرات، والكفر بالنفس وإخلاء الذات لأجل الملكوت، ومنطق التطويبات القائم على مسؤولية الإنسان، لا على المطالبة بحقوقه، ذلك كله يتخطى عبارات النظام القانونية التي ترمي الى اعتناق هذه المُثُل، بل بالاحرى الى صون كيان الإنسان والدفاع عن كرامته. وفي هذا السياق تعي الكنيسة ان مثل هذا النظام غير مخوَّل بالبت في هذه القضايا، وتُسرّ أيما سرور أن يتيح لها في الوقت عينه ان تشاطره رؤيته الأساسية للإنسان وان تتجاوز هي في روحيتها مستوى هذه الرؤية بما لا يُسيء الى الانسان في مختلف ابعاده.
والمسيحية تعتقد ايضاً في شريعتها أن نظام الديموقراطية وحقوق الإنسان يعجز وحده عن الإيمان بالإنسان الاخر كائناً قابلاً ابداً للارتداد والتوبة واعتناق مبادئ الصلاح، على غرار ايمان المسيح بالإنسان.
وتعتقد المسيحية ان النظام الديموقراطي تعوزه مسحةٌ من روح الإنجيل حتى يرضى بان لا يُلجيء الإنسان بالقوة الى انتباذ الضلال واعتناق السعادة. فاذا كان الله يحترم حرية الانسان حتى عندما يخطئ، فحريٌّ بالشريعة المسيحية ألا تنهج نهج الأنظمة التي تفرض على الآخرين ما تظنه إسعاداً لهم. وهي لذلك لا يجوز لها ادعاء امتلاك المستقبل بالنسبة لأتباعها وللآخرين، او محاولة السيطرة عليه؛ بل جل اعتنائها ان تلزم قضية الانسان التزام الرصانة، في غير إكراه او تعسف او تشبث اعمى بأحكامها، مدركة أن اختتام مسيرة العالم وتتويج نضاله أمرٌ يتجاوز كلَّ نظام بشري، تعوزه طاقةٌ من العلاء خليقةٌ وحدها بإعتاق قوى المحبة والرحمة والإبداع الخلُقي من مكامن الإنسان الدفينة. وبناءً على هذا، تمتنع المسيحية عن اللجوء الى العنف، نظير المسيح ملهمها، إلا في الحالات القصوى التي تُمتهن فيها امتهاناً جماعياً كرامة الشخص البشري.
[/b]