نشيد الشتاء
سدير ساكو تجمدت السواقي وسكنت الجداول عن خريرها واختفى اديم الارض
تحت لجّة الثلج البيضاء.
وانطمرتْ البذور وكل نواةٍ تحمل في صدرها انفاس الحياة تحت هذا الركام
الابيض كما تنطمر احلام المساكين تحت جشاعة الاسياد والمُتسلطين.
هكذا فعلت النجوم ايضاً خلف افواج السحب ، وباتت الطبيعة في سباتٍ عميق
بعد ان فرَّت الدواب إلى اوكارها والطيور إلى مخابئها ، ولجأ ابناء البشر
إلى بيوتهم ملتصقين بمواقدهم التي اصبحت لهم خير رفيق وونيس ،
ولم يبقَ في الطرق والغابات إلا عويل الرياح وقراسة البرد
وصراع العناصر الغاضبة.
اما انا ففي مغارةٍ مطلةٍ على قريتي الصغيرة مكثتُ ملتفحاً بمعطفي السميك
قرب كومة حطب مشتعلة متاملاً الطبيعة بعيون الشتاء.
وحين لمحتُ شبحاً وكانهُ شجرة متحركة لبستْ ثوب الثلج يقترب
من المغارة, استغربتُ وتلاطمتْ افكاري في اعماقي.
اقترب الكهل المنتصب القامة رويداً ، كان طويل الشعر والشارب واللحية
يرتدي ثوباً حتى قدميهِ ، وكانِ كل شيء فيهِ ابيضاً حتى عصاهُ التي
كادت تصل قامتهُ, إلا بشرتهُ الغامقة وعيناهُ الكبيرتان
التي التمعت فيهما حكمة الدهر واقاصيص الايام.
فقلتُ لهُ :
اقترب ياسيدي وتدفأ فالبردُ قارس جداً ينغز العظام.
فوَلجَ المغارة واخذ مجلسهُ قرب النار وصوَّبَ انظارهُ بعيداً إلى
حيث تلتقي قمم الجبال المثلَّجة بالسماء المُدلهمَّة بالسحب .
وقال بصوت جهورٍ :
- ها قد حلَّ الشتاء ، وها هو ابن آدم يستنجد بالحطب والنار.
فسالتهُ قائلاً:
ماذا تقول يا سيدي الا ترى إن الشتاء مُهلك الغابات وقاتل الازهار؟
فاجاب: لو سمع الانسان ما تقولهُ الازهار للشتاء لعلم انهُ ذاتهُ
يقولهُ للموت مبتهجا ً يوم يرى نورَ فردوس العلاء.
فقلت لهُ: ان ايام الشتاء قاسية خالية من الحياة.
فاردف قائلاً:
لو اسكن الانسان ضجيج افكارهُ لدقائق قلال لسمع خفقان نبض الحياة تحت
طبقات الثلوج كخفقان القلب في الجسد حتى في ساعات الرقاد.
فسألته متحيراً:
وماذا عن ليالي الشتاء، أليست باردة مظلمةَ مكتئبة؟
فاجاب الشيخ قائلاً:
لو تأمَلَ الانسان هُنيهة لتذكر ان في عتمة هذهِ الليالي
الباردة ولد النور الذي اضاءَ ظلمة النفوس والهب بنار محبتهِ آمال البشرالمتجمدة.
فقلت له مستغرباً:
وكيف هذا والشتاء ليس الا قبر الفصول كما يقال ؟
فقال الشيخ متأنياً:
لو سَبَرَ الانسان اغوار الفصول لادرك بان الشتاء
رحم تتمخض فيهِ أحشاء المواسم. كما تتكون في دجى الليل دقائق فجرٍ باسم.
ولكني اعترضت قائلاً : الشتاء هلاك, فهو رمز الألم و الشقاء.
فقال مبتسماً:
وهل تلد الأم طفلاً بدون مخاض ، كذا لن تلد الطبيعة الربيع
الا بعد آلام الشتاء. وان كان الشتاء للطبيعة موتٌ كما يقول
الانسان, فذلك ليس الا من اجل سرِّ البقاء.
وليس الشتاء كما يظن به الانسان, بيد انه يقف ساكتاً امام من يتهمه باطلاً
كما وقف العظيم صامتاً امام الضعفاء، فليس في الرد كنهُ
الخلاص بل في اسطر كتاب الحياة.
حقاً أقول لك, ان الشتاء عيد فيه تهدي السماء عطاياها للارض.
بل لقاءٌ هو بين الجبل والبحرَ في سحابة الضباب .
وفي البرق والرعد لَهُوَ آية الفضاء.
انه دعوة حب تجمع الاحبة حول نار الموقد الهادئة.
انه في الخارج صخب وريحُ , مطر وعواصف وقرُّ وثَوَران واصوات
هائجة، وفي الداخل هدوء وتأمل، موقد وحساءٌ وفراش دافئة واحلام عميقة.
انه للشاعر خيال وحزن، وللعازف قيثارة مرنمة، وللارض عطية، وللرسام
لوحة ُ فن عميق والوان غامقة، وللبذرة رحم، ولحامل القلم فكرٌ وفلسفة.
وصمتَ الشيخ وسادَ السكون كذلك الذي يحدث حين تبتعدُ عن هدير الامواج.
وانتصب واجال نظرهُ في تلك السهول البيضاء واحدى يداه متكئة على
عصاهُ ثم نظر اليَّ وقد شعَّ وجهه ضياءاً وابتسم بفتور واردف بهدوء:
بل انا للربيع والدٌ وللصيف حبيبٌ وللخريف خلٌّ اليفٌ.
وانطلق الشيخ مبتعداً حتى اختفى بين ثنايا الخلاء البيضاء,
ولم يبق سوى صوت فرقعة الاخشاب التي تلتهمها النار المضرمة,
ووريقات الثلج الهائمة بفرح ٍ هيام الفراشات في البساتين بسرور و مرح ٍ.