تذكار الشهيد مار يوسف القسيس الأربيلي

المحرر موضوع: تذكار الشهيد مار يوسف القسيس الأربيلي  (زيارة 791 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل nori mando

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 173
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
تذكار الشهيد مار يوسف القسيس الأربيلي

الشماس نوري إيشوع مندو
   مار يوسف القسيس الشهيد الأربيلي: كان كاهناً لقرية بيث كاتوبا وقد قارب السبعين من عمره عندما ألقي القبض عليه وسيق مكبلاً بالسلاسل إلى أربيل، وحدث ذلك في ختام الاضطهاد الأربعيني. ثم أحضر أمام حاكم المدينة آذركوكشيد فقال له بغضب: " لِمَ تخدع أيها الشرير الناس البسطاء بسحرك ؟ ".
   فأجابه يوسف قائلاً: " لست ساحراً بل بالحق أنذر الناس لكيما يرجعوا من عبادة الأوثان فيحيوا ".
   فسأله الحاكم: " يا ترى أي المذهبين حق، مذهب ملك الملوك والأكابر والأغنياء أم مذهبكم أنتم الأدنياء الفقراء الأشقياء ؟ ".
   فأجابه يوسف: " إن إلهنا السامي الجليل لا يسره ولا يعجبه رفعة هذا العالم ولا كبرياؤه ولا غناه، ولإجل هذا أحببنا الفقر والتواضع حتى نستأهل كرامة العالم العتيد الغير الزائلة ".
   فرد الحاكم: " إنما من أجل مبالغتكم في الكسل والبطالة تتعجرفون وتتباهون بالفقر ".   
   فأجابه يوسف: " الكسلان من لا يجتهد بالعمل، وأما نحن فلا نهمله أبداً ولسنا خالين عنه أصلاً، ولو أردنا أن نجمع المال لصرنا أغنى منك بكثير، فإننا إنما بإجتهادنا في العمل نكتسب المال. وأما أنتم فنهباً تنهبونه. نحن نهبه للمساكين والمحتاجين، وأما أنتم فتغتصبونه ظلماً من الفقراء والبائسين ".
   فرد الحاكم: " إن المال شهي وكل إنسان يحبه، فمن يصدقك يا ترى في قولك إنكم تبغضونه ؟ ".
   فأجابه يوسف: " إننا شاهدناه زائلاً غير باقٍ لصاحبه كأحلام النائم التي يسر بها الإنسان في نومه فإذا أستيقظ ذهب السرور، فلم يهزنا الأشتياق إليه، ومع إنك أنت تحبه حباً عظيماً شارهاً إليه شديداً فهو ليس بباقٍ لك، لكنه يفارقك أنت والأغنياء فتصبحون تراباً كسائر الناس في الجحيم ".
   فرد الحاكم: " لا تكثر في الكلام عن هذه الأمور، فإنها زائدة ولا حاجة إليها، والذي يُحتاج إليه هو أن تقول لي أتسجد للشمس أم لا ؟ ".
   فأجابه يوسف: " لا تظن أيها الفاجر أنني أسجد للشمس مع أنني كنت أمنع الآخرين عن السجود لها لكونها مخلوقة ".
   فتلقى الحاكم على جمرات الغضب وأمر بجلده، فضربوه شديداً بقضبان شائكة غليظة حتى إن الدم أنفجر من كل جانب فخصب جسمه كله وكادت روحه تنفصل من جسده، وأما هو فرفع عينيه إلى السماء ورفع صوته قائلاً: " شكراً لك أيها المسيح أبن الله الحي لكونك أهلتني لأن أستحم بالمعمودية الثانية فأتطهر من جميع مأثمي ".
   وعند سماعهم كلامه هذا كانوا يشتدون غضباً وتضرماً عليه فيبالغون في ضربه وتعذيبه فأصبح جسمه كله جرحاً واحداً، ثم أمر الحاكم بإلقائه في السجن. وأستمر في السجن مدة ثلاثة سنوات وستة أشهر. ثم عين موهباط آخر بدل آذركوكشيد يدعى زرادوشت، وكان معه أوامر شديدة بإجبار المسيحيين على رجم رؤسائهم. فأمر بإحضار يوسف، وما أن مثل بين يديه صاح به غاضباً: " أولم تزعزع حتى الآن من رأيك الفاسد أوامر شابور ملك الملوك ناشراً عليه لواء العصيان ومستهزءً بأوامره  وآلهته ".
   فرد عليه يوسف بصوت عالٍ: " أطرق استحياءً وخجلاً لأن ملكك لم ينفذك لكي تخضع العصاة بل إنما لكي تضل الضعيفي الرأي وتخوفهم فتحملهم على العصيان على إلههم الحقيقي، غير أنك لن تستطيع إلى مخادعتنا سبيلاً أبداً ".
   فقال الحاكم ونار الغيظ قد أحرقت أحشاءه: " لا تظن أيها الوقح الجسور أنك بأقوالك هذه المهينة تحملني على أن أقطع حالاً رأسك فتنجو من العذابات المهولة المزمع أن أذيقك إياها مراراً كثيرة، فأصبر الآن عليك ساكناً إلى أن أجد فرصة فأنزل بك النكال بتباريح العذاب ".
   فرد عليه يوسف: " إني أعلم يقيناً أنك قد أضمرت علينا السوء في قلبك وكنت لنا مثل الأفعى الصماء الظمأى إلى القض، وجسمك مصاب باليرقان نظير الثعبان الجائع إلى الفساد والخراب، فأكشف إذاً حيلتك وأظهر سمَّك المبيد وأستل سيفك القاتل وعجل في إرسالنا إلى المملكة السماوية التي لا نهاية لها ".
   فتضرم عليه الحاكم وتلظى غضباً، فأمر أن يعلق منكس الرأس، فتربط إبهاما رجليه في خشبة بأوتار جديدة، ففعلوا ذلك وأخذوا يضربونه بقساوة على جروحه بالمطارق، فأنفجر الدم والصديد من ظهره وصدره وجانبيه، فأثر هذا المنظر الشنيع في أغلب الحضار فما تمالكوا أنفسهم عن البكاء، فسار المجوس في إذنه قائلين: " إن كنت تستحي من الحاضرين الناظرين إليك فنحن نذخل بك إلى معبد النار وهناك أسجد خفية للنار فتنجو ".
   فقال لهم يوسف بصوت عالٍ: " أذهبوا عني يا أولاد النار ومحبي النار، أذهبوا وعولوا النار التي ستحرقكم في جهنم إلى أبد الأبدين ".
   وبعد أن مر عليه ساعتان في تلك الحالة أمر الحاكم بإنزاله فقال له: " أما تريد أن تحيا ؟ ".
   فرد يوسف: " حاشا وكلا ".
   فقال الحاكم: " أفتريد إذاً أن أميتك ".
   فرد يوسف: " إن أمتني فلقد أحييتني، وإن أحييتني فلقد أمتني ".
   فقال الحاكم: " إني قد أعدمت جسدك ولم يبقَ فيك سوى النسمة، فلأعدمنَّها هي أيضاً بشدة العذابات التي أكررها عليك ".
   فرد يوسف: " ليس لك سلطان على إعدام النفس، فإنه مكتوب لا تخافوا من الذي يقتل الجسد ولا يستطيع أن يقتل النفس، بل خافوا من الذي يقدر أن يهلك النفس والجسد جميعاً في جهنم، إنك لقد أهلكت جسدي بسلطانك هذا، وأما نفسي فلست قادراً أن تبطلها من الرجاء بالحياة العتيدة وبقيامة الموتى حيث يكون لكم البكاء وصرير الأسنان إلى أبد الأبدين ".
   فقال الحاكم بلهجة المستهزىء: " فإن كان الأمر مثلما قلت فكيف يا ترى تعاقبني حينئذٍ ؟ ".
   فرد يوسف: " إن ربنا الحليم الوديع أمرنا قائلاً: أحبوا أعداءكم، أحسنوا إلى من يبغضكم، وصلوا لأجل من يظلمكم ويمقتكم ".
   فقال الحاكم بلهجة المستهزىء: " إذاً حقيق أنت أن توليني ثم معروفاً عوض ما جلبت إليك هنا من البلاء والأذيات ".
   فرد يوسف: " في العالم العتيد ليس سبيل لأحد أن يسدي إلى غيره المعروف والإحسان، لكني أتوسل إلى الله تعالى أن يترحم عليك في هذا العالم فيحسن إليك أن ترجع من الضلال الموجود أنت فيه فتعرفه سبحانه حق المعرفة ".
   فقال الحاكم: " أضرب صفحاً عما في العالم العتيد، فإني الساعة أرسلك إليه إن لم تعمل بما يأمرك به الملك ".
   فرد يوسف: " وإني أنا أيضاً هذه بغيتي، فعجل في إرسالي إليه ".
   عندها أمر الحاكم بأن يرفعوه من أمامه فحملوه وألقوه في السجن. وبعد مرور خمسة أيام، أتى شابور طمشابور إلى بيت طباح قريته، فذهب إليه الحاكم بيوسف وأحضره بين يديه، فقال له طمشابور: " إني أشفق كثيراً على شيخوختك فكل الدم وأسرحك ".
   فرد يوسف: " أنتم كلوا الدم، لأنه من شأنكم أن تسفكوا الدم خفيةً وعلانيةً ".
   فأمر طمشابور بجلده، ودنا إليه أناس فقالوا له شفقةً عليه: " أننا نأتيك بعصير زبيب عوض الدم، فأشرباه ولا تموتا ".
   فرد عليهم يوسف: " معاذ الله أن أسود شيخوختي فأكون حجر عثرة لإخوتي النصارى ".
   حينئذٍ جلدوه أربعين جلدة معدودة. ثم أن زرادوشت الحاكم وطمشابور تشاورا فيما بينهما، فأرتأيا أن يجمعا أشراف النصارى رجالاً ونساءً فيضطرهم على رجم يوسف في أربيل، فقبض بأمرهما على جم وافر من المسيحيين رجالاً ونساءً وأحداثاً، وفي جملتهم يازدندوختي الفاضلة، ونصب كراسي لطمشابور والحاكم ولأعيان البلد وللمجوس، فأتوا بيوسف وأوقفوه في الوسط وهو ضعيف الجسم خائر القوة أصفر اللون معدوم الشكل البشري ورجل يمسكه لئلا يقع، فعندما أشار يوسف إلى الحاكم أن يأتيه كمن له أمر يقول له، فأستعجل الحاكم وقام وذهب إليه ظاناً أنه يمتثل إرادته فيسجد للشمس، فلما دنا إليه ليكلمه ملأ يوسف فاه بصاقاً فألقاه غفلة على وجهه قائلاً له: " أما تخجل أيها الدنس العديم الحياء من أن تعرضني أنا المائت على السؤالات؟ أما علمت مما أذقتني من ضروب العذابات الأليمة أنني غير متزعزع من عزمي الثبت الوطيد؟ ". فأعترى الحاكم خجل لا مزيد عليه، فأطرق في الأرض ولم ينبس ببنت شفة بينما أن شابور طمشابور والذين معه كانوا يضحكون عليه ضحكاً شديداً قائلين له: " من حملك يا ترى أن تذهب إليه؟ ".
   وللحال خرجوا بيوسف إلى خارج المدينة ليرجم، وأخرجوا نحو خمسمائة شخص كرهاً عنهم ليرجموه، فحفروا قليلاً الأرض وأقعدوه في الحفرة مربوطاً، ثم أخذوا يضطرون الناس أن يرموه بالحجارة، وأجبروا أيضاً يازدندوختي الفاضلة على ذلك، فأبت وصرخت وقالت: " إن ما تصنعونه هنا لم يسمع به قط أي أن النساء قتلن الرجال، لعمري لقد تقاعدتم عن محاربة الأعداء فأنصببتم إلى سفك دماء    الأهالي ". لكنهم لم يعدلوا عنها، بل شدوا مخرزاً في طرف قصبة وقالوا لها: " إن كنت لم ترميه بالحجر فخذي هذا المخرز فأنخريه به قليلاً لنقول عنكِ أمتثلتِ إرادة الملك ". فرفعت صوتها بالبكاء وقالت: " إني أود أن أشك هذا في جسمي ولا أن أشكه في جسم جندي المسيح القديس البار، فإن شئتم فأقتلوني أنا أيضاً معه، فإن ذلك خير لي من أن أشارككم في إهراق دم زكي ".
   وكانت الحجارة تستدر على القديس وتهشمه، فأختلط الدم والمخ جميعاً وإذ كان يتمادى في شدة عذابه تحنن عليه أحد الأعيان فأمر خادمه أن يأخذ حجراً كبيراً ويرمي رأسه به لكي يموت سريعاً فينجوا من عذابه الأليم، ففعل وللحال أسلم يوسف روحه.
   وأمر الأعداء أن يحتفظ بجثته، فأحتفظ بها ثلاثة أيام ولما كان صباح اليوم الرابع إذا بعاصفة شديدة حدثت، فكانت الرعود نزعزع الأرض بأصواتها الشديدة المهولة والبروق تلقي الرعبة في القلوب والريح تهب بشدة، فتساقط بَرَد شديد وأصاب الحراس من الضرر ما ليس بيسير، وفي أثناء ذلك رفعت جثة القسيس يوسف فتوارت، ولم يُعلم أمن قبل الله صار ذلك أم من قبل الناس فإن الجثة لم يخرج لها أثر البتة.
   وتكلل القسيس يوسف في يوم الجمعة الأولى بعد عيد البنطقسطي " العنصرة ". وتحتفل كنيسة المشرق بتذكاره في 21 كانون الثاني.