خطيئة يهوذا الاسخريوطي.. ماذا كانت؟الشماس جورج ايشو
يتفق اغلب المؤمنين ومن مُطلعي الكتاب المقدس العهد الجديد بان يهوذا الاسخريوطي، احد الاثني عشر تلميذاً الذين رافقوا السيد المسيح خلال إقامته على الأرض، من اضعف التلاميذ إيماناً بالرب يسوع المسيح. حيث ان الفترة الزمنية التي قضها مع السيد المسيح ومع التلاميذ، كانت في حالة نزاع دائم ومتواصل بين الأرضيات والسماويات، او بين الروحيات والجسديات، ولم يستطيع ان يدير حياته نحو الاتجاه الصحيح. رغم ان السيد المسيح قد اختاره للخدمة الرسولية ليكون احد تلاميذه، وأوكله مهمة حمل صندوق جمع المال للفقراء، إلا انه لم يُأهل نفسه لان يكون أهلاً لتلك الخدمة. فنراه من خلال النصوص الكتابية ينجرف وراء أفكاره وشهواته وحبه للمال، حتى تجرأ ببيع سيده وتسليمه لرؤساء اليهود بثلاثين من الفضة؛ وقال عنه السيد المسيح مخاطباً تلاميذه في ساعة عشاء الفصح (ولكن ويل لذلك الرجل الذي به يسلم ابن الإنسان. كان خيرا لذلك الرجل لو لم يولد) (مت 26:24)؛ وان قمنا بمراجعة هذا التصريح أو (الإعلان)، فسنجده من التصريحات النادرة والمخيفة التي إعلنها الرب يسوع المسيح في العهد الجديد عن هلاك شخصاً ما، والسبب لكونه لا يتوافق مع محبته ورحمته وطول أناته تجاه بني البشر، إذ الكتاب يقول عن الله انه، "اله غفور وحنان
ورحيم طويل الروح وكثير الرحمة" (نح 9:17)، فهل يعقل هذا الاله الرحيم والغفور، لم يكن يقدر ان يغفر ليهوذا فعلته تلك؟ والجواب نعم بكل تأكيد كان يقدر، لكن في حالة إدراك يهوذا الخطيئة وتشخيصها.
لكن ان سألنا أنفسنا، ماذا كانت يا ترى خطيئة يهوذا الاسخريوطي التي لم يستطيع إدراكها والتي استحقت هذه الإدانة من فم المسيح ومن الروح القدس الناطق في الأنبياء؟ (اذ ان هناك أيضاً نبوات أخرى جاءت في العهد القديم بخصوصه (يهوذا الاسخريوطي) بفم داود النبي (مز 69:25)، وأعيد ذكرها في سفر الإعمال بفم بطرس الرسل هامة الرسل (اع 1:16).
معظم دارسي الكـتاب المقدس سوى أن كانوا من المسيحيين أو غيرهم، يعتقدون بان الخطيئة التي اقترفها يهوذا الاسخريوطي، هي: "خيانته لسيد المسيح". فمن خلال النصوص الواضحة والصريحة في الكتاب المقدس العهد الجديد، نرى ان السيد المسيح يُسلم للصلب على يد يهوذا الاسخروطي، وقد جاءت الآية (مت 26:24) مطابقة لذات الفعل الذي اقترفه يهوذا (الخيانة).
حسناً لكن ان قمنا بمراجعة النصوص التوراتية، فسوف نجد ان ذلك لا يتفق مع مراحم الرب؟. او لن يكون هناك عدالة في الحكم. اذ ان يهوذا يـُحاكم على خطيئة لم تكن أبشع من خطيئة الإدانة والصلب التي اقترفها اليهود والرومانيين! لكننا لا نرى السيد المسيح في أي موضع في الكتاب المقدس يصرح بأي تصريح خطير عن الأشخاص الذين صلبوه، او بمعنى آخر، لم نر المسيح يحدد الأخطاء تحديدا فردياً، فحديثه عن الأخطاء والخطاة كان في صورة جماعية يشمل الجميع دون استثناء. وليس كما فعل مع يهوذا الاسخريوطي.
ولكي نوضح هذا الموضوع ونفهم ونعرف الخطيئة التي وقع فيها يهوذا الاسخريوطي، يتوجب علينا أولاً مراجعة نصوص الكتاب المقدس العهد الجديد، والاستعانة ببعض الدراسات اللاهوتية التي طـُرحت خصيصا لمعالجة هذا الأمر.
من الكتاب المقدس
ذُكر اسم يهوذا الاسخريوطي في العهد الجديد تسعة عشر مرة، ومنها: في لائحة الرسل (مت 10:4 ؛ مر 3:19؛ لو 6:16) مع عبارة خائن. ولا تروي أي من الأناجيل الازائية[1] أي حديث له مع السيد المسيح، الا محادثته مع السنهدرين (مت 26: 14_16)، وموقفه في العشاء الأخير (مت 16:25)، وقبلته ليسوع المسيح (مت 27: 3_10). و يوحنا الإنجيلي يذكر أيضا حدثين: انزعاجه وقت سكب الطيب على يسوع (يو 12: 4_6)، وإعلان يسوع عن شيطنته (يو 6: 71).
وكما يبدوا من خلال مراجعتنا للآيات أعلاه وأيضاً الأحداث التي ذُكرَ فيها يهوذا الاسخريوطي، ان ارتباطه بيسوع المسيح لم يكن على أساس إيمانه بكون المسيح ابن الله الحي ومخلص البشرية!، الا انه رأى فيه مسيحاً ارضياً، مسيحاً ليخلص الامة اليهودية ويحررها من مملكة الرومان، كما كان الاعتقاد اليهودي سائدا عن شخص المسيح المنتظر. لكن بما ان المسيح جاء بخلاف ذلك الفكر ورفضَ المملكة الأرضية، وفرض الإيمان بالقيم الروحية (يو 6: 15)، لم يـُستحسن هذا المفهوم لدى يهوذا، فقرر الانسحاب وتسليم المسيح الى المحاكمة، فبعد العشاء الأخير الذي تناوله مع المسيح (26: 25) دخله الشيطان فراح يتفق مع رؤساء اليهود ليسلمهم المسيح بثلاثين من الفضة (مت 26: 15). وجاء الى بستان الجتسيماني على رأس جمهور كبير من الجند، ليخون معلمه بقبلة خبيثة (يو 18: 2_9). لكنه بعد ان رأى الحكم السنهدرين ان المسيح سيـُقتل، ندم على ما فعل ورد الفضة إلى أعضاء السنهدرين. وبدأ ضميره يؤنبه لكونه اسلم دماً زكياً، فذهب وشنق نفسه (مت 27: 2_9). ويذكر سفر الاعمال ان يهوذا بعدما شنق نفسه انكسر جذع الشجرة الذي كان يحمله فوقع وانشق من الوسط (اع 1: 18).
من الدراسات اللاهوتية
وفي عام 1970 اتفق بعض العلماء في علم ألاهوت بوضع دراسة خاصة حول موضوع "خطيئة يهوذا الاسخريوطي" وكانت خـُلاصة تلك الدراسة، عدم إدانة يهوذا الاسخريوطي كخائن ومسلم المسيح، لكن كانسان سياسي ومحتقر رحمة الله. فمن خلال النصوص التي ذكر فيها يهوذا يتبين بجلاء مـُحاولات المسيح لإنقاذ يهوذا من الافكار الشيطانية التي كانت تسيطر عليه، فهناك على سبيل المثال ساعة العشاء الأخير (26: 20_21) ان السيد المسيح تحدث عن خائنه وسط الجماعة دون ان يُشير اليه، كان مهتماً بخلاص نفسه دون ان يجرح إحساسه. وفي نفس المشهد (يو 13: 27) نراه بغمز لقمته ويعطيها ليهوذا، مستخدما وسيلة عرفت بين القبائل المتبربرة، اذ انهم لا يخونون من يأكلون معهم من طعام واحد. استخدم المسيح هذه الوسيلة ليردع بها يهوذا من فعله المزمع ان يفعله. الا ان يهوذا لم يسمع للمسيح. وايضا في اللقاء الأخير في بستان الجتسيماني، بعد القبلة المزيفة التي قـَبـَلَ بها يهوذا السيد المسيح، يقول له المسيح: يا صاحب لماذا جئت (مت 26: 50)، كأنه يريد القول: "نعم لا تهتم حتى ان خـُنتني، فمازلت صاحباً لي، اذهب وتوب عن فعلتك، فانا سوف اسامحك، لا تذهب وتشنق نفسك، اذهب واطلب المغفرة وانا سوف أسامحك، رحمتي تكفيك، صديقك "بطرس" سوف ينكرني كما بينت له ذلك، الا انه سوف يتوب وتغفر خطيئته، توب أنت أيضا.." إلا انه يحتقر هذه الرحمة ويضرب اليد الممدود لخلاصه ويذهب ويشنق نفسه.
فخطيئة يهوذا الاسخريوطي لم تكن "الخيانة" كما يعتقد البعض، فبطرس خان المسيح بنكرانه معرفته، لكنه ندم وبكى بكاء مريراً (مت 26: 75) وطلب المغفرة، فقبله المسيح. قائد المئة والذين معه صلبوا المسيح لكنهم تابوا وقبله المسيح (مت 27:54)، وكثير ممن كانوا في ساعة المحاكمة يصرخون "اصلبه" تابوا وقبلهم المسيح (اع 2:41)، لكن يهوذا لم يفعل كما فعل بطرس او غيره، فقد كان اليأس يملئ قلبه، فظن ان الله لن يرحمه ولن يقبل توبته لان جرمه اكبر بكثير من ان يوصف، فاحتقر الرحمة الإلهية وذهب وشنق نفسه ظناً منه انه سيوفي الدين الذي عليه، بهذا الفعل.
الخاتمة
كثير من الأحيان نقع في أخطاء مـُختلفة، سواء ان كانت عن قصد او عن غير قصد، المهم هو، اننا نقع في شبكة الشيطان عن جهل. والبعض منا خاصة الذين لهم عشرة طيبة مع المسيح، ان وقعوا في الخطيئة، تسوّد الحياة في اعيونهم ويقعون في دوامة القلق مدةَ طويلة، وفي بعض الاحيان ان كانت الخطيئة قبيحة جداً، يعيشون في حالة يائس وإحباط وعذاب الضمير طيلة فترة حياتهم، ثم بعد ذلك يشكّون في قدرة الله ورحمته ويفقدون سلامهم.
لذلك نقول لا نجعل الخطيئة تفوق مراحم الرب، ونحاول ان نـُصلح الموقف بخطأ آخر، كما فعل يهوذا الاسخريوطي، فالمسيح مات من اجل الخطاة، وهو الذي يـُصلح نفوسنا، ليس علينا نحن الخطاة الا ان نتوب كلما وقعنا في شبكة الشيطان، لكن بعدم تجربة الله واستغلاله، فبولس الرسول يحذرنا اذ يقول: " ام تستهين بغنى لطفه وامهاله وطول اناته غير عالم ان لطف الله انما يقتادك الى التوبة" لكن نحاول جاهدين ان نكره الخطيئة ونتوب باستمرار عن أي فعل رديء لا يرضي الله، فالله حتما سوف يقبلنا كما قبل الابن الضال (لو 15:21).
وأخيراً اختم هذا المقال بقصة من الرهبنة الروسية عن التوبة.
يحكى ان رجـُلاً كان مُقيدا بخطيئة الكذب، دعَ الله ان يخلصه من هذا الشيطان، حاول قدر الإمكان ان يبتعد عن هذه الخطيئة، إلا إن عدم أمانته وعدم صدقه في التوبة، جعلاه يكذب مراتً عديدة، واستمرت معه هذه الخطيئة لاكثر من عشرة سنوات. واخيراً في احد الأيام، ذهب الى الكنيسة وسجد امام ايقونة المسيح، رفع صوته وبكى بكاءً شديداً وقال للمسيح: أرجوك يا سيدي ومخلصي يسوع المسيح اقبلني واقبل توبتي وكن حصناً لي وابعد عني عدوا الخير، فكما قـَبلتَ توبة بطرس الرسول، إقبل توبتي انا أيضاً... وفي ذلك الوقت ظهر الشيطان ووقف إمام إيقونة المسيح وقال: انك قاضي غير عادل، فقط طرحتني من الفردوس من اجل خطيئة واحدة، في حين انك تقبل هذا الإنسان الذي أخطئ اكثر من مرة لعشرة سنوات متتالية؟. فاين عدالتك؟... جوابه السيد المسيح قائلاً: ايها التنين الشرير، هل انت غير راضي بعدٌ بما تفعله، لقد ملئت العالم شرورا، وطرحت الكثير في هوتك، فهل وضعت عينك على هذا المسكين؟ لقد سفكتُ دمي لأحرره من مكايدك، فهل تريدني ان لا اقبله، فأنت كلما يخطئ تقبله بكل فرح، فلماذا تغتاظ ان قبلته انا ايضا كما تفعل انت؟ اذهب ايها التنين الشرير وتوقف عن فعل الشرور بعد ذلك تعال لنتحاجج.
والرب يبارك الجميع
http://www.assyrianray.com/inf2/articles.php?action=show&id=420---------------------------------
[1] الازائية تعني الأناجيل متى ومرقس ولوقا وفي الانكليزية تسمى synoptic gospels