المراكز الفكريّة لحوار الديانات دبلوماسيّة وبين الحضارات غائب


المحرر موضوع: المراكز الفكريّة لحوار الديانات دبلوماسيّة وبين الحضارات غائب  (زيارة 2995 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل ilbron

  • عضو مميز متقدم
  • *******
  • مشاركة: 6860
  • الجنس: ذكر
    • مشاهدة الملف الشخصي
في كتابه اللقاء المعقد الباحث البلجيكي فيليس داسيتو
المراكز الفكريّة لحوار الديانات دبلوماسيّة وبين الحضارات غائب

محمد الحمامصي من القاهرة


يسعى هذا الكتاب "اللقاء المعقد بين الغرب المتعدد والإسلام المتنوع" لكاتبه البلجيكي فيليس داسيتو الباحث في علم الاجتماع ومدير مركز الدراسات حول الإسلام في العالم المعاصر، إلى بلورة رؤية مؤداها أن كلا العالمين الغربي والإسلامي يشهدان تحوّلات عميقة يتشاركان فيها نتيجة التأرجح والبحث عن توازنات جديدة، الأمر الذي سوف يلزمهما على الالتقاء، كاشفًا أن العالم الغربي الذي يلتقيه العالم الإسلامي ليس غرب المستعمر ولا غرب الحرب الباردة ولا غرب المسيحية، بل هو واقع في تحول وتوسع دائم "إنه مجموعة من المعاني الجديدة أتت لتضاف إلى ما كان قائمًا أو لتعطيه بعدًا أوسع، إنها طبقة جديدة من المدلولات التي تشكل تراكمًا وامتدادًا لما سبقها"، ومؤكدًا أن حركة الحداثة الغربية لم تعد غريبة عن العالم الإسلامي، وأن العالم الإسلامي لا يقتصر على كونه عالمًا حاملاً لروحانية مجردة "بل يطمح إلى مشاركة العالم الغربي حضارته المادية، وهو إذ يقاوم الاجتياح الغربي فإن المقاومة لا تعني بالنسبة إليه رفض ثقافة الغرب المادية واستخداماتها".

ويشبه فيليس داسيتو في كتابه الصادر عن مشروع كلمة للترجمة التابع لهيئة أبوظبي للثقافة والتراث وترجمه إلى العربية الدكتور جان ماجد جبور الأستاذ في الجامعة اللبنانية قسم اللغة الفرنسية وآدابها، الحضارتين الأوروبية والإسلامية اليوم أشبه بشجرتين باسقتين، الأولى بأغصان وجذور ضخمة، وهي لا تتوقف عن النمو وتضرب جذورها عميقة في الغابة كلها، فتطعم سائر النباتات، إنها دينامية الغرب الحالية التي لا ترد، والشجرة الثانية تمثل العالم الإسلامي الذي يسعى لاحتلال حيزه الخاص، والحفاظ على جذوره، وعدم تحويلها فقط إلى عناصر تزيينية، إنه يهتم بجذعه وبأغصانه كما يحاول كذلك مد جذوره وسيقانه الأرضية وأفنانه الطرية الملتصقة بالأرض والتي ستفرخ نباتات جديدة "إن هاتين الشجرتين تتعايشان وتنظران إلى بعضهما ككائنات متحولة، أي أن حالهما غير ثابتة، وعليهما ابتداع مستقبلهما أكثر من أي وقت مضى".

ويقول فيليس داسيتو الذي يرى أهمية ابتداع طرق جديدة لبناء علاقات بين عوالم تتلاقى، إن عالمي الغرب والإسلام يلتقيان اليوم في خضم تحول العالم المعاصر "حيث تجتاح إليهما عوامل مشتركة: العولمة الاقتصادية والثقافية والسياسية، تكنولوجيا الإعلام والتواصل، تراتبيات القوة العالمية، والهيمنة الأميركية على العالم".

ويضيف "الفضاءات الغربية تتطور مستندة إلى قوتها الاقتصادية وإلى القناعة التي تتملكها بصلاح نموذجها، لكنها مع ذلك لا تملك اليقين حول مآل هذا النموذج الذي ينجم عنه تفاوتات داخلية وخارجية ويدمر الموارد الطبيعية والبيئية، وبدورها تواجه الفضاءات الإسلامية التغير، وهي تعيش تناقضات كثيرة في عملية نموها، وقد تمكن الناشطون الإسلاميون منذ عشرين عامًا من فرض الإسلام على أجندة هذه المجتمعات، إن هذين العالمين اللذين يتواجهان ويتلاقيان يعيشان حالة من القلق وعدم اليقين، وهما ينوءان تحت حمل تاريخ طويل ومعقد من العلاقات ومن القضايا العديدة المتنازع عليها".

إن الاندماج الاقتصادي المؤسساتي إلى حد ما وحركة انتقال الأفكار والأشخاص والانتشار الفوري للمعارف، واللقاء الافتراضي بين حضارات وثقافات متباعدة في المكان هي الوسائل التي تحقق قيام الروابط بين حضارات الحداثة المعاصرة "لكن هذه الأخيرة التي أطلقها الغرب في البداية، لا تشكل بوتقة وحيدة بل تشهد انبثاق عولمة جديدة، هي عولمة الإسلام وهي في جزء منها في مواجهة مع العولمة الغربية كما أنها تصنع جزئيًّا حضورها العالمي".

الحضور الإسلامي المهم في أوروبا

ويلفت فيليس داسيتو النظر لتفاوتات قوية بين العالمين الغربي والإسلامي، حيث يرى أنه على الرغم من أن الغرب يبذل أحيانًا بعض الجهود لكي يتأدلج ولكي يتحمس لقضية ـ كما هو شأن الأميركيين في الحرب على العراق ـ فإن الحماسة قصيرة الأمد، "يتعب الأبطال سريعا من العطش والخوف والمسافة التي تفصلهم عن حضن العائلة الآمن، ويحلمون بالأنشطة الرياضية المريحة للبال، بالعطل وبموائد الشواء مع الأصحاب، والحرب حتى لو تذرعت بالله تبقى بعيدة عن الحرب المقدسة أو المقدسة، إن عادات العيش الرغيد والبحبوحة التي توفرها المداخيل الجيدة والتأمينات المختلفة تتقدم على الحرب والحماسة، وإذا كان الغرب يراهن على عظمته وفاعليته وقوته الاقتصادية وقدرته المؤسساتية، فإن العالم الإسلامي يراهن قليلاً على ماله ـ الذي يؤمنه مردود النفط ـ قليلاً على مؤسساته، ويراهن كثيرًا على حماسة ناسه وعلى قدرتهم على الانخراط في المجتمع وفي تكوين شبكات علاقات بينهم".

وانتقد فيليس داسيتو السياسة الأميركية التي اتخذت من قرقعة السلاح وإغراء البضائع وسيلة لفرض نموذجها، وقال "من الصعب التكهن بحظوظ النجاح التي تمتلكها هذه، أبعد من تمكنها من فرض توجه معين على المدى القريب، وعن طريق القوة، وأبعد من السيطرة المحتملة على بعض المصالح النفطية".

وأضاف "لا يبدو أن هذه السياسة تأخذ بعين الاعتبار مراوحة الأسباب الكامنة وراء الحراك والصحوة الدينية للإسلام المعاصر، من هنا فإن احتمالات كثيرة تبدو مفتوحة في العراق من الآن وصاعدًا، هناك تشدد ديني بين الشيعة والأكراد والسنة، يمكن أن يوصل لا إلى تعزيز الهوية الكردية فحسب، وإنما تنامي المذهبية، فيتشدد السنة في مواجهة الشيعة الذين ثأروا للمرحلة السابقة، أما الأقلية المسيحية فسوف تسحق في الصراع الأصولي، من هنا فإن التجربة العراقية تقدم الدليل القاطع على الاتجاهات التي تسود في العالم الإسلامي، أي التشدد في المواقف الإثنية والدينية ".

وقال الباحث البلجيكي أن المطلوب من الحضارة الأوروبية التي هي في طور إعادة بناء ذاتها هو معرفة ـ من جهة ـ إذا كانت تنوي فقط لعب دور التابع لأميركا ـ لأنها غير قادرة على التصرف بشكل مغاير ـ كما برهنت أحداث السنوات الأخيرة ـ ومن جهة أخرى معرفة إذا كانت قادرة على أن تتخطي في تفكيرها جبل المؤسسات الذي أفرزته".

وفي إطار رؤيته للحضور الإسلامي في أوروبا كما في الولايات المتحدة وكندا وحتى في اليابان يشير للعديد من القضايا الخلافية والتي تقف حائلا دون اكتمال اللقاء والاندماج مثل الزواج والطلاق وحضانة الأولاد والإرث والحجاب والعلاقة بين الجنسين والتشدد في بناء العلاقات بين المسلمين وغيرهم، فضلاً عن نزعات الإزدراء والحذر والتهميش المتبادل على الجانبين الغربي والإسلامي.

ويؤكد فيليس داسيتو أنه في خضم التحديات يمكن أن تنشأ في المستقبل مساءلات مشتركة من جانب الغرب، "سيطلب من المسلمين أن يعاودوا النظر في المرحلة التأسيسية من تاريخهم على ضوء العلوم التاريخية والتفسيرية، وهناك كتاب مثل طارق رمضان يتصدون لهذه المسألة الأساسية، والمطلوب هو التوفيق بين التمسك بتقليد الإسلام وتراث من جهة، وفي الوقت ذاته وضع الإيمان في إطار الحداثة من جهة ثانية، إن الغربيين يدعون المسلمين إلى تطبيق مبدأ الاجتهاد وهو أمر يرغب فيه المستنيرون من بينهم، إن الظروف في أوروبا قد تكون مهيأة، إذ يمكن أن تتكون مجموعة هامة من المفكرين مدعمة بإمكانيات البحث والتفكير وحرية الفكر، ويكون لأعمالها صدى في مجمل العالم الإسلامي، لكن لابد من أن تتهأ الظروف المؤسسية لذلك، كالأطر الجامعية ومراكز الأبحاث والمنشورات العلمية، وهو ما لم يتحقق بعد في أوروبا".

لكن مهما يكن من أمر فإن فيليس داسيتو يشدد على أن الوجود الإسلامي في أوروبا والبشائر الأولى ظاهرة للعيان سيؤدي إلى تعديل إيجابي في العلاقة بين أوروبا والبلدان الإسلامية، خاصة تلك القريبة من الفضاء الأوروبي، "لقد أدى الوجود فعلاً إلى تعديل بعض المواقف البلدان الأوروبية والاتحاد الأوروبي تجاه العالم الإسلامي الذي ينظر إليه ويؤخذ بعين الحسبان بطريقة مختلفة عما مضى، في الواقع لم يعد يقلل من شأن العالم الإسلامي، كما أن العلاقة مع الإسلام تتسم بالتأكيد باحترام أكبر مما كان عليه الحال منذ عشرين سنة، إن حضور المسلمين الأوروبيين الفاعل، وتحولهم تدريجيًا إلى محاورين جديين نظرًا لوزنهم الانتخابي، إضافة إلى أن الإسلام والعالم الإسلامي في أوروبا وبعيدًا من الاعتبارات التكتيكية، أصبحا معروفين في أوروبا، كل هذه العوامل تدفع باتجاه تبديل المواقف".

ويلفت فيليس داسيتو إلى أن المراكز الفكرية للقاءات بين الحضارات عمليًّا غائبة لذا فهذا التلاقي متروك لسير الأشياء الطبيعي المفترض حصوله، ويقول "إن المراكز المتعددة للتفكير في موضوع التداخل الثقافي قائمة انطلاقًا من الواقع اليومي المعاش بصورة خاصة، كما يوجد كذلك مراكز للقاء بين الديانات، غالبا ما تتسم بمدلولات دبلوماسية قوية، إنما لا يبدو بأن التفكير حول لقاء بين الحضارات قد وجد، ربما يكون ذلك أحد رهانات البحث والعمل الجماعي في المستقبل".

ويخلص فيليس داسيتو إلى إمكانية أن يحتل المسلمين الأوروبيين موقعا مميزا في تشكيل العلاقة المستقبلية بين العالمين الإسلامي والغربي "شرط التخلي عن الرهانات والمصالح داخل المؤسسات، وعدم الاكتفاء بلعب دور الوسطاء لإسلام آت من مكان آخر، وأن يكونوا منتجين لفكر تجديدي، إن وجودهم في أوروبا هو مناسبة يجب الإفادة منها للتجدد، ليس فقط من أجل التفكير بحال الإسلام في القرن الخامس عشر للهجرة وإنما من أجل التفكير باللقاء الجديد مع الغرب".

http://www.elaph.com/Web/Culture/2011/1/627046.htm