القديسة العظيمة فيرونيكا جولياني ج8
إجعلنــــــي أحبـــك دومـــــــا أكثر
الفصــل الثــانـي
الحقيقة المرعبة لجهنم والملائكة المتمردين
إن المجتمع العقلاني في عالم اليوم يميل إلى عدم الاعتقاد بالعديد من الحقائق الإيمانية غير المنظورة، خصوصاً حقيقة وجود جهنم والشياطين ككائنات مخلوقة . فيقتصر، مرغما، على قبول الإقرار بوجود الشر. .
حتى لدى بعض " المؤمنين" نجد ميلاً إلى التهرب من التبصر بهذه الحقائق، مجزئينها ، محاولين نفيها، أو على الأقل عدم الاعتراف بأبدية جهنم، أو معتبرين أنها مكان خاوِ، لانار فيه ، لاعذابات ولا آلام حقيقية. ومرد اعتقادهم هذا مبني على مفهوم خاطيء لإله رحوم لا يستطيع السماح بذلك ، وهو مفهوم حاولنا إيضاحه ودحضه سابقاً.
إن نظرة واقعية إلى حياة القديسة فيرونيكا الغنية بالاختبارات في هذا المضمار ، ترينا ان كتاباتها ماهي إلا صرخة دفاع عن التعليم الصحيح، تثبيتاً متيناً للإيمان ولتعليم الكنيسة. فكتاب اليوميات مليء بصراعاتها مع الشياطين وبزياراتها إلى جهنم ووصفها لها.
1ـ الشياطيــنلقد عَاينـَا كيف أن الشيطان، منذ الشهر الاولى ، كان قد أتخذ شكل فيرونيكا لكي يخلق بلبلة في صفوف الجماعة . ولم يطل الانتصار حتى بدأ يهاجمها شخصيا. ومانورده ، ليس كلام القديسة فيرونيكا وحسب ، بل أيضا تصريحات لشهود موثوق بصدقهم، سوف يُدلون بها طائلة القسم في دعوى التطويب.
فنقرأ في يومياتها بأن الشياطين كانت تنتزع من يديها الأباريق وادوات أخرى، وتسكب المياه المغلية عليها في المطبخ. كما كانت تقتلع من يدها القلم، وتسكب الحبر، بينما كانت هي تكتب اليوميات . لم يكن لديها ليلة هادئة تقريبا . كانت الشياطين تُظهر لها بأعداد كبيرة ، بأشكال مرعبة ، مهددة ، بلا حياء... كانت تعوي. تخور، تكفر...تخرج روائح نتنة لدرجة أنها تحملها على الغثيان والغيبوبة.. كانت ترمي في صحنها قبضات من الشعر، العناكب ،الفئران الميتة... كانت ترميها في النار ، ترطمها بالحيطان ، ترميها بحجارة ضخمة ، ترفسها وتضربها بشكل غير معقول.
أهي اشباح ؟ تصورات ؟ قد يعتقــد أحدهـم بذلك.
لكن ، في الحقيقة لاشيء من هذا القبيل ابداً . كانت الراهبات تارة يسمعن، وطوراً يرين . وعندماكان يحدث ذلك ، كانت القديسة تشجعهن وتُطمئنهن. كم إضطررنّ
أن يُسرعنّ ليلاً إلى غرفتها ، إلى أن سمحت السلطة بان تنام إحدى الراهبات معها لكي لاتبقى وحدها. لكن القديسة لم تكن خائفة . كانت تتحدى وتؤنب أعداءها :
"تعالوا، أضربوني ، أقتلوني ؛ سعادتي هي بأن اتألم لأجل إلهي ... أيها الجبناء،
تاتون بهذه الاعداد لمحاربة إمراة ضعيفة مثلي !"في إحدى المرات ، ظهرت العذراء مريم الكلية القداسة أثناء إحدى المرات، ظهرت العذراء مريم الكلية القداسة اثناء إحدى المعارك وقالت للشياطين الذين كانوا يبحثون عن الفرار:
" هاهي ابنتي، أبنتي هي المسيطرة على جهنم" .
آه يالقوة الصلاة والإماتة ! يهاجمونها عادة عندما كانت تقوم بدورها كضحية وسيطة ومُكفرة ، عندما كانت تصلي وتمارس الإماتات لارتداد الخطأة كانوا يصرخون: "أقلعي !أقلعي وإلا أذقناكِ عذابات جهنم ".
الدرج المقدس الذي كانت القديسة تتسلقه ركوعاً مع اخواتها، مصليات"درب الصليب" وعلى كتف كل منهنّ صليباً
كانت الشياطين تسيء معاملتها أحيانا تاركينها كجرح واحد... كسروا رجلها في أحد الأيام ، فبقيت معلقة كخرقة . حملتها الراهبات إلى كرسي الاعتراف وهي على هذه الحالة ، فشفيت للحال ، لأن المُعَرف فرض عليها طاعة أن تطلب من الله الشفاء.
في إحدى المرات قالت لها مريم:" لقد بكيت ثلاثة مرات دموعا من دم...لقد بذل الشيطان وسعهُ لينتزعكِ من الإرادة الإلهية ويجعلك تسقطين في هفوات، لكنني كنت أدافع عنك وأعيده إلى جهنم، مانحة إياك قوة تتفوقين بواسطتها على جهنم
بأسرها . كان ينشط ، ويجد سيبلاً لجعلك تضطرين من خلال الخلائق ؛ فكنت أظهر لك طريقة التصرف بحيث تمارسين الفضائل والسّلام.." .
عند النزاع الاخير للأخت لويزا التي كانت عدوتها دوماً، كانت القديسة فيرونيكا ترى الشياطين آتية لتأخذ روحها وهي تصرخ :"إنها لنا! إنها لنا! " وكانت الأخت لويزا تمسك بيد فيرونيكا بجزع: "دافعي عني ! ! خلصيني !" فكانت هذه الاخيرة تصرخ: :"إنها لله" وتتوسل: "ياإلهي ، أغرس في راسي إكليل الشوك لكن فضلاً أعفُ عن هذه النفس... " .
والأخت أنجليكا التي أساءت معاملتها طيلة حياتها : بقيت القديسة ليلاً ونهاراً إلى جانب سريرها، ركعة، مصلية، دون أن تستند، مقدمة ذاتها كمحرقة:" أيها الرب يسوع ــ كانت تتوسل وأستحقاقاتها لصالح هذه النفس ، إحصل على النعمة من أبيك السماوي ! إني جاهزة لكل العذابات ".
بعد أيام على هذا النحو ،أرتمت امام بين القربان، بينما كان صوت حقود يزأر:
"لقد انتصرتِ، لكنك ستدفعين الثمن أيتها البائسة، ووثب عليها هر عملاق...
أما المائتة ، فلفظت أنفاسها الأخيرة بسلام بين يديها .
2ــ جهنــّم تراها فيرونيكا كل يوم تقريباً ، بهولها وعذاباتها . تزورها مراراً بحسب إرادة الله
يرافقها عادة ملاكاها الحارسان بشكل منظور، ومريم الكلية القداسة بشكل غير منظور. تصفها بأمر الطاعة في يومياتها . هوذا قسم من الرؤيا التي تمت في
17 ك2 1716: ظهرت لها العذراء مريم ونقلتها عند أقدام الثالوث القدوس ؛ ثم
أمرت الملائكة الحراس بأن يقتادوها بالروح إلى الهاوية : "لاتخافي ياأبنتي؛ انني معك .
قالت:" وجدت نفسي بلمحة بصر في منطقة سفلية سوداء منتنة. سمعت خوار جواميس وزئير اسود وفحيح أفاع وقصف رعود ترعب الاجواء. وكنت في الوقت عينه ألمح بروقا صفراوية تتلاعب وسط الدخان. وهذا ليس شيئاً بالنسبة لما ساراه فيما بعد.
أنتصب امامي جبل عظيم مليء بالاصلال والافاعي بأعداد هائلة معقودة بعضها ببعض، تتقلب وتتلوى عبثاً دون ان تستطيع الانفصال وسألت عن تلك الاصوات الكئيبة ، فأعطوني جوابا واحدا : إنها جهنم العليا ، أي جهنم الخفيفى . فعلاً فقد أنشق الجبل بعد ذلك وانفتح جانباه ، فرأيت فيه جمعاً كبيراً من النفوس والشياطين المشبوكة بعضها ببعض بسلسلة من نار. وكانت الشياطين الشبيهة بجواميس مرعبة واحصنة مكدونة، تلقي من عيونها وأنوفها وأفواهها النيران ، بينما أسنانها، ، وهي اشبه بخناجر من فولاذ، تعض النفوس وتقطعها . فعلا صراخ حاد ، صراخ يائس..وأنتصبت جبال أخرى أشد هولاً من هذا الجبل ، أجوافها مسرح العذابات شرسة يستحيل عليّ وصفها.
ورايت في قعر الهاوية عرشاً هائلاً مؤلفاً من الشياطين الأكثر بشاعة ورعباً وهولاً ، وفي الوسط رأيت كرسياً مؤلفاً من رؤوساء الظلمات . هناك ينتصب الشيطان ببشاعته التي لاتوصف . وكأن راسه مؤلف من مئة رأس ، تعلوه حراب هائلة حية ، على راس كل منها عين مفتوحة محرقة تلقي أسهما من لهيب تضرم حرارتها الجمر الجهنمي وتهيجه. ترى الشيطان جميع الهالكين ، وهم بدروهم يرونه .
وأعلمني الملائكة بأن هذه الرؤية وجها لوجه مع الشيطان المرعب هي التي تسبب عذابات جهنم ، كما ان رؤية الله وجها لوجه تتضمن مباهج الفردوس. فالشيطان يلقي على عناصره الآلام والعذابات التي تلتهمهم . وعندما يقذف اللعنات والشتائم، يجعل الجميع يشتمون ويلعنون ويطلقون معه عواء اليأس.
قُلتُ لملائكتي:"كم من الوقت تدوم هذه العذابات؟" فاجابوني:"إلى الأبد، مدى الابدية !" وعندما أخرسني الرعب، رايت أن الوسادة الحية لعرش لوسيفورس هي يهوذا بشخصه، يهوذا وبرفقته نفوس أخرى يائسة مثله فسألت أدلائي :
"من هي هذه النفوس ؟"يالهول الجواب ! ياإلهي قالوا :" هي نفوس مسؤولين رفيعي المستوى في الكنيسة والرهبانيات" !
.... أدركت أن حضوري يضاعف غضب الهالكين ؛ أما أنا ، فلولا مساعدة الملائكة ،لابل لولا مساعدة مريم نفسها الحاضرة معي بشكل غير منظور ، لكنت قضيت من الرعب . والآن فليسد الصمت ! لم أقل شيئاً. لا استطيع أن أقول شيئا . فإن كل مايقوله الوعاظ تجاه هذه الحقيقة التي لايمكن التعبير عنها ليس أبداً ابداً ! سكوت،
سكوت !......" .
ورأت نفوساً كثيرة تهطل كالمطر في الهاوية المُظلمة ، مسرح الرعب.
في رؤى أخرى ، الرب نفسه هو من أجابها بأن العذابات هي " على الدوام، مدى الأبدية " قائلاً أيضاً:" أنظري وتبيني جيدا هذا الموضع الذي لن يكون له نهاية
قط........".
في وصوف أخرى أطول شرحاً ، تصف المستويات السبع لجهنم، مع فئات الهالكين فيها... وقد رأت موضعاً أكثر هولاً ، فيه الرهبان الذي خرقوا واحتقروا قوانينهم المقدسة؛ كما رأت موضعا آخر للكهنة الذين لم يكونوا أمناء لتعاليم الكنيسة، والذين بالتالي كانوا سبباً لهلاك العديد من النفوس . كانت عذابات تلك المواضع مريرة للغاية.....
ياللعجب ! لقد رأت ايضاً ، في موضع على حدة ، هالكين بالنفس والجسدَ لقد أرعبها ذلك. فشرحت لها العذراء بأنهم الذين كانوا قد باعوا أنفسهم للشيطان بعهدِ اختياري حرّ....
يمكن كتابة صفحات طويلة ، لكن يكفي هذا لنرى كم أن هذه الحقيقة الإيمانية كانت
"أليفة" وواقعية في حياة القديسة فيرونيكا اليومية ، وفي اختبارها، تثبيتاً الإيمان من يبحث حقاً وبتواضع عن الحقيقة ، راضخاً للآمر الواقع.
نعم ، لقد رأت القديسة فيرونيكا خبث الخطيئة وكم أنها تهين الله جدا؛ كما أدركت كم كلّف فداء الخطيئة ، وكم أن عقابها في جهنم مهول ؛ لذا، بحساسيتها الروحية
المرهفة للغاية، أضحت رسالتها التكفيرية ذات قدرة وقوة دوما أكثر تصاعدا، فأعلنت:
" يارب أقدم ذاتي للبقاء هنا كباب لكي لايعود يدخل أحد إلى أسفل ويفقدك ، أنت الخير اللامتناهي. إمنح نوراً يارب لكل الخطأة البائسين ، لكي لايعود يهينك أحد...
فطالما أبقى هنا كباب ، لن يدخل أحداً هذا الموضع " .
يامار ميخائيل الممجد ، صـل لاجلـنا.