في سوق الصفارين

المحرر موضوع: في سوق الصفارين  (زيارة 2861 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل كريم إينا

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 749
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
في سوق الصفارين
« في: 08:01 12/07/2006 »
في سوق الصفارين
نبيل عبد المسيح بولس القس بطرس

كثير مّنا في بيته قطعة أو أكثر من النحاس يستعملها للطبخ أو للزينة أو لأغراض أخرى. وكثير منّا من شاهد ذلك السوق الذي يقع في قلب بغداد على شارع من أقدم وأطول شوارعها هو شارع الرشيد فهناك على هذا الشارع مدخل يؤدي إلى هذه السوق الخاصة بالصّفارين التي تكتّظ بدكاكينهم المملوءة ببضعة من الأواني النحاسية من قدور وأباريق وغيرها. وليس في هذه السوق دكان لغير الصفّارين وهذه الدكاكين تعرض بها المصنوعات النحاسية وتصنع فيها الأواني فهي معامل ومعارض متراصة فلا تسمع إلا طوقاً يصم الآذان ولا نرى إلا عملاً متواصلاً ولهيباً متصاعداً. لقد دخلت في هذه السوق في أحد أيام الصيف الحارة فراعني ما شاهدت من حركة مستمرة وزنود قوية تضرب بالمطارق على السنادين فتخرج منها تلك الأصوات العالية المختلفة الرنين والجرس. وكلّها تشكل وحدة موسيقية إشتركت فيها أنواع الآلات كنت أنظر وأنا أسير في هذه السوق إلى داخل الدكاكين فأراها غاصة بمختلف المصنوعات الكبيرة منها والصغيرة ومع ذلك فالعمل جاري والإنتاج مستمر شاهدت وأنا أسير وسط السوق رجلاً مسّناً يربو على السبعين جالساً في ناحية من الدكان وحوله شبان منهمكون في العمل يأتون إليه ويسألونه وهو يوجههم ويرشدهم فتقدمن منه ورفعت يدي مبتدئاً في السلام فرّد علي بصوت لم أكد أسمعه من شّدة الضوضاء وأخذ ينظر إلي وكأنما يريد أن يسألني عن حاجتي وربما فكر أنني أريد شراء شيء منه فقلت له أيها العم أريد أن أسألك بعض الأسئلة عن هذه السوق وعن طبيعة العمل فيها. وظننت في البداية أنني سأجد منه بعض الإمتعاض والضيق ولكن على العكس من ذلك فقد رحب بي وطلب مني أن أجلس في مكانه فرفضت ذلك لأن كرسيه كان الوحيد في هذا المكان إضافة أنه لا يقوى على الوقوف لكبر سنه ِ فقلت ما ضجرت أيها العم من هذه الضوضاء وهذه المهنة وأنت في الكبيرة فأنظر إلي نظرة فيها شيء من الألم والعتاب وأطرق برهة ورفع رأسه وقد رأيت الدمعة تدور في عينيه فقلت في نفسي ربما صدر مني شيء جرح شعوره ولكني لا أتذكر ذلك ثم قال لي يا بني إن هذه السوق وجدت منذ أن وجدت بغداد وقد ظلت محافظة على طابعها القديم حتى يومنا هذا وستبقى إلى فترة ٍ قد تطول أو تقصر ولكن المهم إنا توارثنا هذه الصنعة عن آبائنا وأجدادنا. سنورثها آبائنا، لقد شاهدت أبي وجدي في هذا المكان وأذكر تلك الكلمة التي قالها لي أبي إن صنعتك هذه هي شرفك ونسبك الذي تنتمي إليه فحافظ عليها لأنك إذا أضعتها أضعت أصلك وشجرة نسبك وأغرورقت عيناه بالدموع مرة أخرى وأستطرد قائلاً: كيف أضجر منها وأنا: ليس في هذا اليوم الذي أبتعد فيه عن هذا المكان لأي سبب بالضيق والضجر ثم أي لقمة من العيش يأكلها الإنسان أكثر حلالاً من هذه اللقمة التي نكسبها بهذا الجهد المضني فأنت ترى حرارة الشمس اللاهبة وهو الجو الضائق وهذه النار المشتعلة في داخل الدكان لا نفارقها منذ الصباح متى ينتهي عملنا. ومع ذلك فنحن قانعون وراضون بهذه الصنعة لأنها كما قلت لك تمثل تراثنا القديم والواجب على كل واحد منا أن يحافظ على تراث آبائه وأجداده لأن ذلك وفاء لهم وتقديراً لمآثرهم. فقلت له بارك الله لك في عملك وأطال عمرك وصافحته وإنصرفت.