رُسُل الأدب ورُوّاد الشعور القومي أحياء في قلوبنا
بقلم : ميخائيل مموليس من الغريب أن تتفاوت آراء اللغويين في نظرتهم لتعريف مفهوم اللغة ، طالما كل واحد منهم يُؤوّل نظرة تفسيره من منطلق ميدان اهتمامه وزاوية تخصصه وفق منهجية البحث العلمي وعلاقتها بالعديد من العلوم. وبما أن موضوع عرضنا هنا يبعدنا عن تلك المفاهيم لنحصرها في مجال اهميتها ووظيفتها في حياة المجتمع والقومية التي ينتمي اليها الفرد ، نقول بأن اللغة هي التي ترتقي بواقع أية أمة لدرجة التطور والمدنية ، لكونها الوسيلة التي تقودنا إلى التفاهم والتعبير وتجسيد المشاعر شفوياً وتحريرياً. وبما أن اللغة تُعد من الأسس الرئيسية لمقومات أية قومية ، فأنه يستوجب استعمالها والحفاظ عليها بإهتمام بالغ ، لكونها تجسد شكل هوية الإنتماء القومي. ولأجل ذلك تحتم الضرورة أن نكون واعين لمعرفة هذه الحقيقة، وعلى معرفة أكبر بأن الواجب الرئيسي لإثراء اللغة هو من مهام الأدباء والمؤلفين والكتاب واللغويين والشعراء والعاملين في حقل التعليم بغية إحياء وتأكيد وجودها وتطوير آفاقها وإيصالها لعقول ومدارك أبناء ذلك الشعب الناطق بها والفخور بتراثها ، وبالتالي التعامل بها بصدق وإخلاص وإهتمام دائم.
مما لا شك فيه بأن أبناء اية قومية عادة ما يفتخرون بعلمائها وروادها المتبحرين في أعماقها مثلما يتباهى ويفتخر الإنكليز بشكسبير ، والألمان بمارثن لوثر والعالم العربي وخاصة لبنان بجبران واعتزاز بني آشور بمار عبديشوع الصوباوي لبلاغته اللغوية وغيرهم من الادباء والشعراء واللغويين بين شعوب الدول الأخرى. كما وإن لكل زمن أومرحلة تاريخية يبرز من الرواد النابغين الذين يشار اليهم بالبنان ، ويتم نقش أسمائهم على صفحات طروس التاريخ ، وبتوالي ومرور الزمن يتضاعف عددهم كما نذكر أسماء برديصان ومار افرام ومار نرساي وغيرهم من الذين لا زلنا لحد يومنا هذا نعيد ذكراهم بما خلفوه لنا من أعمال ثرية بمضامينها الهادفة وذات النفع العام ، وبشكل خاص اولئك الذين خلفوهم وانتهلوا من منابع علومهم ، وحرصوا بشكل دائم ليكونوا امتداداً لهم على إثراء تلك المسيرة الأدبية واللغوية والفكرية ، والتي برز منهم في فترة متقاربة الملفان نعوم فائق في تركيا ، والقس يوسف قليتا في العراق والدكتور فريدون آتورايا في روسيا وغيرهم من الذين قدم وخدم كل واحد منهم في مجال اهتماماته وتعامله للجدوى العامة الدائمة لأجيالنا المستقبلية.
ولمناسبة الذكرى السنوية للملفان نعوم فائق في الخامس من شهر شباط من كل عام كونه أحد الأعمدة الرصينة للتكوين الأدبي والنهوض الفكري لحفاظ وارتقاء الشأن الأدبي واللغوي والقومي قبل ثمانين عاماً ، ينبغي علينا أيضاً أن لا نتغافل ونتناسى رفاقه الآخرين الذين حملوا بدورهم ثقل هموم تلك المسيرة بمشعل القلم. وأن لا تقتصر وتحدد مركزية هذه المناسبة على مآثر وصفات شخص معين أو عدة أشخاص ، لكون الذين بمستواهم عادة ما يكون وجودهم وتتمثل مكانتهم بمثابة الحلقات المتراصة التي تشكل وجود سلسلة قوية لها أهميتها ومفعولها في حياة المجتمع.
من خلال تعايشنا في أوساط مجتمعنا الآشوري بكافة انتماءاته المذهبية والطائفية وجدنا واتضح لنا بأن الكثيرمنهم ليست له معرفة ودراية كافية عن مآثر ومواقف الملفان نعوم فائق ، وقلائل هم من الذين يعيرون أهمية لشخصه وأعماله ومواقفه كونهم من المؤمنين بالمبادئ القومية وآدابها التي هي من اسس المدنية واثبات الوجود. ومن أجل أن يلموا اولئك الذين لا دراية لهم بمعرفته وذكر اسمه الخالد آلينا على أنفسنا أن نعرض هنا بعض الجوانب من سيرته الذاتية ودوافع الإحتفاء بذكراه سنوياً بالرغم من موقفنا الشخصي على حصر الإحتفاء بشخصية واحدة سعت وخدمت اللغة والنهضة القومية.
من هو الملفان نعوم فائق؟ـ تنسم نعوم بن الياس بن يعقوب روح الحياة في شهر شباط 1868 في منطقة آمد المعروفة بديار بكر في تركيا ، وتعمد بإسم نعوم مع إضافة لقب فائق لإسمه فيما بعد. وبعد وفاة والده ومن ثم والدته تكفل شقيقه الأكبر توماس برعايته.
ـ التحق بالمدرسة الإبتدائية وعمره سبع سنوات ، ومن ثم بالمدرسة الثانوية لمدة ثماني سنوات ، متسلحاً بالعديد من اللغات كالسريانية والعربية والتركية والفارسية والأرمنية والكردية ومبادئ اللغة الفرنسية ومن ثم الإنكليزية.
ـ عام 1888 وهو في العشرين من عمره ، زاول مهنة التعليم متنقلاً بين عدة مدارس في تركيا ومن ثم في سوريا ولبنان والقدس.
ـ 16 تشرين الثاني 1889 سيمَ شماشاً انجيلياً على يد البطريرك بطرس الرابع في ديار بكر.
ـ 14 شباط 1899 وهو في الثلاثين من العمر اقترن بالسيدة الفاضلة لوسيا قرياقوس ورزقهما الله بولدين وثلاث بنات. توفي الأول عام 1904 والثاني عام 1906 وإحدى بناته عام 1921.
ـ عام 1908 تم اعلان الدستور العثماني ليكون دافعاً ومحفزاً له على تأسيس جمعية قومية بإسم " الإنتباه " ، منطلقاً فيما بعد على تأسيس وإصدار مجلة " كوكب الشرق " التي كان يتوجها مقالاته وقصائده النهضوية.
ـ عام 1912 وبسبب المظالم والإضطهادات التي داهمت المسيحيين منذعام 1895 ولغاية المذابح الكبرى عام 1915 شدته مأساتها أن يغادر مسقط رأسه متوجهاً الى بيروت ومنها الى الولايات الأمريكية بصحبة أفراد عائلته ليصلها في الخامس من كانون الثاني 1912.
ـ عام 1916 وفي ديار الهجرة اسس مجلة " بين النهرين " بثلاث لغات هي الآشورية/ السريانية والعربية والتركية ، وفي عام 1921 يتولى مسؤولية رئاسة تحرير مجلة "الإتحاد" الناطقة بإسم الجمعية الوطنية الكلدانية ـ الآثورية. وبعد توقفها يعود ثانية لأحياء مجلته " بين النهرين ".
ـ عام 1927 فجع بإنتقال قرينته الى الأخدار السماوية ، وليعيش على أثر ذلك حالات من التأزم النفسي مهاجماً أياه داء الرئة بمعاناة لم يمهله الصبر على ديمومة الحياة ليرديه جثة هامدة في الخامس من شباط 1930 ، تاركاً بعده اثنتين من بناته مع مجموعة كبيرة من المؤلفات بلغت أكثر من ثلاثين مؤلفاً بلغات مختلفة.
دوافع الإحتفاء السنوي بذكرى نعوم فائق.إن ما عرضناه هي نظرة مركزة عن سيرة الملفان نعوم فائق الخاصة ، وبقي أن نعلم عن دوافع الإحتفاء السنوي بإسمه منفرداً. حسب نظرتنا وبحثنا توصلنا على تدوين النقاط التالية:
1. وعيه وشعوره القومي في بداية شبابه وتسلحه بأفكار واعية وبناءة.
2. نشره الثقافة واهتمامه بتعليم أبناء شعبه في مدارس مختلفة.
3. خدماته الإنسانية والإجتماعية لأبناء شعبه أينما حل به السكن.
4. ابتعاده عن عناصر التخريب المتمثلة بالطائفية والعشائرية والعنصرية.
5. مواقفه الصادقة المتجسدة في كتاباته وخطاباته ضد الظلم وأعداء بني جلدته.
6. نداءاته الدائمة بغية الإتحاد وبصوت مشترك موحد.
7. دعواته المستمرة لنشر الوعي بتأسيس المدارس والمجلات والمطابع.
8. تضحياته بإحياء وتطوير اللغة والإرتقاء بمستوى الأدب بشكل عام.
9. اعتماده على نفسه بتولي مسؤولية إصدار المجلات ونشره الكتب واهتمامه بحقل الإعلام والصحافة الآشورية.
10. ابتعاده وعزوفه عن المصالح الشخصية والمادية ، وقضاء وقته في الأعمال ذات النفع العام لإعلاء وتبجيل الإسم القومي بغية اقتناء الحقوق القومية.
وفي الختام نود القول بأن مناسبة إحياء ذكرى نعوم فائق التي تقتصر وتنحصر بإسمه أن تكون أوسع من ذلك لتشمل مجموعة أكبر من الذين خدموا الأدب والوجود القومي تقديراً لجهودهم وأعمالهم التي لا زالت حروف اسمائهم تتلألأ بين ما سطروه لنا وتركوه تراثاً خالداً نقتدي به ، انطلاقاً من مقولته الشهيرة التي يقول فيها : " ثلاثة تنجح الأمة: قلم الكاتب، مخزن التاجر وحقل الزارع " ليزيدها بمقولة أخرى مفادها: " الأمة التي تهمل لغتها تفقد مجدها وتضيع كيانها ".
إذن دعونا ننطلق من هذه المفاهيم الدررية لتطمئن قلوب معاصرينا وتزخر عقولهم بما هو الأجدى لبني قومهم وللإنسانية جمعاء.