مدينتي وشهيدتها
عبدالمنعم الاعسم
aalassam@hotmail.com اما مدينتي فهي المحمودية التي اعطتنا فرصة للغضب ازاء ما المّ بنا من خيبات ومصائب، اما شهيدتها فهي الصبية البريئة عبيرالتي اعطتنا منديلا مضرجا بالدم وشهادة ضد الخطيئة المسجلة باسم الجنود الامريكان.. اما انا، واعوذ بالله من قول انا، فهو المسافة بين اي مدينة آمنة واي قتيل بريء، حيث ودعتُ الكثير من المدن الآمنة، وودعني العديد من القتلى الابرياء.
والمحمودية في حافظتي، مدينة عراقية، شأن غالبية مدن العراق، موزعة بين داخلها الحضري، الاهلي، المتنوع، وبين خارجها الريفي القبلي، لكنها لم تكن، طوال عمرها المديد، لتعرف ما نسميه اليوم، في مرحلة انحطاط السياسة، بالاستقطاب الطائفي، مع انها احتضنت اُسراً عريقة من المسلمين، شيعة وسنة، ومن اتباع الصابئة المندائيين والمسيحيين واليهود، ومن الكرد والتركمان فضلا عن العرب غالبية سكانها، بل ولم تعرف، طوال عمرها ايضا، حادثا واحدا يدخل في شبهة النعرة الطائفية، تكفي الاشارة الى ان السيد هاشم السامرائي، السني ، بجسمه المليان وعضلاته المفتولة، كان يحمل كل عام، بنفسه، هودج المواكب الحسينية في عاشوراء، وكان ابنه محمد، صديقي، يصلي معنا لسنوات ونحن صغار في حسينية المدينة، و"يلطم" معنا ايضا آنذاك في "العِزيات" من دون ان يعي-كما افصح لي بعد عقود- انه ليس شيعيا.
ويوم زرت المحمودية العام 2004 بعد غياب حوالي ثلاثين سنة عنها كتبت في حافظتي هذه الكلمات:
"من بغداد العاصمة الى بلدة المحمودية جنوبا ثمة طريقان، السريع الحديث، والقديم المحدث، والذي يدخل بلدة ما عابرا غير الذي يدخل مسقط رأسه وحارة صباه وشبابه بعد عقود من الغربة.. وكلاهما- عابراً وعائداً- كنت قد زرت المدينة في محاولة تأمل واستذكار، فاختلطت عندي عين المفاجأة التي املاها علي هاجس الصحفي إزاء الاثارة، بعين الفجيعة التي املتها علي تداعيات السنوات الطويلة، إذ صار للمدينة أحياء جديدة مترامية الاطراف، واستحالت الشوارع القديمة المشجرة الى ساحات للباعة والبنجرجية، وتقوست جدران البيوت لتبدو انها تتحاور مع بعضها، او تشكو لها.
ها أنا بعيد عن المحمودية، بمسافة قارات عائمة، وبمدى عواصم صماء، ووراء لغات باردة، لكني قريب منها بمسافة نخلة واحدة: المحمودية بدت لي في لحظة انسجام، مع انها مسبية ومختطفة ومهملة، أجمل من لندن وباريس واستوكهولم، فجميع هذه المدن افتقدت لشئ تمله المحمودية، البراءة، لكن، يا ألله، أين نخيل المحمودية؟ اين نهرها الوحيد؟ اين مغنيها الشعبيين؟ اين فكهائها؟ اين رزاق شعلان وناصر الاوتجي وجميل وفؤاد والاستاذ محسن..اين ضاري ؟ اين حلقات بنات المدارس؟ اين مدرستي التي تعلمت فيها أولى الحروف، والدار التي قذفتني الى هذا المشوار العجيب؟.
المحمودية صارت كهلة، وربما لم تعد واضحة وحميمة، كما كانت، انها منبسطة كغبراء، وإن اعتمرت ببناية للبنك واخري للمجلس البلدي وثالثة لمكتبة ورابعة وخامسة لمحامين واطباء، وصار فتيان أيام الصبي الذين كانوا ممتلئين نشاطا وحيوية قبل أربعين سنة مهمومين بمشاكل تثقل اكتاف الجبال، وبعضهم مشغولون باوجاع وامراض ومخاوف.. لقد صاروا شيوخا يرافقهم ابناء بشوارب واحفاد معتلي الصحة: طفرت الدموع اسا وفرحا ودهشة وخوفا إزاء ما حل بنا كجيل عُرف بالشغب والتطلع.. وما حل بالعراق كبلاد على خارطة الاهوال.
المحمودية ، آنذاك، غير المحمودية في نشرات الاخبار، ولا كما هي في رسائل الاصدقاء..انها مدينة مفجوعة بعد ان استباحتها قطعان بلا هوية.
ـــــــــــــــــــــــــــ
..وكلام مفيد
ــــــــــــــــــــــــــ
"لا يجوز تعريض احد للتمييز على اساس الدين وغيره من المعتقدات":
الاعلان العالمي لحقوق الانسان/ 25-11-1981 (المادة 2)
[/b]