دعوة لسدّ الآذان وفتح العيون


المحرر موضوع: دعوة لسدّ الآذان وفتح العيون  (زيارة 1025 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل Abdullah Hirmiz JAJO

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 604
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
دعوة لسدّ الآذان وفتح العيون
في الإنسان خمسة حواس مهمة وعن طريقها يعيش هذا الإنسان حياة طبيعية؛ يحسّ بطعم الأكل، ويشم روائح مختلفة ويميز بين العطر منها أو الكريه، كما أنه يسمع ما يدور من حوله، ليجنب نفسه المخاطر وليستطيع التخاطب مع من حواليه ويتبادل الحديث معهم، ويرى ما يجري من صور لأحداث وحياة عامة لكي يشترك ويتفاعل بما فيه الخير له وللإنسانية، وكذلك أنعم الله عليه بنعمة اللمس لكي من خلال أنامله يتعرف على السطوح الملساء أو الخشنة أو شكل الأشياء حتى دون النظر إليها، كما يوجد لدى بعض البشر ما يُسمى الحاسة السادسة التي تعتبر أحدى علامات الذكاء والنباهة عند الإنسان بحيث يكون له حدس حدوث الأحداث قبل وقوعها، وهذه قد تعتبر من الأمور الخيالية التي ليس لها وجود، إنما نعزوه نحن لذلك عندما تحدث أمورا لا نستطيع إيجاد تفسير لها ويتميز الإنسان بوجودها لديه عن غيره.
ومن خلال هذه الحواس يعيش الإنسان حياته ويعرف حلوها ومرها ويميز فيما بين هذا وذاك، كما أنه يستمع للآخرين ويستطيع معرفة الكلام الغث وتمييزه عن السمين، كما يستمع لوعود كثيرة ويتحقق من الصادق ومن الكاذب، إذا من خلال الحواس يسير الإنسان في حياته ويكون له معارف وصداقات ويقدم الخدمات للآخرين وبموجبها يصبح عضوا فاعلا في المجتمع ورمزا يُرمز إليه بأصابع البنان؛ إن كان يسير في طريق الخير، أو يُكنّى بعبارات الذم كونه يسير عكس ما يريده له المجتمع من التصرفات الطبيعية المرجوة من العضو النافع في المجتمع.
وفي مجتمعنا العراقي قديما وفي الظروف الحالية قد تكون هذه الحواس وبالا على صاحبها تجلب له المصاعب والويلات، وقد تكون مصدرا للعقوبات التي تجعل من صاحبها ضحية في المجتمع، فقطع صيوان الأذن، أو اللسان كان من العقوبات الشائعة التي تتخذ بحق من لا يلتحق بالخدمة العسكرية أبّان الحروب التي شهدها العراق، وقطع اللسان لمن تفوه بكلمات وأحاديث تسيء لهذا المسؤول المهم أو ذاك، كما ان المشرفين على التعذيب غالبا ما كانوا يستخدمون الوسائل التي تؤدي إلى فقدان العين لوظيفتها أو الأصابع مهارة اللمس وغيرها. وهذه بسبب أن الإنسان يخطيء أو يصيب أحيانا بترويض حواسه خدمة لنفسه وللصالح العام، كما نفعل الآن من خلال كتابة هذه الأسطر.
وكما في مختلف الميادين الحياتية يمكننا أن نسخّر كل شيء للخير أو للشر، هكذا أيضا حواسنا فقد تكون عيوننا شريرة وقد تنظر للأمور بمنظار صالح  لترى الأعمال الصالحة ولتعطي الإيعاز العصبي لباقي أجهزة الجسم بالسير في هذا المنوال، إذا حسب نظرة العين وتفسير الإشارات من الأجهزة العصبية تأتي باقي تصرفات الإنسان، كما ان للأذن أيضا أسلوبا واحدا في الاستماع لما يدور من حول الإنسان من أحاديث وأقوال وأحداث لكي بعد ذلك يقرر جهاز التحكم في الجسم عن التأثيرات المطلوب القيام بها، ولكن التأثيرات في الإنسان تختلف من واحد لآخر، لذلك قال المسيح له المجد من له عيون تنظر لينظر أو آذان تسمع ليسمع... فقد نسمع الكثير من الأقاويل والكلام الذي لا ننتبه إليه أو نميزه، وأيضا قد تمر أمام أعيننا صورا عدة دون ان نميز محتواها لتختفي دون ان تحدث أي تأثير فينا، وبذلك تكون الحواس غير فعالة أو غير حسّاسة لكي تلتقط كل شيء وتتأثر بكل شيء وتحلل كل شيء، وللعيون والآذان دور كبير في حياة الإنسان وحتى الشعراء قالوا إن الأذن تعشق قبل العين أحيانا، لأن هاتين الحاستين ذات أهمية كبيرة قياسا بالأخريات؛ فاللمس والذوق والشم حواس ذات فائدة للإنسان نفسه، فبها يتعرف على ما يأكله أو لما محيط به، ويتعرف على الروائح وغيرها من الأمور، على العكس من حاستي السمع والبصر، اللتين هما ذات علاقة بكل ما يحيط بنا لنراه ونسمعه، نحبه أو نكرهه، نتفاعل معه بالتحاور والنقاش والإقناع أو الثورة عليه بنيةِ تغييره، وهنا دورنا قد يكون إيجابيا إن كنا عناصر خير في المجتمع وقد يكون سلبيا عندما نكون باحثين عن الشر وكل هذا أمر طبيعي لما زيّن فيه خالقنا هذا الجسد الذي هو من أبداعه وصوّره أحسن تصوير.
لكن مقالنا يدور حول تقليل الاهتمام بحاسة السمع لأنها قد ملّت من كل الأحاديث التي تدور حول الإنسان في العراق ما بعد السقوط (سقوط النظام) حيث الكثير من الوعود الفارغة والتصريحات التي هي للإعلام فقط أما القبض فلا يوجد سوى الريح!!! فالجرائد موجودة وبالعشرات ومملوءة بأجمعها من أحاديث للمسؤولين الذين يوعدون الناس بالخير وهو غير موجود أصلا، وبالكهرباء وهي مفطوعة أصلا، وبالعمل وفرصهِ الحقيقية معدومة... هذا ما تأتي به للإنسان من خلال سمعه لمثل هكذا أحاديث التي رغم أهميتها نجدنا مرغمين بدعوة أخوتنا في العراق لتفعيل حاسة النظر والاعتماد عليها؛ لأننا إن لم نرى بأم أعيننا للحقيقة فلا نصدق ما نسمعه، فالسمع أصبح معظمه لأمور وهمية، لكن عندما نرى أن الشارع قد تم تبليطه فهذه حقيقة، وعندما نرى المدينة نظيفة فهذه حقيقة أيضا، وعندما نرى محطات الكهرباء تعمل وتُبنى أخرى جديدة فهذه الحقيقة بعينها، وهكذا عندما تختفي المظاهر المسلحة أو الحواجز الكونكريتية ويصبح السير منتظما فكلها عندما نراها نكون نرى الحقيقة بأعيننا، فيكون أمرا واقعا فعلا وليس خياليا، لكننا عندما نسمع في الإذاعة أو التلفزيون ونستفسر عن الحقيقة يقولون لنا استفسروا من تلك الجهات، ولا تعدوا كونها تصريحات خيالية أو أمنيات أصحابها!!
إننا اليوم بحاجة للعمل أكثر ما نحتاج إلى كلام، فالكلام المجرد هو لغة العاطلين والعمل هو لغة النشطين، والكلام أيضا نسمعه من الأذن لكن العمل نراه بالعين، وهنا ندعو لمخالة المقولة المشهورة أن الأذن تعشق قبل العين أحيانا، وندعو أن يقتصر العشق على ما تنقله لنا العين من مشاهد لأن هذا لا يمكن أن يكون سرابا بل الحقيقة بعينها، ونكتشف ما يقوم به الآخرون ونحكم عليهم بالنجاح أو الفشل ويزداد لدينا الأمل أو ننحدر نحو اليأس القاتل، وما تنقله لنا العين يوفر لنا الكثير من العناء وإضاعة الوقت بالاستماع للقيل والقال، وننهمك بتقوية حاسة النظر التي لا يمكن غشها كونها منظارا للحقيقة ولا شيء غيرها وهذا هو ما ننشده.
عبدالله النوفلي