قاسم محمد الكفائي
كاتب عراقي – كندا
canadainsummer@yahoo.com
canadainwinter@yahoo.com
أم عطوان مشهد يحكي عن الزعيم
[/size]

تتجدّدُ ذكرى ثورة عام 1958 بدوام خلود صانعها لما له من مكانة لائقة وعزيزة ومقدسة في نفوسنا نحن العراقيين . لقد سكن في عمق ضمائرنا وصار عنوان نرتكز عليه في مسيرة هو بدأها وسمّاها الجمهورية ، فقطع بها دابرَ الأنجليز وأطماعَهم ومخططاتِهم الخبيثة على العراق وشعبه . كان هو الزعيم الأوحد ، حبيب المخلصين لوطنهم ، عبد الكريم قاسم . في عهد الزعيم كنتُ صبيا ، ودخلتُ المدرسة الأبتدائية . في كل صباح كنتُ أفطر ب ( كعك أبو الدهن وأشرب من حليب الزعيم ) الذي يوزّع على الطلبة بالمجان وبكمية غير محدودة ، فكان يقوم بهذا الدور الفرّاش بمثابة الأب شعلان . أتذكّر عهدَه بوضوح وخطاباتُه مازالت ترنّ في عالم ذاكرتي دون أن أفهم تفاصيلها ، لكن الذي كان يتردّد على لسان الزعيم في كل خطاباته هي كلمة ( الشعب ) . فهذه الكلمة كانت تذهب الى القلوب وتستقرّ فيها لأن صاحبها الذي أطلقها صادقا ، نبيلا ، مخلصا ، عفيفا ، وطاهرا . سمعنا نفس هذه الكلمة صدرت عن حكّام تقلدوا المناصبَ من بعدِه فكانت كلمة نفاق ودجل تكاد أن تذهب الى القلوب كالسكين لتقطّع فيها . لأن الذين أطلقوها كانوا فسّادا ، سفلة ، عُتات ، مارقين . فالطّيب يخرج منه الطيب كما كان هو الزعيم الحبيب . عاش عبد الكريم بين أهله العراقيين ضابطا محبوبا وتقلدّ أعلى مناصب الدولة ولم يتغير حالُه عن أحوال أهله أو أقربائه أو أصدقائه بشيء سوى الرسميات الموكلة اليه . وخير مثال سريره الذي ينام عليه في بيته الذي عاش فيه عازبا مع أمه ( تقدست روحها الطاهرة ) وكان ضابطا كبيرا في الجيش العراقي . ذلك السرير – قريوله سيسَم – لم يتغير منه شيء وبقى معه كزعيم للبلاد وحتى استشهاده . في ذلك اليوم الحزين الذي أضاع فيه العراقيون بغفلتهم ، وتهاونهم رجلا مقداما شريفا محبا عطوفا ، ذاع خبرٌ ينعى الزعيم ، وينعى العراق بكل ما للكلمة من معنى . لقد قتلوا الزعيمَ عصابة أوباش وأهلُ غدر . وفي ذلك اليوم الذي هو صورة حيّة في ذاكرتي وكأني أعيشها هذه الساعة … خرجت النساءُ الى الشوارع ، نساءُ محلتِنا يبكيَنَّ الزعيم ، ويلطِمْنَّ الخدود ، دموعُهن تنحدر الى الأوداج بكل صدق ومحبة وولاء المواطن الى قائده . كان من بين النادبات وهي جارتنا إمرأة عجوز، باسقة القامة ، عفيفة اللسان ، وقورة المظهر ، فكانت تمثل الأمَّ العراقية … هذه العجوز أبنها الأكبر أسمُه ( عطوان ) يعمل نائب ضابط في الجيش ، وكان ذو خلق وشرف وذو لياقة في هندامه العسكري . أم عطوان كانت أطول كل النساء اللائي يندبن وسْط الشارع لسماعهنّ خبرَ مقتل الزعيم ، فكانت هي في وسطهن تبكي وتجرح خدَّيها بأظافرها ، وتلطمهما فيحْمَرّا . حتى فقدت وشقّت ثوبها الأسود وسقطت على الأرض وهي تصيح ( يا وليدي ) . حتى أن النساء اللائي معها إنشغلنَ بها وساعَدْنَها بترتيب هندامها ، وإقناعِها بالصبر والدعاء والرحمة . هذا المَشهد والله على ما أقول شهيد ما فارق ذاكرتي من ذلك اليوم المُفجع والى اليوم . أسجله لأول مرّةٍ لأخي وصديقي القارىء ولكل عراقي غيور ومحب والدموع تترقرق في عَيْنَيْ … لا لسياسة فقدناها أو ُملك أو جاه ، لكنّ فقدنا للكلمة الطيّبة والأنسان الطيب الذي تقلدّ منصبا رفيعا ولا يريد منه غيرَ بناء وطنه والأنسان الذي ينتسب اليه بكل شرف وتفاني . ما بعد الزعيم جاءتنا عصابة تحكم العراق بالخوف والقتل والأغتصاب يسمونها – الحرس القومي – فقطعوا علينا نحن التلاميذ الصغار كعك وحليب الزعيم واستبدلوها بالغدّارة – رشاش - . كان المعلمون البعثيون يدخلون الى الصف لتدريسنا وهم يحملونها بأيديهم ومنهم المعلم حازم وإبراهيم ، فإما أن يضعون غدّارتهم في زاوية الصف أو على رحلة الطالب الصبي وكنّا نخاف أن تنفجر علينا – هكذا نفكر – ، بينما في عهد زعيمنا المفدى كنّا نلعب في ساحة المدرسة ولا خوف علينا ، وكنا نقرأ الأناشيد للوطن وليس لسياسة أو جاه . فسلامٌ عليكَ وعلى روحك السامية أيها الزعيم الخالد عبد الكريم قاسم ، وسلامٌ على أمِكَ التي أنجبتكَ من رَحَم طاهر ، وسلامٌ على أم عطوان ، الأم التي جسّدت المعنى الصريح للأم العراقية فحملت نبلها وعفتها وجعلت منهما حليبا طاهرا لأبنائها ثم وَفتْ اليهم . بكت ولدها الزعيم بطهارة قلبها وعِفةِ ودمثِ مشاعرِها . لقد كانت أمّ عطوان المشهد الناصع والجميل الذي يحكي وبصدق عن الزعيم .
[/b]